المرصد

«الجزيرة» وفيسك وشارون

حين أطلق على الإعلام لقب «السلطة الرابعة»، كان ذلك الذي أطلقه يقصد المبالغة قليلاً في إظهار مدى تمسك وسائل الإعلام بثبات موقفها من الحقيقة، وكشف الأمور وتعرية الفساد وكل الظواهر الخاطئة في حياة المجتمع والحكومات، وما يتبعها من وزارات ومؤسسات ورسم صورة زاهية تبين الحريات العامة، في مقدمتها حرية التعبير، إضافة إلى التباهي بالتمسك بالمبادئ والمواقف غير القابلة للتلون مهما كانت المغريات أو التهديدات والضغوط.

ولكن ما الذي يدفع بمحطة تلفزيونية عربية من المفترض أنها تتمتع بقدر كبير من الموضوعية والحيادية والمهنية العالية مثل «الجزيرة انترناشيونال» الفضائية الناطقة بالإنجليزية، وصحيفة مثل «التايمز» إلى التخلي عن الحد الأدنى من موقفها والخروج علينا بمواقف جديدة صارخة مخالفة لأبسط قواعد ومفاهيم المنطق؟ فالأولى تصف رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق أرييل شارون بـ«الصديق وصانع السلام»، والثانية تصفه بـ«العسكري الوطني والشجاع»، الذي نجح في أن يحتل أهم منصب في إسرائيل وهو رئيس الوزراء. وإذا افترضنا أن صحيفة «التايمز» البريطانية هي لإمبراطور الإعلام الصهيوني الأسترالي الحامل للجنسية الأميركية روبرت ميردوخ، المعروف بمواقفه الداعمة لإسرائيل وجماعات اللوبي والضغط المؤيدة لها في بريطانيا والولايات المتحدة، وتالياً فإنه يجب ألا يدهشنا أو يفاجئنا مديحها لشارون الملقب بـ«البلدوزر»، بل ويجب ألا نتوقع منها غير ذلك، لكن ماذا عن فضائية «الجزيرة انترناشونال» وهي القناة العربية التي تنفذ سياسة إعلامية عربية من المفترض أنها تخدم القضايا العربية؟ فهل هي مضطرة إلى وصف قاتل ومجرم حرب بأنه «صديق»، وأن تكيل له المديح. وفي ظل صمت عربي مريب كان لا بد لصحافي أجنبي مثل الصحافي البريطاني روبرت فيسك أن ينبري ليوجه انتقادات لاذعة لقناة الجزيرة الناطقة باللغة الإنجليزية، وكل من امتدح شارون، ويقول «في الوقت الذي أثار فيه استياءنا وصف شارون بالمبدع والأسطورة والجريء، كانت المفاجأة الكبرى من قبل (الجزيرة) الناطقة بالإنجليزية التي تريد لنا أن ننسى قسراً كل ما ارتكبه شارون من جرائم وتجاوزات». وبعد أن يمعن فيسك في سرد إنجازات شارون لمصلحة إسرائيل، والتي هي ضد السلام فعلاً، يضيف أنه كان يجب علينا أن نكون سعداء بثورات الربيع العربي، إلا أن دفن إسرائيل لشارون كبطل من أبطالها في الوقت الذي يقاتل فيه العرب بعضهم بعضاً، ويتم فيه إسقاط مطالب الحرية التي نادت بها الثورات، يجب علينا أن نخجل جميعاً.

 

 

طباعة