«أرصدة الكربون».. تجارة خضراء على حساب المجتمعات المحلية

على ساحل دلتا نهر السند في باكستان، يجري تحويل غابة من أشجار المانغروف، تمتد على مساحة تبلغ نحو 350 ألف هكتار، إلى منتج تجاري قابل للبيع لشركات تقع على بعد آلاف الأميال، ويتمثل هذا المنتج في ما يعرف باسم «أرصدة الكربون».

وتتيح أرصدة الكربون للشركات تمويل مشروعات تهدف إلى امتصاص الكربون وتخزينه أو الحد من انبعاثات إضافية منه، مقابل الحصول على أرصدة تمثل كل منها كمية محددة من الكربون.

وتعد استعادة غابات المانغروف إحدى الوسائل التي يمكن من خلالها توليد هذه الأرصدة، نظراً إلى قدرة الغابات السليمة والنامية على امتصاص الكربون من الغلاف الجوي وتخزينه.

وقد أسهم ذلك في بروز قطاع اقتصادي متنامٍ، تبلغ قيمته مليارات الدولارات، ويقوم على تحويل جهود حماية البيئة واستعادتها إلى منتجات قابلة للتداول في الأسواق.

غير أن هذه الغابة لم تكن مجرد مساحة طبيعية يمكن تحويلها إلى أصل تجاري، بل كانت تمثل مورداً حيوياً لآلاف الأشخاص الذين يعيشون في المنطقة المحيطة بها، حيث إنها توفر الحماية لنحو 60 قرية من العواصف، وتشكّل بيئة حاضنة للأسماك، فضلاً عن كونها مصدراً للأخشاب والعسل والمواد التي يستخدمها السكان المحليون في صناعة أسقف المنازل المصنوعة من القش.

طريقة التقييم

ويكشف هذا التباين بين القيمة التجارية والقيمة المحلية عن إشكالية أوسع تتعلق بالطريقة التي يجري بها تقييم النظم البيئية وإدارة مواردها، فغابات المانغروف تمتلك، على الأقل، نوعين من القيمة، الأول قيمة يمكن قياسه وتحويله إلى سلعة قابلة للبيع لمشترٍ بعيد، غالباً ما يكون من الأثرياء أو الشركات الكبرى، والثاني قيمة مباشرة وملموسة بالنسبة إلى المجتمعات المحلية التي تعتمد على الغابة في حياتها اليومية وسبل عيشها، إلا أن هذه القيمة يصعب التعبير عنها من خلال مقابل مالي واضح، والمشكلة أن الأسواق التجارية أُنشئت أساساً لاستيعاب النوع الأول من القيمة، في حين لم تحظَ القيمة الاجتماعية والمعيشية والبيئية التي يستفيد منها السكان المحليون بالاهتمام نفسه.

ومن المتوقع أن تتصدر هذه القضية جانباً من النقاشات خلال مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ «كوب31»، المقرر عقده بمدينة أنطاليا التركية، في نوفمبر المقبل، وكانت الحكومات قد طالبت خلال مؤتمر «كوب 30»، الذي عُقد في العام الماضي، بمضاعفة التمويل الذي تقدمه الدول الغنية لمساعدة المجتمعات الفقيرة على مواجهة تداعيات تغيُّر المناخ ثلاث مرات على الأقل بحلول عام 2035.

وبالنسبة إلى السكان الذين يعيشون في مناطق غابات المانغروف، يمكن أن يشكل هذا التمويل، المعروف باسم «تمويل التكيف مع تغير المناخ»، عاملاً أساسياً في تعزيز قدرتهم على مواجهة المخاطر المناخية المتزايدة، بما في ذلك الأعاصير الأكثر شدة وارتفاع مستويات مياه البحر.

لكن التجربة المتراكمة على مدى عقد من الزمن في مجال تمويل المناخ أسهمت في إنشاء قنوات مالية تتدفق الأموال عبرها غالباً في اتجاه واحد، نحو الأنشطة والمشروعات التي يمكن قياس نتائجها، أو تداولها تجارياً، أو تصدير منتجاتها إلى الأسواق الخارجية.

سوق جديدة

وقد تحولت مشروعات استعادة النظم البيئية إلى سوق اقتصادية جديدة، شأنها شأن غيرها من الأسواق، حيث تتيح فرصاً للعمل، وتنشئ عقوداً تجارية، وتوفر برامج للتدريب والمراقبة والتقييم، إلا أن العوائد المالية الناتجة عنها لا تصل بالضرورة إلى المجتمعات التي تعيش في المناطق المستهدفة، بل تتوزع عبر سلسلة طويلة من الوسطاء والجهات المشاركة، تشمل جهات التحقق من النتائج، والوسطاء التجاريين، والجهات التي تجمع أرصدة الكربون، والمؤسسات المسؤولة عن منح الشهادات واعتماد المشروعات.

ويحصل كل طرف من هذه الأطراف على حصته من العائدات قبل أن يصل أي جزء منها إلى القرى والمجتمعات المحلية المعنية، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى عدالة توزيع المنافع الناجمة عن هذه المشروعات.

ومن الصعب تحديد الحجم الفعلي للحصص التي يحصل عليها الوسطاء، نظراً إلى أن نحو عشر هؤلاء فقط يفصحون عن أرباحهم، كما أن الاتفاقات التي تنص بوضوح على كيفية إيصال المنافع إلى المجتمعات المحلية لاتزال نادرة، فقد أظهرت مراجعة أجرتها منظمة «كاربون ماركت ووتش» غير الربحية على 47 وثيقة خاصة بمشروعات أرصدة الكربون، أن 15 وثيقة فقط تضمنت إشارات إلى تقاسم المنافع، في حين لم تقدم سوى أربع وثائق أدلة تثبت مشاركة المجتمعات المحلية أو الشعوب الأصلية في هذه المنافع.

تغيرات

إن المسألة لا تقتصر على الأموال التي يحصل عليها السكان أو النسبة التي تمنح لهم من العائدات، بل تتجاوز ذلك إلى التغيرات التي تطرأ على أنماط حياتهم وطرق استخدامهم للموارد الطبيعية التي يعتمدون عليها منذ أجيال، وكل مشروع لاستعادة البيئة يتضمن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مجموعة من المقايضات التي يتحمل طرف أو أكثر تبعاتها.

فعلى سبيل المثال، قد تتطلب حماية الكربون المخزن في غابات المانغروف إغلاق بعض المناطق أمام الصيد، ما يحرم السكان الذين يعتمدون على الأسماك في تأمين غذائهم ودخلهم من الوصول إلى موارد أساسية، كما أن زراعة أنواع نباتية بهدف تعزيز التنوع البيولوجي قد تؤدي إلى الاعتماد على أصناف لا توفر الحطب اللازم للوقود أو الثمار التي يستخدمها السكان في غذائهم.

وفي حالات أخرى، قد يؤدي تجريف القنوات المائية وإعادة زراعة الأشجار ضمن مساحات منظمة تعتمد على نوع نباتي واحد إلى إنشاء غابة تحقق درجات مرتفعة وفقاً لمعايير التقييم والمراقبة المعتمدة في المشروعات البيئية، لكنها في الوقت نفسه تفقد جانباً من خصائصها الطبيعية وهويتها الأصلية، ونتيجة لذلك قد تصبح الغابة مختلفة إلى حد كبير عن البيئة التي اعتاد السكان العيش فيها والاستفادة من مواردها المتنوعة.

منافع مؤجلة

ولا يمكن اعتبار هذه النتائج مجرد آثار جانبية عشوائية، حيث إنها ترتبط في كثير من الأحيان بالخيارات التي تتخذ عند تصميم المشروعات وتحديد أهدافها ومعايير نجاحها، ويتكرر في هذا السياق نمط واضح، يتمثل في أن التكاليف تكون فورية ومحلية ومؤكدة، بينما تظل المنافع المتوقعة مؤجلة زمنياً، وبعيدة عن المجتمعات المتأثرة، فضلاً عن كونها غير مضمونة في كثير من الأحيان.

وفي هذا الإطار، خلص تحليل عالمي نشر عام 2021 وشمل 88 دراسة تناولت استعادة غابات المانغروف، المعروفة أيضاً باسم غابات القرم، إلى أن الغابات التي خضعت لعمليات الاستعادة غالباً ما تستعيد عدداً أقل من الوظائف البيئية مقارنة بالغابات الطبيعية المماثلة، كما أشار التحليل إلى أن الفترة التي تحتاج إليها هذه الغابات للتعافي قد تفرض أعباء وتكاليف ملموسة على المدى القصير على المجتمعات التي تعيش بالقرب منها وتعتمد على مواردها.

حارسة الغابة

غالباً ما يجري التعامل مع المجتمعات التي تعيش في مناطق غابات المانغروف باعتبارها جزءاً من المشكلة البيئية، بدلاً من النظر إليها بوصفها شريكاً أساسياً في حماية هذه النظم وإدارتها، فعندما تقوم إحدى العائلات بقطع الأشجار أو ممارسة الصيد داخل منطقة محمية، قد تصنف باعتبارها طرفاً معتدياً على البيئة، وينظر إلى الموارد التي تحصل عليها من الغابة باعتبارها امتيازات أو ممارسات ينبغي الحد منها أو إنهاؤها.

ويُغفل هذا التصور حقيقة أن العديد من هذه المجتمعات ظلت تدير استخداماتها للغابات وتنظمها بنفسها على مدى أجيال طويلة، وطورت في أثناء ذلك معارف محلية متوارثة بشأن كيفية الاستفادة من الموارد الطبيعية والحفاظ عليها في الوقت نفسه.

وتبرز هذه العلاقة بين السكان والغابة بوضوح في غابات «سونداربانس»، التي تعد أكبر غابات المانغروف في العالم وتمتد عبر الهند وبنغلاديش، ففي هذه المنطقة، يستحضر السكان المنتمون إلى ديانات مختلفة قصة «بونبيبي»، التي تعرف بأنها حارسة الغابة، ووفقاً للمعتقدات المحلية، توفر «بونبيبي» الحماية لمن يدخل الغابة بدافع الحاجة، في حين تعاقب من يدخلها بدافع الطمع.

توازن

ولا تقتصر أهمية هذه القصة على بعدها الثقافي أو الديني، بل تمثل جزءاً من منظومة أوسع من المعارف والتقاليد المحلية التي تحدد كيفية التعامل مع الغابة واستخدام مواردها، وتعبر عن تصور للعلاقة بين الإنسان والطبيعة يقوم على التوازن بين تلبية الاحتياجات المعيشية والمحافظة على البيئة.

ويمكن الاستفادة من هذه المعارف المحلية في توجيه مشروعات استعادة النظم البيئية، حيث تساعد في تحديد أنواع الأشجار المناسبة للزراعة في كل موقع، بما يتوافق مع الظروف الطبيعية والاحتياجات المحلية، كما يمكن أن تسهم في تحويل عمليات الغرس من مجرد أنشطة مؤقتة مرتبطة بفترة التمويل إلى ممارسات مستدامة للرعاية والحماية يواصل السكان تنفيذها حتى بعد انتهاء الدعم المالي المخصص للمشروع.

وبالنسبة للحالات التي يتم فيها تهميش هذه المعارف، فقد وصف الباحثون النتيجة بأنها «استعمار أخضر»، حيث يشير هذا المفهوم إلى أن المشروعات التي تنفذ تحت شعارات حماية البيئة ومواجهة تغير المناخ قد تؤدي، في بعض الحالات، إلى إعادة إنتاج أنماط من السيطرة على الموارد الطبيعية، مع تقييد قدرة المجتمعات المحلية على الوصول إليها أو تحديد كيفية استخدامها.

عن «كونفرزيشن»

3 نتائج لاستعادة غابات المانغروف

يمكن أن تُفضي مشروعات استعادة غابات المانغروف إلى ثلاث نتائج رئيسة، ففي الحالة الأولى يتعافى النظام البيئي ويحصل السكان المحليون على حصة عادلة من القيمة الناتجة، بينما في الحالة الثانية يتعافى النظام البيئي أيضاً، لكن القيمة تذهب إلى الوسطاء والمشترين من أماكن بعيدة، أما في الحالة الثالثة فينهار المشروع بالكامل، نظراً لغياب أي ضوابط تنظم عمليات البيع المتسارعة.

ويظل الأمر المقلق أن الحالة الثانية قد يجري تصنيفها، على الرغم من ذلك، على أنها نجاح، فقد خلصت مراجعة أجريت عام 2026 وشملت 77 مشروعاً لتخزين الكربون في المحيطات أو المناطق الساحلية، إلى أنه من الصعب غالباً تحديد أي من هذه السيناريوهات هو القائم فعلياً، وذلك لندرة توثيق مشاركة المجتمعات المحلية في تلك المشروعات.

وتعد الحالة الثانية الأكثر استحقاقاً للمعالجة، فهي الأكثر شيوعاً والأكثر خداعاً في آنٍ واحد، وهذا يتطلب وضع السكان الذين يعيشون في مناطق الترميم البيئي أو في محيطها في قلب عملية تقييم ما حقق نجاحاً فعلياً.

وهذا السؤال ما يستكشفه مشروع «إحياء» لاستعادة غابات المانغروف في ماليزيا، فمن خلال العمل في ثلاثة مواقع بماليزيا، يتم البدء بتحديد ما يعتبره السكان المحليون أنفسهم نتيجة جيدة، ثم تتبع كيف تتوازن هذه النتائج مع سلاسل القيمة المرتبطة بالغابات.

ولا يمكن إلغاء «التنازلات» من خلال التصميم وحده، فما يمكن تغييره هو «من يملك سلطة اتخاذ القرار». وخلال الوقت الراهن، غالباً ما تتبع عملية صنع القرار الجهة الممولة، وهو ما يفسر كيف يمكن تحقيق النجاح، بينما يزداد وضع الأشخاص الذين يقومون بأعمال الاستعادة سوءاً. وينبغي للمجتمعات التي أدارت غابات المانغروف لأجيال أن تكون هي من يضع الشروط، لا أن تتلقاها من الآخرين.

ويمكن قياس كمية الكربون في غابات المانغروف بدقة، لكن لايزال هناك عجز من تحديد من دفع ثمن ذلك، سواء كان الثمن متمثلاً في خسارة الموارد السمكية، أو تقييد الوصول إلى الموارد، أو استنزاف الوقت.

جزء حيوي من البيئة الساحلية

تتنفس أشجار المانغروف عبر جذورها، وتبدو كأنها تقف على ركائز متينة، وتنمو بشكل أفضل في مياه البحر المالحة والدافئة، التي تتدفق إليها وتغادرها بفعل حركة المد والجزر.

ولطالما اعتبرت غابات المانغروف «القرم» أماكن غير مضيافة ينبغي تجنبها، ما أدى إلى إزالتها على نطاق واسع، لكن هذه الأشجار بدأت تحظى اليوم باهتمام متزايد، نظراً لدورها الحيوي لدعم التنوع البيولوجي، وتخزين الكربون، والحد من آثار العواصف والأعاصير وموجات «التسونامي».

ومنذ عام 1984، يعكف العلماء على مراقبة نمو غابات المانغروف وانتشارها الجغرافي باستخدام الأقمار الاصطناعية، وللمرة الأولى تشهد هذه النظم البيئية الفريدة توسعاً بمعدل يفوق معدل تراجعها، ويجري النظر إلى غابات المانغروف، منذ فترة طويلة، على أنها يمكن الاستغناء عنها، حيث سارع البشر إلى تحويلها إلى حقول للأرز، أو مزارع لنخيل الزيت، أو مشروعات للاستزراع المائي، كما تم استخدام بعضها كمكبات للنفايات. وعلى الرغم من ذلك، أصبحت غابات المانغروف تُصنف اليوم كجزء حيوي من البيئة الساحلية، فهي توفر مواطن غنية للعديد من النباتات والحيوانات، بما في ذلك الأسماك مثل سمك الباراموندي «وأسماك الراي العملاقة»، والزواحف «مثل ثعابين البحر»، وحتى الثدييات «مثل القرود» وفأر الماء.

وتُعد هذه الغابات مخازن بالغة الأهمية للكربون، حيث تحتجز كميات من الكربون تفوق بأربعة أضعاف ما تخزنه الغابات البرية الأخرى، وفضلاً عن ذلك توفر أشجار المانغروف حماية للمجتمعات الساحلية والنظم البيئية من الكوارث الطبيعية، من خلال تقليل مخاطر الفيضانات والتعرية. أما من منظور اقتصادي فتتيح غابات المانغروف لملايين الصيادين كسب عيشهم، كما تدعم قطاع الصيد التجاري، وإلى جانب ذلك تحمل هذه الغابات قيمة ثقافية هائلة لدى مجتمعات الشعوب الأصلية، التي تربط في كثير من الأحيان بين أشجار المانغروف ومعتقدات دينية معينة أو ممارسات ثقافية متوارثة.

• قيود الصيد واستخدام الموارد الطبيعية، تضع السكان أمام معادلة صعبة بين حماية البيئة والحفاظ على سبل العيش.

• تنامي الاستثمار في استعادة النظم البيئية، أثار جدلاً حول توزيع العائدات وضمان حقوق المجتمعات الأكثر تعرضاً لتداعيات تغير المناخ.

الأكثر مشاركة