يخت بـ 450 مليون دولار يتحوّل إلى منصة للدبلوماسية الأميركية في إيطاليا
يبدو أن علاقة الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع رئيسة الحكومة الإيطالية يشوبها الفتور، مما كانت عليه سابقاً، في وقت يبرز فيه السفير الأميركي لدى روما، الملياردير القادم من ولاية تكساس تيلمان فيرتيتا، باعتباره شخصية تحظى باهتمام لافت من جانب النخب السياسية الإيطالية، حيث يستخدم فيرتيتا يخته الفاخر الضخم «بوردووك»، الذي يبلغ طوله 383 قدماً، لاستضافة عدد كبير من الشخصيات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الإيطالية، متنقلاً بهم بين خليج نابولي وجزر البندقية ومدينة باري الساحلية في جنوب البلاد، في إطار جولة بحرية ذات طابع دبلوماسي تمتد لنحو شهرين ونصف الشهر.
وتبلغ قيمة اليخت نحو 450 مليون دولار، فيما تتميز مساحاته الداخلية والخارجية بأرضيات من خشب الساج اللامع، ليصبح خلال صيف إيطاليا الحار مسرحاً لسلسلة من الحفلات والفعاليات التي تجمع بين السياسة والأعمال والرياضة، في مشهد يجسد أسلوباً غير تقليدي في ممارسة الدبلوماسية.
وتضم هذه الفعاليات رؤساء تنفيذيين لشركات وشخصيات رياضية، إلى جانب مسؤولين على المستوى الوطني وحكام أقاليم ورؤساء بلديات، حيث يجتمع الضيوف في المساحات المتعددة التي يوفرها اليخت، ويطلعون على مجموعة واسعة من مرافقه الفاخرة، التي تشمل مهبطين للمروحيات ومسبحين وأربعة أحواض «جاكوزي»، إضافة إلى غرفة للغوص تضاهي تلك التي تظهر في أفلام جيمس بوند، فضلاً عن منتجع صحي وصالة ألعاب رياضية مجهزة بالكامل.
وتُقام هذه الفعاليات على نفقة السفير الأميركي الخاصة، باستثناء تكاليف الأمن الرسمي المصاحب لها. ويحتل فيرتيتا، وفقاً لمجلة «فوربس»، المرتبة 312 بين أغنى أثرياء العالم.
ويمتلك فيرتيتا، المنحدر من أصول صقلية، ثروة صافية تقدر بنحو 11.1 مليار دولار، ما يجعله واحداً من أغنى الأشخاص الذين تولوا منصب سفير للولايات المتحدة على الإطلاق.
أصحاب الثروات
وعندما يبحر فيرتيتا، البالغ من العمر 69 عاماً، حول شبه الجزيرة الإيطالية، على متن يخت يجسد أقصى مظاهر الرفاهية والبذخ، فإنه يقدّم نموذجاً لافتاً لما يمكن وصفه بدبلوماسية حقبة ترامب. فالرجل هو مالك فريق «هيوستن روكتس» لكرة السلة، وسلسلة مطاعم «بوبا غامب شريمب»، ومجموعة فنادق «غولدن ناغيت».
ولا تُمثل ظاهرة تولي الأثرياء منصب السفراء الأميركيين أمراً جديداً، خصوصاً في دول أوروبا الغربية، حيث غالباً ما يحصل كبار المتبرعين للحملات السياسية على مناصب دبلوماسية مرموقة، ويرتبط ذلك، من بين أسباب أخرى، بقدرتهم على تحمل تكاليف الاستضافة والترفيه والفعاليات الاجتماعية المرتبطة بالمنصب.
غير أن إدارة ترامب الثانية، شهدت ارتفاعاً لافتاً في نسبة السفراء المعينين سياسياً، حيث جاءت 90% من ترشيحات السفراء الأميركيين من هذه الفئة، وليس من بين الدبلوماسيين المحترفين، وهي نسبة تفوق بكثير ما شهدته الإدارات الأميركية السابقة.
وأدى هذا التوجه إلى دخول مزيد من أصحاب الثروات والنفوذ السياسي إلى السلك الدبلوماسي الأميركي، من بينهم مجموعة جديدة من السفراء المليارديرات، مثل المطور العقاري تشارلز كوشنر، والمصرفي وارن ستيفنز، وقطب صناعة مستحضرات العناية بالشعر لياندرو ريزوتو الابن.
وقالت الباحثة في شؤون الدبلوماسية بجامعة جورجتاون والسفيرة الأميركية السابقة لدى اليمن، باربرا بودين، إن السفراء المعينين سياسياً يستخدمون عادة ثرواتهم الشخصية لتحسين وتحديث مقر إقامة السفير، لكنها اعتبرت أن ما يحدث مع فيرتيتا يتجاوز ذلك بكثير.
عناصر قوة
وفي المقابل، يرى فيرتيتا أن ثروته ومكانته وعلاقته المباشرة بالرئيس ترامب تُمثل عناصر قوة في مهمته الدبلوماسية، ويعتقد أن هذه المزايا توفر له أدوات لا يمتلكها دبلوماسيون آخرون، سواء على طاولة المفاوضات أو حتى على مقدمة يخت فاخر.
وقد أثار قرار رجل يمتلك مثل هذه الثروة الهائلة بالسعي إلى تولي منصب سفير، دهشة عدد من الأشخاص الذين يعرفونه. إلا أن فيرتيتا ينظر إلى المنصب باعتباره جزءاً من تحقيق ما يصفه بـ«الحلم الإيطالي - الأميركي».
وقال إن منصب السفير كان دائماً أحد طموحيه الكبيرين، وإنه بعدما حقق طموحه الآخر المتمثل في «امتلاك فريق رياضي محلي»، أصبح منصب السفير هو الطموح الكبير الوحيد المتبقي لديه.
اهتمام واسع
وأصبح أسلوب حياة فيرتيتا محط اهتمام واسع في وسائل الإعلام الإيطالية، كما وجد طريقه إلى أعمدة أخبار المشاهير التي تناولت نمط حياته الفاخر وتحركاته البحرية واستضافاته للشخصيات السياسية والاجتماعية.
وعندما وصل فيرتيتا إلى روما العام الماضي، أنفق نحو مليوني دولار من أمواله الخاصة على تجديد «فيلا تافيرنا»، وهي مقر إقامة السفير الأميركي الفاخر في العاصمة الإيطالية. وفي تلك الفترة، استخدم مروحية للتنقل إلى مقر عمله انطلاقاً من يخت فاخر كان يقيم فيه لمدة ثلاثة أسابيع.
وفي مايو، وصل يخته الضخم الجديد «ذا بوردووك»، المجهز بأحدث التقنيات والتجهيزات. ويقدر فيرتيتا أن جولته الساحلية، التي تهدف جزئياً إلى الاحتفال بالذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، وكذلك إلى تجنب أعمال التجديد الجارية في مقر الإقامة الأميركي في روما، تكلفه حالياً نحو مليون دولار من أمواله الخاصة.
تعزيز العلاقات
ويأتي هذا النشاط الدبلوماسي في وقت يسعى فيه فيرتيتا إلى تعزيز العلاقات مع إيطاليا، الدولة التي تظهر، وفقاً لما يراه، ترحيباً بالأميركيين يفوق ما هو قائم في العديد من الدول الأوروبية، لكنها في الوقت نفسه شهدت توتراً علنياً في علاقاتها مع الحليف القديم، رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني.
ويتذكر السفير الأميركي مأدبة عشاء أقيمت في منتجع «مار-أ-لاغو» المملوك للرئيس ترامب في ولاية فلوريدا، عندما حضر اللقاء إلى جانب ترامب وميلوني، في فترة كانت العلاقات بين الرئيس الأميركي ورئيسة الحكومة الإيطالية في ذروة قوتها.
ويقول فيرتيتا إن الانسجام بين ترامب وميلوني كان كبيراً في ذلك الوقت، إلا أن العلاقة شهدت لاحقاً تراجعاً على خلفية رفض إيطاليا الانضمام إلى الحرب التي يخوضها ترامب.
ومع تحوّل الخلاف بين ترامب وميلوني إلى سجال علني اتسم، وفق وصف فيرتيتا، بمشاحنات لاذعة شبيهة بمشاجرات طلاب المدارس الثانوية، حاول السفير الأميركي التدخل لتهدئة الأجواء، ونصح الجانب الإيطالي بأن الاستمرار في هذا الخلاف لن يحقق له أي مكسب.
وأوضح فيرتيتا: «ما قلته لهم هو: لا تدخلوا في مباراة كرة طائرة كلامية مع دونالد ترامب، لأنه لا يتراجع وسينتصر في النهاية. دونالد ترامب شخصية جذابة، وما عليكم سوى معرفة التعامل معه».
وأكد فيرتيتا أن ترامب لا يحمل «أي ضغينة شخصية» تجاه ميلوني، وأن غضبه وإحباطه يرتبطان أساساً بمسائل تتعلق بحلف شمال الأطلسي «الناتو».
عن «واشنطن بوست»
. ثروة فيرتيتا تقدر بـ11.1 مليار دولار، ما يجعله واحداً من أغنى الأشخاص الذين تولوا منصب سفير أميركي.
توجهات أيديولوجية
يصف السفير الأميركي في إيطاليا، تيلمان فيرتيتا، نفسه بأنه من المحافظين، لكنه يشير في الوقت نفسه إلى أنه سبق أن دعم مرشحين ديمقراطيين عندما اعتقد أنهم «على صواب». فقبل ثلاث سنوات، تولى في هيوستن منصب المدير المالي لحملة جون ويتماير، وأسهم في دعم المرشح الديمقراطي خلال حملته التي انتهت بفوزه في سباق رئاسة البلدية.
في المقابل، برز بعض السفراء الذين اختارهم الرئيس دونالد ترامب، ومن بينهم المبعوث الأميركي في بلجيكا، بيل وايت، من خلال مواقف وصدامات أثارت اهتماماً إعلامياً وسياسياً محلياً، بعدما دخل في خلافات مع صحافيين محليين وأثار حفيظة السلطات الحكومية، فيما ظهر بعض هؤلاء السفراء باعتبارهم من أصحاب التوجهات الأيديولوجية التي تتبنّى نهج «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً».
جدل حول نفوذ المليارديرات الأميركيين
احتجاجات شعبية على رسو اليخت «بوردووك » في البندقية. من المصدر
أجمع المقربون من رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني، سواء في تصريحاتهم العلنية أو خلال الأحاديث والجلسات الخاصة، على أن السفير الأميركي لدى إيطاليا، تيلمان فيرتيتا، تمكّن من كسب ودهم وتعزيز علاقاته مع دوائر سياسية بارزة في البلاد.
وقال وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو، إن أبرز ما يميز فيرتيتا، من وجهة نظر الجانب الإيطالي، هو «حبه لإيطاليا وشعوره بارتباط عميق بها».
وأضاف كروسيتو أن هناك ميزة أخرى تحظى بأهمية خاصة، تتمثّل في الاحترام الذي يكنه الرئيس الأميركي دونالد ترامب لفيرتيتا، موضحاً: «ترامب يكن له الاحترام، فهو أحد القلائل الذين يمكنهم الاتصال به والحديث معه لنصف ساعة حول أي موضوع».
ويشتهر فيرتيتا، وفق ما يتردد عنه، بقدرته على الاستفادة من شبكة علاقاته الواسعة وسحر عالم المليارديرات، عندما تستدعي الحاجة إلى ذلك.
ويستذكر كروسيتو، المعروف باهتمامه الكبير بكرة السلة، واقعة تعكس طبيعة هذه العلاقات، عندما كان يتحدث عن لاعبه المفضل، نجم كرة السلة الأميركي السابق شاكيل أونيل.
وبحسب كروسيتو، فإنه خلال إحدى المحادثات التي ذكر فيها اسم أونيل، نظر إليه فيرتيتا وقال له: «دعنا نتصل به».
وبالفعل، تم إجراء الاتصال، إلا أن امرأة ردت على الهاتف وأبلغتهما بأن لاعب كرة السلة الأسطوري نائم. فما كان من فيرتيتا إلا أن أجابها قائلاً: «أيقظيه». وبعد لحظات قصيرة، وجد وزير الدفاع الإيطالي نفسه يتحدث مباشرة مع شاكيل أونيل.
وفي معرض حديثه عن طبيعة العلاقات بين روما وواشنطن، قال كروسيتو: «لا توجد أي مشكلة في صداقتنا مع الولايات المتحدة».
وعلى الرغم من العلاقات الوثيقة التي تمكّن فيرتيتا من بنائها مع عدد من الشخصيات السياسية الإيطالية، فإن بعض مؤيديه، ومن بينهم رئيس مجلس الشيوخ الإيطالي إغنازيو لا روسا، أحد مؤسسي حزب ميلوني، أحجموا عن تلبية دعوة لزيارة يخته الفاخر «بوردووك» خلال الصيف، معتبرين أن توقيت الزيارة وصورتها العامة لم يكونا مناسبين في ظل التطورات والظروف التي كانت تمر بها البلاد.
وقال لا روسا: «لقد وعدته بالذهاب، لكنني لم أفعل ذلك بعد. لا أريد التسبب في أي إحراج له أو للحكومة».
وفي المقابل، ينظر منتقدو فيرتيتا في إيطاليا إلى وجوده ونشاطه بوصفهما رمزاً لصعود طبقة الأوليغارشية الأميركية، وما يرونه من تنامي نفوذ أصحاب الثروات الضخمة في مفاصل الحكم والدبلوماسية.
وتصاعدت حدة الانتقادات عندما رسا اليخت «بوردووك» في مدينة البندقية الشهر الماضي، حيث احتشد مئات المحتجين لاستقباله، وردد بعضهم شعارات من بينها «لا مكان للمليارديرات» و«البندقية ليست الولايات المتحدة».
ولم تقتصر الانتقادات على الاحتجاجات الشعبية، حيث طالب سياسيون من حزب الخضر بالكشف عن الكُلفة غير المعلنة لتأمين اليخت، والتي تتحملها الدولة الإيطالية.
خروج عن قواعد الذوق
ربما تختلف علاقة إيطاليا بالثروة والثراء عن تلك السائدة في دول أوروبية أخرى، مثل بريطانيا، حيث قد ينظر إلى الطموح لتحقيق الثراء والتمتع بالوجاهة والمكانة الاجتماعية باعتباره عيباً في الشخصية. أما إيطاليا، فهي البلد الذي أسهمت فيه علامتا «غوتشي» و«فيرساتشي» في ترسيخ مفهوم «الفخامة الصارخة»، كما كانت الساحة التي شهدت في وقت سابق ظاهرة «الولع» السياسي برجل الأعمال والملياردير المحب للحياة سيلفيو برلسكوني.
ومع ذلك، وحتى في إيطاليا، قد تنظر بعض النخب إلى مظاهر الثراء والاستعراض على الطريقة الأميركية باعتبارها خروجاً عن قواعد الذوق الرفيع والأعراف الاجتماعية السائدة.
وعلى الرغم من أن بعض الشخصيات المنتمية إلى اليسار السياسي الإيطالي استمتعت برحلة على متن يخت السفير الأميركي لدى روما، تيلمان فيرتيتا، فإن شخصيات أخرى وجهت انتقادات حادة إلى هذه الجولة وما رافقها من مظاهر استعراض للثروة.
وبادر عضو البرلمان والرئيس المشارك لتحالف «الخضر واليسار»، أنجيلو بونيلي، إلى تقديم طلب استيضاح برلماني طالب فيه بالكشف عن الكُلفة التي تتحملها الحكومة الإيطالية نتيجة استخدام قوات الشرطة والمروحيات والسفن لتأمين جولة فيرتيتا.
ولم تقدّم حكومة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني إجابة واضحة بشأن حجم هذه الكُلفة، كما لم تستجب لطلب تقدمت به صحيفة «واشنطن بوست» للتعليق على الأمر.
ويقدّر بونيلي كُلفة الإجراءات الأمنية المصاحبة للجولة بما يراوح بين ثلاثة وأربعة ملايين يورو (3.5 إلى 4.6 ملايين دولار).
وانتقد بونيلي الجولة بشدة، واعتبر أنها تفتقر بصورة كاملة إلى الذوق وتتعارض مع الأعراف والتقاليد الإيطالية، قائلاً إن هذا النوع من الاستعراض للثروة يُمثل، على حد وصفه، أمراً «مقيتاً بصراحة»، مضيفاً أن مثل هذا الأسلوب لا يحظى بالقبول في أوروبا، «أو على الأقل هنا» في إيطاليا.