«شيخوخة السكان» تُغيّر طبيعة عمل الشرطة في دول شرق آسيا
من المتوقع أن يبلغ عُمر نحو ثُلث سكان شرق آسيا 60 عاماً أو أكثر بحلول عام 2050، ما يجعلها أسرع المناطق شيخوخةً في العالم، وقد تركزت النقاشات العامة حول «شيخوخة السكان»، إلى حد كبير، في آثارها على الحوكمة، والنمو الاقتصادي، واستدامة المعاشات التقاعدية، والرعاية الصحية، والتخطيط الحضري، وسياسة الإسكان، ومع ذلك لايزال هناك مجال واحد لم يُناقش بشكل كافٍ وهو عمل الشرطة.
دور جديد للشرطة
في المجتمعات التي تشهد شيخوخة سكانية، أصبحت الشرطة «الجهة الشاملة» المسؤولة عن إدارة قضايا الشيخوخة، حيث توسعت أدوارها وأعباء عملها بطرق لم يسبق لها مثيل، وفي الأغلب يتم الاستعانة بضباط الشرطة، للبحث عن كبار السن المفقودين، والرد على المكالمات في وقت متأخر من الليل من أولئك الذين يعانون ارتباكاً أو شعوراً بالضياع، ومع تزايد انتشار عمليات الاحتيال المدعومة بالذكاء الاصطناعي، يؤدي الضباط دوراً متزايداً كموجهين يوفرون الحماية، حيث يساعدون كبار السن في التعرّف إلى الاحتيال المالي وتجنبه.
وفي الأغلب يكون أفراد الشرطة أول من يصل إلى مكان الحادث عندما يتعرّض كبار السن للسقوط أو النوبات القلبية أو السكتات الدماغية أو غيرها من حالات الطوارئ الطبية، كما أنهم في الخطوط الأمامية لتقديم الخدمات الاجتماعية، حيث يستجيبون للحالات المتزايدة من إساءة معاملة كبار السن أو إهمالهم، ويقومون بشكل روتيني بزيارات للتحقق من رفاههم، خصوصاً أن العزلة الاجتماعية وتآكل الروابط الأسرية يتسببان بضرر في الصحة النفسية.
علاوة على ذلك، دفعت الحوادث المرورية المتزايدة التي يتورط فيها سائقون مُسنون، الشرطة، إلى المشاركة في حملات توعية بسلامة السائقين، وتحديد السائقين المُسنين المعرضين للخطر والإبلاغ عنهم.
شراكات جديدة
تتطلب الواجبات المتزايدة المفروضة على الشرطة إقامة شراكات جديدة بدلاً من مجرد تعديل الهياكل التنظيمية والإجراءات التقليدية المركزية والهرمية، ويتعيّن على الشرطة الآن العمل بسرعة وبشكل وثيق مع المستشفيات والعيادات، ومرافق الرعاية طويلة الأمد، لتحديد ما إذا كان الشخص المفقود قد تم إدخاله إلى إحدى هذه المرافق أو تم العثور عليه.
وتدعم جمعيات الأحياء، ومجموعات السكان، والمتطوعون المدربون جهود البحث، بينما تُعزّز الأسر ومقدمو الرعاية، إجراءات الوقاية من خلال تسجيل كبار السن المصابين بالخرف في أنظمة الإنذار المحلية، وتزويدهم بأجهزة تتبع تعمل بنظام تحديد المواقع العالمي، كما يؤدي مشغلو وسائل النقل وتجار التجزئة والشركات الأخرى دوراً مهماً كشركاء مجتمعيين، من خلال البقاء في حالة تأهب لرصد كبار السن الذين يتجولون من دون هدف، والإبلاغ عن أي مشاهدات محتملة لهم.
تكييف البنية التحتية
مع تكثيف التنسيق بين الشرطة والجهات الفاعلة الأخرى في المجتمع، قامت الدول بتكييف البنية التحتية القائمة لديها، والاستفادة منها لتوسيع نطاق هذه الحلول التعاونية الناشئة، وبدلاً من بناء أنظمة جديدة تماماً، أعاد كل بلد توجيه نقاط قوته الحالية، مثل شبكات النقل، والتخطيط الحضري، وأنظمة التعليم، والبنية التحتية الرقمية، وتقنيات المراقبة، أو منصات تحديد الهوية البيومترية، لتكون بمنزلة العمود الفقري للتعاون عبر القطاعات، الذي يُمكّن الشرطة من توسيع قدراتها، وبالتالي فإن القاسم المشترك في جميع أنحاء شرق آسيا ليس التقارب المؤسسي، بل تكييف البنية التحتية.
نموذج سنغافورة
ففي سنغافورة، على سبيل المثال، يتم التعامل مع حالات «التيهان» المرتبطة بالخرف، من خلال الاستفادة من بنيتها التحتية الحضرية الرائدة عالمياً لتوسيع قدرات الشرطة في مجال البحث، وتضم سنغافورة أكثر من 800 نقطة لجوء لمرضى الخرف، موزعة في محطات النقل العام، ومحال السوبرماركت، ومراكز رعاية المسنين، حيث يمكن لأفراد المجتمع إحضار الأشخاص الذين يبدون «تائهين»، للحصول على المساعدة من الموظفين المدربين، ويحمل العديد من كبار السن رموز «كيو آر» ترتبط بمعلومات الاتصال بمقدمي الرعاية لهم، ما يساعد في تحويل المدينة إلى شبكة داعمة لمرضى الخرف توسع نطاق عمل الشرطة.
التجربة اليابانية
بدورها، تحشد اليابان بنيتها التحتية التعليمية، لتعزيز نموذج الرعاية المجتمعية الخاص بها، الذي يقوم على مراكز الشرطة المحلية (كوبان)، والأخصائيين الاجتماعيين، والشركات، والمتطوعين، والسكان الذين يساعدون في البحث عن كبار السن المصابين بالخرف الذين يتجولون من دون هدف عبر «شبكات طوارئ» خاصة بهم، وتنتشر هذه الشبكات في جميع أنحاء البلاد، من المدن الكبرى مثل طوكيو إلى المدن الأصغر مثل أوموتا، وتحتاج إلى مستوى عالٍ من الوعي العام.
وبناء على ذلك، يتلقى الأطفال في المدارس من خلال التثقيف المجتمعي تعليماً حول «الخرف»، وكيفية التعامل مع كبار السن التائهين، ما يُشكّل شبكة دعم متشابكة بين الأجيال داخل المجتمع المحلي، ويعمل المجتمع بأكمله كشبكة أمان لمنع كبار السن المصابين بالخرف من الضياع أو التعرض لإصابات خطرة، ويصبح المجتمع المثقف نظام رعاية نشطاً وفي حالة تأهب دائم يمكن للشرطة الاستعانة به.
إجراءات هونغ كونغ
في المقابل، تستفيد شرطة هونغ كونغ من البنية التحتية الواسعة للنقل في المدينة لإنشاء نظام مراقبة منسق وواسع النطاق، لتحديد أماكن كبار السن المفقودين، وعلى عكس المجتمعات التي تعتمد على السيارات، فإن من المرجح أن يستخدم كبار السن الذين يتجولون في هونغ كونغ، شبكة السكك الحديدية للنقل الجماعي الواسعة في المدينة، وهي واحدة من أكثر شبكات السكك الحديدية ازدحاماً واستخداماً في العالم، حيث تشغل أكثر من 7500 رحلة، وتقل أكثر من 4.7 ملايين راكب يومياً.
وفي إطار شراكة غير مسبوقة مع شبكة القطارات، يمكن للشرطة إدخال رقم بطاقة النقل المرتبطة بهوية المسن المفقود المعروفة باسم «أوكتوبوس»، والتي يمتلكها 98% من السكان في سن العمل، بحيث يؤدي استخدامها تلقائياً إلى تنبيه موظفي المحطة وإخطار الشرطة بموقع الشخص، مع منع البطاقة من العمل عند بوابات الخروج، وتوجيه الشخص إلى موظفي المحطة للحصول على المساعدة.
كاميرات الصين
في السياق نفسه، تستفيد الصين من بنيتها التحتية الواسعة للمراقبة، إلى جانب منصة إضافية تعتمد على المشاركة الجماعية عبر الإنترنت، لتوسيع نطاق التنسيق، وتعتمد الشرطة على منصات قيادة متكاملة تتيح لها وللوكالات البلدية الأخرى الوصول إلى المعلومات الواردة من شبكات كاميرات المراقبة التلفزيونية المغلقة وتنسيقها، وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 700 مليون كاميرا تعمل حالياً في الصين، أي ما يعادل كاميرا واحدة تقريباً لكل شخصين.
علاوة على ذلك، تساعد الطائرات بدون طيار المنتشرة في كل مكان على تحديد موقع الشخص بدقة، لتسهيل عمليات البحث الميدانية، كما تستعين الصين بملايين مستخدمي الهواتف الذكية من خلال تطبيقات، مثل «دوين شونرن»، وهي خدمة عامة للبحث عن المفقودين، ما يخلق بنية بحث هجينة تجمع بين التنسيق الحكومي ومشاركة المواطنين لدعم جهود الشرطة.
عن «ذا دبلومات»
. سنغافورة لديها أكثر من 800 نقطة لجوء لمرضى الخرف، والصين تتابع كبار السن عبر شبكات كاميرات المراقبة التلفزيونية المغلقة.
حماية الفئات الضعيفة
تتجه الأدوار التقليدية للشرطة إلى التطور، إذ لم يعد عمل الشرطة يقتصر على الاستجابة للجرائم فحسب، بل أصبح يتركز بشكل متزايد على حماية الفئات الضعيفة من السكان، وسيتعيّن على صانعي السياسات تعزيز الحلول متعددة المراكز، من خلال تكييف البنية التحتية القائمة في كل بلد، لتوسيع نطاق التعاون متعدد القطاعات، وسيؤدي ذلك إلى كسر الحدود المؤسسية، وإعادة توزيع المسؤولية بين الجهات الفاعلة في القطاعات العامة والخاصة والمجتمعية، وتغيير طريقة عمل الحكومات، بمن في ذلك الشرطة، لكن قد تكون هذه الطريقة الوحيدة لتلبية الاحتياجات المتزايدة في المجتمعات التي تشهد شيخوخة سكانية.
إجراءات لمنع التوهان بشكل جماعي
الإجراءات تتضمن التسجيل المسبق للبيانات البيومترية لاسيما بصمات الأصابع. أرشيفية
دمجت كوريا الجنوبية وتايوان عمل الشرطة مع البنية التحتية للتتبع والتعرّف إلى الهوية، من أجل منع التوهان بشكل جماعي، منذ البداية، ووزعت الشرطة الكورية الجنوبية والهيئات الصحية والحكومات المحلية أجهزة «جي بي إس» مباشرة على الأشخاص المصابين بالخرف، وفي مراكز سلامة مرضى الخرف، ومن خلال التعرّف البيومتري إلى مرضى الخرف المسجلين.
تقوم العائلات بالتسجيل المسبق لبيانات الاتصال الخاصة بأولياء أمور مرضى الخرف، إضافة إلى بصماتهم وصورهم، في قاعدة بيانات مركزية تابعة للشرطة، ما يتيح التعرّف إليهم وإعادة لمّ شملهم بشكل أسرع في حال العثور عليهم لاحقاً في حالة من الارتباك، وبالمثل، يتيح في تايوان التسجيل المسبق للبيانات البيومترية - لاسيما بصمات الأصابع، إلى جانب «أساور الهوية» وأجهزة تتبع أخرى، (يُوزع على كبار السن جهاز تحديد مواقع يعمل بتقنية بلوتوث منخفضة الطاقة، ويشبه تميمة الحظ المستخدمة في المعابد المحلية لزيادة معدل استخدام هذه التقنية) - للتعرّف السريع إلى المريض وإعادة لمّ شمله بأسرته، وتوفر شرق آسيا لمحة عن مستقبل البلدان الأخرى، وبحلول عام 2030، سيكون واحد من كل ستة أشخاص في العالم في سن الـ60 أو أكبر، وستصبح قضايا مثل التوهان المرتبط بالخرف أكثر انتشاراً. تعلمنا شرق آسيا أن مواجهة هذه التحديات الديموغرافية ستتطلب أشكالاً جديدة من الحوكمة، حتى في مجالات السياسة العامة مثل الأمن العام، حيث حافظت الحكومات على سلطتها في فرض الحلول على المواطنين.
«إعلان كولومبو» للرعاية الصحية الأولية
في 15 أكتوبر 2025، وقّع أعضاء منطقة جنوب شرق آسيا، التابعة لمنظمة الصحة العالمية على «إعلان كولومبو»، ويلتزم الإعلان بتعزيز الرعاية الصحية الأولية لضمان الشيخوخة الصحية في المنطقة، ويُعدّ هذا الإجراء مهماً لأن المنطقة، التي تضم نحو 25% من سكان العالم، تشهد شيخوخة سكانية سريعة، وتتوقع منظمة الصحة العالمية أن يتضاعف عدد الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عاماً أو أكثر في منطقة جنوب شرق آسيا، تقريباً خلال الـ25 عاماً المقبلة، من 11.3% في عام 2024 إلى 20.9% في عام 2050، وفي حين ستشهد بنغلاديش والهند أكبر عدد من الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عاماً أو أكثر، يُتوقع أن تشهد تايلاند وجزر المالديف أسرع معدلات ارتفاع في حجم هذه الفئة السكانية، ويُعدّ ضمان قدرة أنظمة الرعاية الصحية في هذه البلدان على تلبية احتياجات العدد المتزايد من كبار السن أمراً بالغ الأهمية، ومع ذلك يحدد «إعلان كولومبو» هدفاً طموحاً يتمثّل في «بناء أنظمة رعاية صحية أولية مرنة وشاملة ومستدامة تُمكّن جميع سكان منطقتنا من عيش حياة أطول وأكثر صحة ورضا»، وسيشكّل ضمان تحقيق هذا الهدف تحدياً.
. بنغلاديش والهند تشهدان أكبر عدد من الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عاماً أو أكثر.