مئات الآلاف من الأوروبيين يحلمون بإحدى الوظائف المدنية المرموقة في المفوضية الأوروبية. من المصدر

«المفوضية الأوروبية».. جهة مرموقة بحوافز مالية وضغوط عمل خاصة

يحلم مئات الآلاف من الأوروبيين بالحصول على إحدى وظائف الخدمة المدنية المرموقة في المفوضية الأوروبية، إذ تقدم نحو 170 ألف شخص بطلبات لشغل 1500 وظيفة للمبتدئين في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، في وقت سابق من العام الجاري، ومع ذلك فبالنسبة للكثيرين ممن ينجحون في الانضمام إلى الجهاز التنفيذي للاتحاد الأوروبي، فإن الواقع يبقى بعيداً كل البعد عن التوقعات.

تحدثت «بوليتيكو» إلى 12 موظفاً في مكاتب المفوضين المختلفة والمديريات العامة، من أعمار وجنسيات وخبرات مختلفة، ووصفوا مؤسسةً أدت فيها ساعات العمل الطويلة والبيروقراطية المرهقة، وفي بعض الحالات «الإدارة السامة»، إلى إرهاقهم وإحساسهم بـ«الغربة»، وجعلتهم يتساءلون عما إذا كان المال والسمعة يستحقان كل هذا العناء.

تباينت تجاربهم تبايناً كبيراً بين أفراد القوة العاملة في المفوضية البالغ عددهم 30 ألفاً، لكن الشكاوى نفسها ظهرت مراراً، وقد مُنح بعضهم حق عدم الكشف عن هويتهم للتحدث بصراحة عن تجاربهم في مكان العمل.

وقال نيكولاس مافراغانيس، رئيس الاتحاد النقابي الفيدرالي، وهو منظمة شاملة تربط ما يقرب من 20 نقابة موظفين عبر هيئات الاتحاد الأوروبي والهيئات الدولية: «الظروف تزداد صعوبةً يوماً بعد يوم»، يعمل مافراغانيس مسؤولاً في المفوضية منذ عام 1994، ويقود جهود الاتحاد منذ عام 2019، ويساعد في توجيه تمثيله للنقابات الأعضاء في التعاملات مع المؤسسات، وتابع: «هناك عبء عمل متزايد، ما يعني ضغطاً متزايداً».

تجربة مميزة

ومع تولي بروكسل دوراً جيوسياسي أكثر مركزية، في مواجهة الحرب الروسية ضد أوكرانيا، والتعامل مع التوترات مع الصين، وإدارة علاقاتها مع الولايات المتحدة التي أصبحت غير متوقعة بشكل متزايد، قال الموظفون إن هناك إحساساً متزايداً بأن كل ملف له أهميته.

قليل من الشكاوى التي استمعت إليها «بوليتيكو»، والتي تراوح بين المشاريع المجهدة والرؤساء الصارمين إلى البيروقراطية التي لا نهاية لها والمكاتب القديمة، هي شكاوى لا تقتصر على المفوضية وحدها، ويمكن مصادفة قصص مماثلة في الوزارات ومكاتب المحاماة وشركات الاستشارات في جميع أنحاء أوروبا، لكن الموظفين قالوا إن مزيجاً من المكانة المرموقة والضغوط السياسية والحجم الهائل للمؤسسة يجعل التجربة مميزة، وغالباً ما تكون صعبة.

وقال أحد الموظفين: «إنها السلطة التنفيذية للاتحاد الأوروبي، لذا يعاني الناس صعوبة خاصة في هذه المؤسسة».

من جهته، قال متحدث باسم المفوضية إن المؤسسة «ملتزمة بأن تكون مكاناً حديثاً ومحترماً وجذاباً للعمل»، مشيراً إلى مراجعة أطلقتها رئيسة المفوضية، أورسولا فون دير لاين، بشأن عمليات المفوضية، فيما أظهر استطلاع داخلي أن 74% من الموظفين صنفوا المفوضية «جهة عمل جذابة»، بزيادة ست نقاط مئوية على عام 2023.

البيانات العامة القابلة للمقارنة نادرة، فقد أظهر استطلاع رأي أُجري عام 2025 شمل موظفي البنك المركزي الأوروبي أن 85% من الموظفين يشعرون بالفخر للعمل هناك، على الرغم من أن أقل من نصفهم اعتبروا أن عبء العمل الذي يتحملونه يمكن التحكم فيه، وتشير هذه الأرقام إلى مفارقة أوسع نطاقاً، فقد يظل الولاء للمؤسسة قوياً حتى عندما تسبب ظروف العمل اليومية الإحباط لموظفيها، وفي المفوضية الأوروبية، تساعد هذه الفجوة في تفسير السبب في أن خيبة الأمل لا تؤدي بالضرورة إلى مغادرة الموظفين.

حوافز وبدلات

لاتزال الوظائف الشاغرة في المفوضية الأوروبية، حيث يعمل الموظفون على صياغة السياسات التي تؤثر في أكثر من 450 مليون أوروبي، من بين أكثر الوظائف رواجاً في القطاع العام، كما تظل بروكسل مدينة معقولة الكلفة نسبياً مقارنةً بالعديد من عواصم أوروبا الغربية، لاسيما بالنسبة لمن يتقاضون رواتب المفوضية.

كما أن الحوافز المالية كبيرة أيضاً، ويحصل المرشحون الناجحون في «أ-د 5»، وهي وظيفة الإداري المبتدئ، على راتب يراوح بين 6000 و7000 يورو شهرياً، ماعدا البدلات، في حين أن موظفي المفوضية يدفعون ضريبة الاتحاد الأوروبي بدلاً من ضريبة الدخل الوطنية، ما يؤدي عموماً إلى عبء ضريبي أخف وراتب صافي أكبر.

وتزداد البدلات العائلية، والخصومات الدبلوماسية على السيارات، والأمن الوظيفي القوي، من جاذبية هذه الوظائف، بل إن بعض الموظفين الذين تحدثت إليهم «بوليتيكو» يستأجرون شقة في بروكسل، بينما تبقى عائلاتهم في بلد آخر، ويتنقلون إلى ديارهم في معظم عطلات نهاية الأسبوع.

ضغط العمل

لكن العديد من الموظفين قالوا إن المكانة المرموقة للعمل في المفوضية تخلق أيضاً ضغوطاً خاصة بها، وقال الموظفون إن هذه الأجواء تنعكس على الحياة اليومية، فكل مذكرة إحاطة أو ورقة سياسة، أو بيان صحافي يخضع لمستويات عدة من الموافقة، كما تمر القرارات عبر مراسلات بريد إلكتروني كثيرة، وجولات متتالية من المراجعات، بينما يشعر الموظفون بضغط لمعاملة الأعمال الروتينية بنفس إلحاح أزمة جيوسياسية.

وقال أحد الموظفين في مكتب أحد المفوضين إن يوم عملهم يبدأ غالباً في الساعة السابعة أو الثامنة صباحاً، وينتهي نحو الساعة السابعة مساءً، ولا يتوافر لهم سوى القليل من الوقت خارج المكتب إلا لمرافقة كبار المسؤولين في المهام، وقالت موظفة أخرى، تعمل في قسم الاتصالات، إنها كانت تبكي في بعض الأوقات بسبب عبء العمل الهائل.

وألقى العديد من الموظفين باللوم على البيروقراطية نفسها، ففِرق مكاتب المفوضين وإدارات السياسات التابعة للمفوضية، المعروفة باسم «المديريات العامة»، غالباً ما تواجه صعوبة في التواصل بفعالية، ما يضطر الموظفين إلى السعي وراء الموافقات والمعلومات من بعضهم بعضاً.

وقال موظف آخر يعمل لدى أحد المفوضين: «تنتظر المديريات العامة المعلومات من مكاتب المفوضين، التي تعاني عبء عمل مفرطاً، لدرجة أنها لا تملك القدرة على تزويدها بتلك المعلومات»، وأضاف: «إنها مشكلة هيكلية، الجميع يحاول الحصول على المعلومات من بعضهم بعضاً»، واتفق موظف آخر على ذلك، قائلاً: «أحياناً أرغب في الخروج من المكتب وعدم العودة».

عن «بوليتيكو»

. تقدم نحو 170 ألف شخص بطلبات لشغل 1500 وظيفة للمبتدئين في مؤسسات الاتحاد الأوروبي.

. الشكاوى لا تقتصر على «المفوضية» وحدها، ويمكن مصادفة قصص مماثلة في جميع أنحاء أوروبا.

موظفون مجهولون

الحجم الهائل للمؤسسة قد يجعل الناس يشعرون بأنهم مجهولون، وفي هذا السياق، قال موظف يعمل في قسم الاتصالات: «هناك آلاف الأشخاص في المفوضية، لذا لو عملت هناك لمدة 20 عاماً، فإن معظم الناس لن يلاحظوا وجودك على الإطلاق»، وتابع: «أنت مجرد جزء صغير جداً في هذا المكان الضخم».

مستشار سري.. و960 بلاغاً من «سوء المعاملة»

استمتاع أي موظف بالعمل في «المفوضية » غالباًً ما يعتمد على الحظ. أرشيفية

غالباً ما يعتمد استمتاع أي موظف بالعمل في المفوضية على الحظ، وقد أكد الموظفون أن التجارب يمكن أن تختلف بشكل كبير، اعتماداً على المفوض الذي يعمل الموظف تحت قيادته، وقالوا إن مكتب مفوض شؤون المناخ، ووبك هوكسترا، يُنظر إليه داخلياً على نطاق واسع على أنه يدعم موظفيه ومساعديه، في حين أن مفوضين آخرين يشتهرون في أروقة المفوضية بالسماح بتطور «ثقافات عمل سامة»، تتسم بالصراعات الداخلية والصراع على السلطة، وعلى سبيل المثال أصبح أحد كبار المسؤولين في مكتب أحد المفوضين مشهوراً بـ«الصراخ» في وجه الموظفين، وفقاً لاثنين من الموظفين الذين التقت بهم «بوليتيكو»، وقال موظف في المديرية العامة للمساعدات الإنسانية، التي تنسق البرنامج الإنساني للاتحاد الأوروبي، إن الصراخ أمر روتيني في وحدتهم.

وتذكّر موظف سابق آخر أنه شاهد زميلاً رفيع المستوى يتعرض للتوبيخ أمام مديرين آخرين، بسبب وثيقة مسربة، وقال أحد الموظفين إن رئيسه سدد لكمةً إلى وجهه، فيما قال العديد منهم إنهم يشعرون بانعدام الثقة في أن يتم اتخاذ إجراءات بشأن شكاواهم.

وقد عيّنت المفوضية الأوروبية مستشاراً سرياً رئيساً في عام 2024، للتعامل مع شكاوى سوء المعاملة، ولديه فريق مكون من 40 مساعداً في جميع الأقسام والوكالات التنفيذية، كجزء من نهج «غير رسمي» لحل النزاعات في مكان العمل، وفقاً لما ذكره أحد الموظفين، ومنذ سبتمبر 2024 تلقى كبير المستشارين، الذي يعمل تحت إشراف مفوض الميزانية، بيوتر سيرافين، 960 بلاغاً من «زملاء يشعرون بسوء المعاملة، ومُتحرشين مزعومين، وشهود، ومديرين، وموظفي موارد بشرية»، وفقاً لمتحدث باسم المفوضية، وأفادت المفوضية بأن 14 ألف موظف حضروا محاضرات ودورات حول سياسة مكافحة التحرش، في حين حضر 2400 موظف دورات تدريبية إلزامية خلال العامين الماضيين، وقال متحدث رسمي باسم المفوضية، إن هذا الوعي المتزايد حول كيفية طلب الدعم في التعامل مع التحرش وسوء المعاملة قد أدى إلى عدد مرتفع نسبياً من البلاغات المقدمة إلى كبير المستشارين.

ومع ذلك، أوضح المتحدث الرسمي أن كبير المستشارين «ليس لديه صلاحية للتحقيق، ولا يحق له قانوناً تصنيف السلوك على أنه تحرش وفقاً للتعريف الوارد في النظام الأساسي للموظفين».  

مقار بلا مكيفات

في الوقت الذي استفاد مبنى «بيرلايمونت»، الذي يضم مقر «المفوضية الأوروبية»، من أعمال تجديد واسعة النطاق، فإن علامات التقادم تبدو واضحة على مكاتب المفوضية الأخرى، فخلال موجة الحر، التي ضربت في يونيو 2026، اشتكى الموظفون في مبنى «المديرية العامة للزراعة» من أنهم يعملون من دون تكييف هواء كافٍ، وفقاً لمراسلات داخلية اطلعت عليها «بوليتيكو».

وفي مقر «المديرية العامة للمنافسة»، في برج «مادو»، وُجهت نصائح للموظفين بعدم الشرب من بعض نوافير المياه، بسبب احتمال تلوثها، في حين أن أنظمة التدفئة والصرف الصحي «لا تعمل بالمستوى الذي ينبغي أن نتوقعه»، كما أقر المدير العام بالنيابة في رسالة بريد إلكتروني اطلعت عليها «بوليتيكو».

وفي مبنى «بيرلايمونت»، غضب الموظفون في الطوابق السفلية بعد إيقاف تشغيل مكيفات الهواء في خضم موجة الحر، في حين استمر تشغيلها في الطوابق الثامنة وما فوقها، التي تضم مكاتب المفوضين وكبار المسؤولين، وقال أحد الموظفين لـ«بوليتيكو» في ذلك الوقت إن الوضع «يذكره بالنظام الإقطاعي».

تباينت التجارب بشكل حاد عبر المؤسسة، لكن العديد من الموظفين وصفوا التوتر نفسه، فقد ظلوا منشغلين بأداء مهامهم، حتى مع ثبوت أن ظروف عملهم كانت أكثر إحباطاً وإرهاقاً مما كان متوقعاً، وأثناء تناول وجبته في أحد مقاهي المفوضية، سُئل أحد الموظفين عما إذا كان سعيداً، فهز كتفيه قائلاً: «إنه عمل مثير للاهتمام»، وبالنسبة للكثيرين داخل المفوضية، فإن هذا سبب كافٍ للبقاء.

الأكثر مشاركة