أعداد الأطفال في المدن الأميركية الكبرى تتراجع بوتيرة سريعة
عندما انتقل فرناندو وباتريشيا إسكوبيدو إلى ويلوز، وهو حي راقٍ في «إل باسو» بولاية تكساس قبل 25 عاماً، كان الأطفال في كل مكان، كما أن نحو نصف المنازل في شارعهم يضم أطفالاً، وأثناء نشأتهما كانت ابنتهما التوأمتان تتجولان على دراجتهما الصغيرة في الخارج برفقة أطفال الحي الآخرين، وفي حفل الحي السنوي كانتا تقفزان في القلعة المطاطية وتتسلقان سيارة الإطفاء المحلية.
التوأمتان في الجامعة الآن، في وقت أصبح الحي مختلفاً تماماً، فلدى عائلة إسكوبيدو أيضاً ابنة تبلغ 12 عاماً، وقال فرناندو إسكوبيدو إنها واحدة من عدد قليل من الأطفال دون سن 18 عاماً في الحي، كما أن عدد الأطفال في المدرسة الابتدائية المحلية انخفض بشكل ملحوظ، مرجحاً أنه يرى جاراً متقاعداً يعمل في الحديقة أكثر من رؤية طفل يركب دراجة، وأضاف: «ليست الأجواء كما كانت قبل 10 سنوات عندما كان لايزال هناك أطفال هنا».
تراجع عدد الأطفال
ومع وصول معدل الخصوبة في الولايات المتحدة إلى أدنى مستوياته على الإطلاق، يتراجع عدد الأطفال دون سن 18 عاماً في جميع أنحاء الولايات المتحدة، ويكون هذا التراجع أكثر وضوحاً في المدن الكبرى، وفقاً لتحليل أجرته صحيفة «وول ستريت جورنال».
وكشفت الصحيفة أن عدد الأطفال دون سن 18 عاماً المقيمين في المدن الكبرى في الولايات المتحدة انخفض بنسبة 6% خلال العقد الماضي، مقارنة بانخفاض بنسبة 1% على الصعيد الوطني.
ويبدو هذا الانخفاض حاداً بشكل خاص بين الأُسر التي لديها أطفال صغار، إذ انخفض عدد الأطفال دون سن الخامسة في المدن الكبرى بنسبة 15%، مقارنة بانخفاض بنسبة 7% على الصعيد الوطني، وحتى المدن التي تشهد زيادة سكانية تفقد أطفالها، وإجمالاً انخفض عدد الأطفال في نحو ثلثي المدن الأميركية الـ38 التي يزيد عدد سكانها على 500 ألف نسمة.
وقامت الصحيفة بتحليل بيانات التعداد السكاني منذ عام 2015 حتى عام 2024، وهي أحدث البيانات المتاحة.
وتشير الأسر التي لديها أطفال إلى مخاوفها بشأن التكاليف والسلامة، ونوعية الحياة كأسباب وراء انتقالها بعيداً عن المدن، ومن العوامل التي أسهمت في هذا الانخفاض أيضاً، تزايد عدد السكان الذين ليس لديهم أطفال ويختارون البقاء على هذه الحال، خوفاً من التبعات المالية والتنازلات في نمط الحياة التي ينطوي عليها تكوين أسرة.
حالة إرني سوليس
يحدث هذا الانخفاض في مدن من مختلف الأطياف الاقتصادية، ففي سان خوسيه بولاية كاليفورنيا، حيث يبلغ متوسط دخل الأسرة نحو ضعف المستوى الوطني في الولايات المتحدة، انخفض عدد الأطفال دون سن الخامسة بنسبة 34% خلال العقد الماضي، وهي نسبة تفوق أي مدينة كبيرة أخرى.
ونشأ إرني وسامانثا سوليس في منطقة سان خوسيه، وعاشا في المدينة خلال السنوات الأولى من حياة ابنيهما، وكان شراء منزل أمراً بعيد المنال بالنسبة لراتبيهما كإطفائي ومعلمة، كما كانت كلفة الحضانة تبلغ نحو 25 ألف دولار سنوياً لكل طفل، وكانا قلقين بشأن متطلبات التطعيم الإلزامية التي تفرضها الولاية، وفي يونيو 2021، انتقلا إلى بلدة ستار بولاية أيداهو، والتي تقع على بعد مسافة قصيرة بالسيارة من بويز.
وقال إرني: «لقد سئمت الأمر»، فهو يسافر جواً إلى المدينة كل يوم إثنين من أجل عمله، ويقيم خلال الأسبوع في مساكن مجانية مخصصة لرجال الإطفاء، ثم يعود إلى أيداهو كل يوم جمعة، وقد التقى بآباء آخرين، يعملون كهربائيين، وفنيي تكييف الهواء، وأصحاب ورش تصليح هياكل السيارات، يقومون بالرحلة اليومية نفسها.
وفي كاليفورنيا استأجرت الأسرة منزلاً قديماً تبلغ مساحته 1400 قدم مربعة، أما في أيداهو، فتمتلك منزلاً تبلغ مساحته 2300 قدم مربعة، مع مساحة كافية لركن مركبتها الترفيهية، وقد رُزقت بطفل ثالث بعد انتقالها.
مدن ذات تكاليف معقولة
ومن بين المدن ذات التكاليف المعيشية المعقولة نسبياً، انخفض عدد الأطفال بنسبة 15% في ألبوكيركي في ولاية نيو مكسيكو، وبنسبة 11% في ميلووكي.
وبدأت اقتصادات المدن تشعر بهذا التحول، وتُعد العائلات إسهاماً مهماً في القاعدة الضريبية للمدينة، كما تعد عائلات الطبقة المتوسطة على وجه الخصوص المحرك الرئيس للطلب على السلع، مثل المواد الغذائية بأسعار معقولة التي تعود بالنفع على الجميع، وانخفاض عدد الأطفال يعني انخفاض الدعم المقدم للمدارس العامة التي غالباً ما تكون من أكبر جهات التوظيف في العديد من المدن، كما يعني مواجهة خيارات صعبة مع عدم التحاق الطلاب بالفصول الدراسية.
وتقوم بعض المدن بتوفير خدمات رعاية الأطفال مجاناً، لكن ليس من الواضح ما إذا كان ذلك كافياً لإقناع الناس بإنجاب الأطفال، أو إقناع العائلات بالبقاء.
اتجاهات وطنية
وبعد الأزمة المالية في 2008-2009، بقي الناس في المدن لأنها كانت المكان الذي تتوافر فيها الوظائف الجيدة، ولكن مع اتساع نطاق النمو الاقتصادي في أواخر العقد الثاني من القرن الـ21، بدأت العائلات في المغادرة بحثاً عن فرص في أماكن أخرى، وفقاً لما قاله زميل في مركز معهد التقدم للأبحاث، كونور أوبراين.
وبدأ انخفاض أعداد الأطفال في المدن في عام 2017 وتسارع مع انتشار الوباء، فقد فتحت جائحة «كوفيد-19» الباب أمام العمل عن بُعد، ما دفع الكثيرين إلى إعادة تقييم أنماط حياتهم، وانتقل البعض إلى الضواحي، أو حتى إلى أماكن أبعد، وقال أوبراين: «أصبحت لدى العائلات خيارات أكثر للتنقل، فاستغلت هذه الخيارات».
كما يعد انخفاض معدل المواليد عاملاً رئيساً، فقد انخفض العدد في الولايات المتحدة بنسبة 9% خلال العقد الماضي، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى انخفاض عدد النساء اللاتي ينجبن أطفالاً في سن المراهقة أو في العشرينات من العمر، وعلى الصعيد الوطني، ينخفض معدل المواليد بشكل أكثر حدة بين النساء من أصل إسباني، اللواتي يشكلن نسبة كبيرة من السكان في بعض المدن.
وقد توصل تحليل أجراه أوبراين إلى أن معدلات المواليد في المقاطعات الحضرية الكبيرة انخفضت بنسبة 18% بين عامي 2010 و2024، وهو أكبر انخفاض مقارنة بأي نوع آخر من المقاطعات.
ووفقاً لما توصلت إليه «وول ستريت جورنال»، من بين 38 مدينة أميركية يزيد عدد سكانها على 500 ألف نسمة، شهدت 13 مدينة منها زيادة في عدد الأطفال، وغالباً ما تكون هذه المدن ميسورة الكلفة نسبياً بالنسبة للأسر من الطبقة المتوسطة، وقد شهدت هذه المدن زيادة في عدد الأطفال بنسبة 7% خلال العقد الماضي، في حين نما إجمالي عدد سكانها بنسبة 12%.
وشهدت 17 مدينة كبيرة أخرى نمواً في عدد سكانها، في حين انخفض عدد الأطفال المقيمين فيها، وفي بعض المدن التي تشهد انخفاضاً في أعداد الأطفال، يُعد انخفاض معدل المواليد عاملاً أكبر في هذا الانخفاض، أما في مدن أخرى، فالسبب هو انتقال الأسر إلى أماكن أخرى.
عن «وول ستريت جورنال»
. معدل الخصوبة في الولايات المـتحـدة وصـل إلى أدنى مستوياته.
. التكاليف ونوعية الحياة وراء انتقال العائلات بعيداً عن المدن.
مغادرة عدد أكبر من الأسر
يُعزى الانخفاض البالغ 15% في عدد الأطفال جزئياً بمدينة ألبوكيركي، إلى مغادرة عدد أكبر من الأسر، وفقاً لتحليل أجرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، أما النسبة المتبقية فتعزى إلى انخفاض معدل المواليد، فقد انخفضت المواليد في مقاطعة برناليلو، التي تشكل المدينة أغلب سكانها، بنسبة 20% خلال العقد الماضي.
أما في مدينة دنفر الأكثر ثراء، فقد انخفض عدد الأطفال بنسبة 9%، وهو ما يرجع إلى مزيج من خسارة طفيفة ناتجة عن انتقال عدد أكبر من الأسر التي لديها أطفال إلى خارج المدينة، مقارنة بعدد الوافدين إليها، وانخفاض بنسبة 7% في عدد المواليد، وعلى مدى عقد من الزمن، يُترجم ذلك إلى انخفاض في عدد المواليد بنحو 7000 مولود، مقارنة بما لو بقيت الأرقام الإجمالية ثابتة.
مدن باهظة التكاليف
عدد الأطفال في نيويورك انخفض 8% خلال العقد الماضي. أرشيفية
انخفض عدد الأطفال في نيويورك، حيث تكاليف المعيشة مرتفعة، بنسبة 8% خلال العقد الماضي، وقالت كبيرة الاقتصاديين بمؤسسة التنمية الاقتصادية في المدينة، ميليسا بومفري، إن المدينة فقدت، منذ عام 2000، نحو 80 ألف أسرة تضم أشخاصاً تراوح أعمارهم بين 30 و54 عاماً، متزوجين أو لديهم طفل واحد على الأقل دون سن 18 عاماً، وهو انخفاض مدفوع بالعائلات ذات الدخل المتوسط.
وخلال تلك الفترة، اكتسبت نيويورك نحو 670 ألف أسرة مكونة من أزواج من دون أطفال، أو عائلات من دون أطفال تحت سن 18 عاماً.
ويتعين على الوالدين كسب 334 ألف دولار سنوياً، ليتمكنا من تحمل تكاليف رعاية طفل يبلغ عامين بشكل مريح، وذلك وفقاً لتحليل أجرته هيئة المراقبة المالية لمدينة نيويورك، بينما يبلغ متوسط إيجار الشقق التي تتألف من ثلاث غرف نوم أو أكثر 5495 دولاراً شهرياً على مستوى المدينة، وفقاً لموقع «ستريت إيزي».
وقبل عامين، كان راهيم بازيل يدفع 750 دولاراً شهرياً لاستئجار غرفة في منزل في كوينز، وكان ذلك يمثل نحو ربع راتبه الشهري الصافي، الذي كان يكسبه من عمله سائق شاحنة في خدمة البريد الأميركية، وتقدم بطلب للحصول على شقة في يانصيب الإسكان ميسور الكلفة الذي تديره المدينة، لكن الحظ لم يُحالفه.
وعندما تزوج بازيل، في عام 2023، بدأ وزوجته التي كانت تعيش بعيداً عنه فوراً في وضع خطط للرحيل، وكان قد بدأ يفكر في الانتقال قبل ذلك بسنوات، عندما كان يعيش في سكن اجتماعي مع ابنته من زوجته السابقة، التي تبلغ الآن 12 عاماً.
. نيويورك فقدت منذ عام 2000 نحو 80 ألف أسرة.
البقاء في المدينة
بحث راهيم بازيل عن بيت مناسب في ضواحي لونغ آيلاند، لكن الأسعار كانت باهظة للغاية، واستقر هو وزوجته الحالية، كيرا، في نهاية المطاف، العام الماضي، في إيستون بولاية بنسلفانيا، التي يبلغ عدد سكانها 30 ألف نسمة، ووُلد ابنهما في وقت سابق من العام الجاري، وقال بازيل الذي يعمل الآن في مجال العقارات: «هنا أشعر براحة أكبر».
ويعمل عمدة نيويورك، زهران مامداني، على إطلاق برنامج مجاني لرعاية الأطفال، ومساعدة العائلات على البقاء في المدينة، وحتى الآن يغطي البرنامج الجديد مجموعة صغيرة من الأطفال في سن الثانية.
وكانت جينا إدواردز، المقيمة في بروكلين، تفترض دائماً أنها وزوجها سيُنجبان أطفالاً، لكنهما واجها صعوبة في الإنجاب، وبدآ زيارة عيادة للخصوبة، في عام 2019، لكنهما علما بأن الكلفة المتوقعة للعلاجات الأولية ستراوح بين 4000 و22 ألف دولار، حتى مع وجود تأمين، كما أنه لم يكن هناك أي ضمان بنجاح العلاج.