انتقادات لـ «المعاملة التفضيلية» التي يتلقونها دون غيرهم
«الأفريكانيون».. الوحيدون المُرحّب بهم في برنامج ترامب للاجئين
لاجئون من ذوي البشرة البيضاء من جنوب إفريقيا يحتفلون بوصولهم إلى الولايات المتحدة. أرشيفية
اتخذت حياة شارل كلاينهاوس منعطفاً دراماتيكياً، أخيراً، عندما هبطت الطائرة بمطار دالاس الدولي في إحدى ضواحي واشنطن العاصمة، فقد وصل برفقة طفليه وحفيده إلى الولايات المتحدة وهو يلوح بعلم أميركا ويفيض بالحماس، حيث حقق أخيراً حلمه الذي طال انتظاره، وهو مغادرة جنوب إفريقيا.
كان كلاينهاوس واحداً من أول 59 «أفريكانياً»، (مصطلح يطلق على ذوي البشرة البيضاء الذين ينحدرون من مستوطنين هولنديين وفرنسيين وألمان)، دخلوا الولايات المتحدة من خلال برنامج اللاجئين الذي أنشأه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، فقد رحب بالجنوب إفريقيين ذوي البشرة البيضاء، بينما أغلق الأبواب أمام جميع الأجانب الآخرين الفارين من الاضطهاد أو التعذيب في بلدانهم الأصلية.
ووفقاً لوزارة الخارجية، وصل ما مجموعه 6069 لاجئاً إلى الولايات المتحدة في الفترة من الأول من أكتوبر 2025 إلى 30 أبريل 2026، ثلاثة منهم فقط أفغان، والبقية ذوو بشرة بيضاء من جنوب إفريقيا.
يعمل كلاينهاوس، البالغ من العمر 47 عاماً، في مزرعة بولاية «ساوث داكوتا»، ولم يسبق له أن عمل في الزراعة من قبل، حيث كان يعمل في مواقع البناء، ومع ذلك وعلى الرغم من صعوبات الانتقال على نطاق واسع كهذا، فهو واثق بأنه سيتمكن قريباً من بدء مشروعه الخاص في البلد الذي رحب به، ولا يريد أن يغادر أبداً.
وقال اللاجئ الجنوب إفريقي بحماس عبر الهاتف لصحيفة «إل بايس» الإسبانية: «الناس هنا أفضل بكثير مما كنت أتوقع»، مضيفاً: «أكثر ما أقدره أن الولايات المتحدة بلد مسيحي، حيث تتمتع بحقوقك، بصرف النظر عن لون بشرتك، لديك الحقوق نفسها التي يتمتع بها الجميع».
عدم المساواة
في الأشهر القليلة الأولى بعد وصوله لم يستطع كلاينهاوس النوم، وكان ذلك بسبب عدم وجود قضبان أمان على نوافذه، وهو أمر لم يكن معتاداً عليه، وقال إنه كان يخشى على حياته في جنوب إفريقيا، ما دفعه إلى التقدم بطلب للانضمام إلى برنامج اللاجئين بمجرد أن رأى ترامب يعلنه.
وأوضح كلاينهاوس كيف قُتل جاره بالسكاكين، مستشهداً بهذا كمثال، كما يدعي، على الاضطهاد الذي يواجهه ذوو البشرة البيضاء في بلد يتسم بإرث الفصل العنصري.
لقد كان نظام الفصل العنصري والتمييز المؤسسي ضد السكان الأصليين ذوي البشرة السوداء سارياً في جنوب إفريقيا، منذ عام 1948 وحتى تسعينات القرن الماضي، مدفوعاً إلى حد كبير من قبل السكان المنحدرين من المستعمرين الأوروبيين.
وأدى الوضع الذي أعقب سقوط ذلك النظام، مع وصول حزب أغلبية السود إلى السلطة وسن قوانين العمل الإيجابي، للتعويض عن أوجه عدم المساواة التي خلقتها عقود من التمييز، فضلاً عن الهجمات التي تعرض لها ذوو البشرة البيضاء؛ إلى الحديث عن «إبادة جماعية».
من جانبه، استخدم الرئيس الأميركي، دونالد رامب، هذا المصطلح، مشيراً إلى جرائم القتل الوحشية التي تعرض لها مزارعون من ذوي البشرة البيضاء في السنوات الأخيرة كمثال على ذلك، لكن الحقيقة أن العنف في جنوب إفريقيا منتشر على نطاق واسع، ويشير محللون إلى أن معظم الجرائم العنيفة تحدث في المناطق الفقيرة التي يغلب عليها ذوو البشرة السوداء، ما يدحض فكرة الإبادة الجماعية لذوي البشرة البيضاء.
وقد بلغ معدل جرائم القتل في عام 2022 نحو 43.7 لكل 100 ألف نسمة، بينما كان المعدل في الولايات المتحدة بالعام نفسه 6.5 لكل 100 ألف نسمة.
معاملة تفضيلية
جمد دونالد ترامب برنامج قبول اللاجئين بالكامل فور عودته إلى البيت الأبيض، وفي الشهر التالي من ذلك، وتحديداً في السابع من فبراير 2025، أعادت الإدارة الأميركية العمل بالبرنامج، لكن فقط لقبول «الأفريكانيين»، وهم جنوب إفريقيين ذوو بشرة بيضاء ينحدرون من مستوطنين هولنديين وفرنسيين وألمان (على الرغم من أنه تم لاحقاً قبول الهنود وغيرهم من الجنوب إفريقيين من ذوي الأعراق المختلطة أيضاً).
أما الأجانب الآخرون، مثل الأفغان الذين عملوا مع الجيش الأميركي، فقد تم إخطارهم بأن رحلاتهم قد ألغيت، وتُركوا في حالة من عدم اليقين على الرغم من أنهم انتظروا سنوات للحصول على اللجوء أو أنهم كانوا يحملون تذاكر سفر إلى الولايات المتحدة.
في ذلك الوقت قال رئيس الكنيسة الأسقفية، الأسقف شون رو: «كان من المؤلم مشاهدة مجموعة واحدة من اللاجئين تم اختيارها بطريقة غير عادية للغاية، تتلقى معاملة تفضيلية على العديد من الآخرين الذين كانوا ينتظرون في مخيمات اللاجئين أو في ظروف خطرة لسنوات».
وخلال إدارة الرئيس السابق، جو بايدن، تم قبول ما يقرب من 125 ألف لاجئ سنوياً في الولايات المتحدة، لكن في سبتمبر الماضي أعلنت إدارة ترامب أن الحصة للسنة المالية 2026 (من الأول من أكتوبر 2025 إلى 30 سبتمبر 2026) ستكون 7500 لاجئ مع تخصيص الأماكن بشكل أساسي لـ(الأفريكانيين) من جنوب إفريقيا».
حالة طوارئ
وكانت وكالة «رويترز» وصحيفة «نيويورك تايمز» أفادتا أخيراً بأن إدارة ترامب تخطط لمضاعفة عدد الجنوب إفريقيين من ذوي البشرة البيضاء في برنامج اللجوء.
ووفقاً لـ«نيويورك تايمز»، تخطط الإدارة لإعلان «حالة طوارئ غير متوقعة» لجذب المزيد من «الأفريكانيين».
ومن شأن ذلك أن يمثل تحولاً جذرياً للبرنامج الذي أنشئ في الأصل لاستقبال الأشخاص الفارين من الحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية في جميع أنحاء العالم، وتحويله بدلاً من ذلك إلى قناة مخصصة في المقام الأول لذوي البشرة البيضاء الراغبين في العيش في الولايات المتحدة.
من جهتها، قالت حكومة جنوب إفريقيا في بيان إنه «من المفارقات أن الأمر التنفيذي ينص على منح وضع اللاجئ في الولايات المتحدة لمجموعة في جنوب إفريقيا لاتزال من بين الأوفر حظاً من الناحية الاقتصادية، في حين يتم ترحيل الأشخاص المستضعفين القادمين من أجزاء أخرى من العالم وحرمانهم من اللجوء على الرغم من معاناتهم الحقيقية».
وتشكل جرائم قتل المزارعين من ذوي البشرة البيضاء في جنوب إفريقيا أقل من 1% من إجمالي جرائم القتل التي تجاوزت 27 ألف جريمة سنوياً، والتي وقعت بين عامي 2023 و2024 في جميع أنحاء البلاد، وفقاً لمنظمة «أفريفوروم» غير الربحية.
ويقول خبراء إن هذه الوفيات لا تشكل إبادة جماعية، موضحين أن عدد «الأفريكانيين» في جنوب إفريقيا يبلغ نحو 2.7 مليون نسمة، في حين أن نحو 80% من السكان هم من ذوي البشرة السوداء.
عن «إل بايس»
. «الأفريكانيون» هم جنوب إفريقيين ذوو بشرة بيضاء، وينحدرون من مستوطنين هولنديين وفرنسيين وألمان.
. تقارير صحافية تفيد بتخطيط إدارة ترامب لمضاعفة عدد اللاجئين ذوي البشرة البيضاء من جنوب إفريقيا.
. 6069 لاجئاً وصلوا إلى أميركا بين الأول من أكتوبر 2025 و30 أبريل 2026، ثلاثة منهم فقط أفغان والبقية من ذوي البشرة البيضاء من جنوب إفريقيا.
عواقب الاختيار

أفاد بعض «الأفريكانيين»، الذين انضموا إلى برنامج اللاجئين الذي أنشأه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، بأنهم يعانون عواقب اختيارهم على حساب جنسيات أخرى، ومنهم «جوانا» التي وصلت إلى الولايات المتحدة، في مارس الماضي، مع أطفالها الثلاثة ووالدتها، ولم تكن تجربتها كما توقعت.
وقالت جوانا المقيمة حالياً في فلوريدا: «أعاني سوء معاملة من قبل مشرفتي ووكالتي، كما أن المسؤول عني في برنامج المنح المطابقة رجل إفريقي أصوله من ساحل العاج»، مضيفة: «هذا صعب، هؤلاء الناس غاضبون جداً من إدارة ترامب، لأن جميع المهاجرين الآخرين ممنوعون من الدخول، ومنهم عائلاتهم وأصدقاؤهم، لذلك يفرغون غضبهم فينا».
تجربة سيئة.. وشكوى من الفساد

لاجئون لدى وصولهم إلى الولايات المتحدة. أ.ب
قالت إحدى اللاجئات من جنوب إفريقيا، إنها تقدمت بطلب للدخول إلى الولايات المتحدة عبر برنامج المنح المُطابقة فور الإعلان عنه، مدعية أنه لو بقيت في بلدها لقتلت مع أفراد عائلتها،غير أن تجربتها في الولايات المتحدة لم تكن إيجابية بقدر تجربة الآخرين، فقد انتقدت بشدة وكالات إعادة التوطين التي تعاقدت معها الحكومة لمساعدة اللاجئين، خلال الأسابيع القليلة الأولى من وجودهم في البلاد.
وأضافت: «الجميع في جنوب إفريقيا يعتقدون أن هذا أفضل شيء على الإطلاق، إنهم يعتقدون أنهم سيصلون إلى هنا، وسيحصلون على مكان لطيف للإقامة، وسيحصلون على أثاث، وسيحصلون على كل الطعام الذي يحتاجونه، لكن ليست الحال هكذا».
وتروي اللاجئة أنه عند وصولها إلى الولايات المتحدة أقامت في حي خطير، حيث تعرض أحد مواطنيها للطعن، قائلة: «منذ وصولي تم إيواؤنا في فندق يعود لذوي الأصول الإفريقية، أرادوا إيواءنا في حي يقطنه ذوو أصول إفريقية، كما أرادوا إلحاق أطفالي بمدرسة لهم، فقلت لهم: هذا ما هربت منه».
وأوضحت: «لم نتمكن من النوم ليلاً، لأن الناس في الفندق كانوا يتشاجرون، كما كان هناك مخدرات ونشاط مشبوه، وكانت الشرطة تأتي إلى المكان بشكل متكرر».
ورغم أنها تقر بأن لاجئين من جنوب إفريقيا آخرين حظوا بتجارب أفضل، فإن هذه اللاجئة تشكو من الفساد السائد في العديد من الوكالات المكلفة بمساعدتهم، ففي حالتها تولت وكالة تخصيص مبلغ 2450 دولاراً (للشخص الواحد) قدمته الحكومة لمدة 90 يوماً، لكن بعد 28 يوماً أبلغتها الوكالة بأن المال نفد، كما كانت غير راضية عن الطعام والأثاث الذي تم شراؤه لهم من الأموال المخصصة، وهو ما تم من دون استشارتها.
ومن خلال مجموعة على موقع «فيس بوك»، تضم مواطنين جنوب إفريقيين آخرين، تقول اللاجئة إنها تمكنت من استئجار منزل في مكان آخر، لكنها لاتزال قلقة بشأن وضعها المالي وإيجاد عمل.
وأضافت: «عليك أن تذهب لترتيب الرفوف، أو أن تعمل في الحديقة، أو أي شيء آخر، ثم تعمل لدى أصدقائهم (في إشارة إلى أرباب العمل المرتبطين بالوكالة)، فيدفعون لك راتباً يعادل الحد الأدنى للأجور، لذا لا يمكنك العيش».
دعم تطوعي
تدرك المواطنة الأميركية، شيلي هيبورن، تماماً الصعوبات التي يواجهها أولئك اللاجئون الذين يشعرون بخيبة أمل عند وصولهم إلى الولايات المتحدة.
وقالت هيبورن إنه قبل بضع سنوات، بعد مشاهدة فيلم وثائقي عن العنف في جنوب إفريقيا، قررت مساعدة «الأفريكانيين» الباحثين عن اللجوء في أميركا، مشيرة إلى أنه على مدار أربع سنوات استضافت عائلات عدة من جنوب إفريقيا، رغم أنها مطلقة ولديها ابنتان بالغتان.
وأضافت أنها وفرت السكن لـ15 شخصاً، وقدمت للعائلات سكناً مجاناً لمدة سبعة أشهر، إلى جانب توفير الدعم اللازم لهم لتغطية نفقاتهم.
وعلى الرغم من أن هيبورن أوقفت دعمها التطوعي لبضع سنوات، فإنها حافظت على صفحة على «فيس بوك» لمساعدة اللاجئين.
وعندما أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن برنامج اللاجئين، حولت هيبورن تركيز صفحتها لمساعدة أولئك الذين تم قبولهم في إطار هذا البرنامج، وفي ولاية كونيتيكت، حيث تعيش هيبورن، هناك عشرات العائلات الجنوب إفريقية التي تظل على اتصال بها، وهي تدعمها من خلال توصيل الطعام لها ونقل أفرادها إلى مناطق آمنة.
. اللاجئون يشعرون بخيبة أمل عند وصولهم إلى الولايات المتحدة.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news