العصابات جنت أموالاً طائلة من عمليات الاحتيال على أشخاص حول العالم

الجرائم الإلكترونية العابرة للحدود أصبحت صناعة رائدة في كمبوديا

صورة

ترتفع ناطحة سحاب ذهبية اللون فوق شوارع العاصمة الكمبودية بنوم بنه، المزدحمة بالسيارات على ضفاف نهر ميكونغ، ويُعد هذا المبنى بالفعل أطول مبنى في البلاد، ويعتبره البعض «نصباً تذكارياً» للغنائم التي جنتها العصابات الإلكترونية العابرة للحدود، التي سرقت مليارات الدولارات من أميركيين وغيرهم من الأشخاص في جميع أنحاء العالم.

ويتم تشييد ناطحة السحاب هذه من قِبل شركة تخضع لعقوبات من قبل وزارة الخزانة الأميركية، بسبب صلتها المزعومة بإحدى مئات عمليات الاحتيال التي ظهرت في جميع أنحاء كمبوديا.

وتضم «مجمعات الاحتيال»، التي يبلغ حجم بعضها حجم مدن صغيرة، عمالاً يقومون بالأعمال الشاقة لعمليات الاحتيال عبر الإنترنت، والذين يتظاهرون بأنهم مستثمرون أو رجال شرطة.

ونمت عصابات صينية تعمل في كمبوديا بشكل هائل، لدرجة أن بعض السياسيين الأجانب يشيرون إلى هذا البلد، الذي يبلغ عدد سكانه 18 مليون نسمة، باسم «سكمبوديا»، الذي يعني «كمبوديا الاحتيالية».

وأفادت وزارة الخزانة الأميركية، بأن الشركة التي تبني ناطحة السحاب في بنوم بنه، مملوكة لملياردير مُدان في قضايا عدة، يدعى شو أيمين، ويبلغ من العمر 64 عاماً ووُلد في الصين، وقد نجح في حماية نفسه من سلطات إنفاذ القانون بفضل علاقاته السياسية.

ويُعد شو واحداً من ستة أشخاص يُزعم أنهم زعماء شبكات الجرائم الإلكترونية، ومقرها كمبوديا، والذين فرضت عليهم الولايات المتحدة عقوبات، أو هم مطلوبون من قبل وكالات التحقيق في دول أخرى.

وتشمل القائمة أيضاً عضوين في مجلس الشيوخ الكمبودي، ومستشاراً صينياً لرؤساء وزراء كمبوديا المتعاقبين.

الطبقة الحاكمة

وتوثق الملفات القانونية وسجلات الشركات الكمبودية وإجراءات العقوبات في الولايات المتحدة ودول أخرى، تسلل شبكات الاحتيال عبر الإنترنت إلى الطبقة الحاكمة في كمبوديا.

وأجرت صحيفة «وول ستريت جورنال» مقابلات مع أكثر من 10 رجال ونساء عملوا في عمليات الاحتيال الكمبودية، إضافة إلى مسؤولي إنفاذ القانون ونشطاء يساعدون العمال «المستعبدين» ومسؤولين تنفيذيين سابقين في شركات مرتبطة بمؤسسات الجرائم الإلكترونية المزعومة.

وينفي المسؤولون الكمبوديون التواطؤ مع عصابات الاحتيال، وتُظهر سجلات الشركات أن شو استقال من منصب رئيس مجلس إدارة شركته العقارية الخاضعة للعقوبات، «كي بي إكس للاستثمارات»، في نوفمبر.

وغيّرت الشركة اسمها منذ ذلك الحين إلى «أمارا كوبوراك للاستثمارات»، ولم يتم الوصول إلى شو للتعليق.

وقالت الرئيسة الحالية للشركة، تشان مينغ تشو، إن الشركة تحت مِلكية جديدة، ولم تشارك في أنشطة احتيالية.

مجمعات الاحتيال

تحت ضغط متصاعد من الولايات المتحدة والصين ودول أخرى، بدأت الحكومة الكمبودية في الأشهر الأخيرة، حملة أمنية على مستوى البلاد، قالت إنها ستقضي على أنشطة الاحتيال عبر الإنترنت قريباً جداً.

وكشفت مئات المداهمات والإفراج الجماعي عن العمال من مجمعات الاحتيال، عن حجم هذه الصناعة التي ظلت لفترة طويلة تعمل في الخفاء.

وفي الوقت نفسه دفعت الحملة الأمنية العديد من العمليات الكبرى إلى تغيير أساليبها، ما زاد من صعوبة تعقُّبها.

وقدّر تقرير صدر العام الماضي عن خبير في شبكات الاحتيال التي تتخذ من كمبوديا مقراً لها، واستشهدت به السلطات الأميركية، أن الإيرادات السنوية لعصابات الاحتيال تصل إلى 19 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 40% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، متجاوزة بذلك أكبر قطاع رسمي فيها، وهو صناعة الملابس.

ووفقاً لبيانات الحكومة الأميركية خسر الأميركيون وحدهم 10 مليارات دولار بسبب الاحتيال عبر الإنترنت، الذي نشأ من جنوب شرق آسيا في عام 2024، ويمثل هذا الرقم زيادة بنسبة 66% عن العام 2023.

تأثُّر الاقتصاد

وبحسب رئيس الوزراء الكمبودي، هون مانيت، فقد أثر الضرر الذي لحق بسمعة البلاد بسبب ارتباطها المتزايد بالاحتيال عبر الإنترنت، بشكل كبير على الاقتصاد الرسمي لكمبوديا، حيث انخفضت مبيعات التذاكر في مواقع الآثار المشهورة عالمياً بأكثر من النصف مقارنة بما كانت عليه قبل جائحة «كورونا».

وقال الوزير في الحكومة الكمبودية والمسؤول عن مكافحة الجرائم الإلكترونية، تشاي سيناريث: «كان الناس يعرفون كمبوديا بفضل مجمع معابد أنغكور وات، وكان يُنظر إلينا كأمة عظيمة، لكن الآن تربطنا بعض الدول بالاحتيال عبر الإنترنت».

وكان هون سين، الذي شغل منصب رئيس وزراء كمبوديا منذ عام 1985، استضاف الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، وقادة دول جنوب شرق آسيا في نوفمبر 2022.

واحتفالاً بهذه المناسبة قدّم هون، وهو من عشاق الساعات الفاخرة، لكل زعيم ساعة من إصدار محدود بقيمة 20 ألف دولار، تبرّع بها رجل أعمال يدعى، تشين زي، الذي ساعدته ثروته الهائلة على الانضمام إلى النخبة السياسية في كمبوديا.

استثمارات ضخمة

مِثل المطور العقاري الخاضع للعقوبات، شو أيمين، الذي شيد ناطحة السحاب في بنوم بنه، كان تشين مهاجراً من الصين ومواطناً كمبوديا متجنساً.

وفي غضون نحو 10 سنوات من وصوله، في عام 2009، استثمر تشين مئات الملايين من الدولارات في العقارات الكمبودية، وبنك محلي، ومتنزه ترفيهي، ومحالّ «سوبر ماركت».

وكانت الشركات التي تزعم وزارة الخزانة الأميركية أن تشين ومجموعته «برينس غروب» يسيطران عليها، تدير فنادق وملاهي ليلية في مدينة سيهانوكفيل الساحلية، إضافة إلى مصنع ساعات فاخرة.

وفي عام 2020 منح ملك كمبوديا، تشين لقب «أوكنا»، وهو لقب شبيه بلقب النبالة، وفي العام نفسه تم تعيين تشين، الذي كان يبلغ من العمر 32 عاما آنذاك ولا يتحدث سوى القليل من لغة البلاد الرسمية، مستشاراً رسمياً لرئيس الوزراء، وهو منصب بمستوى وزير.

وبحلول موعد قمة عام 2022، قال نشطاء مقيمون في كمبوديا في مقابلات إنهم تلقوا مكالمات من رجال ونساء قالوا إنهم أُجبروا على القيام بعمليات احتيال أثناء احتجازهم في الملاهي والفنادق والمجمّعات الصناعية التي تقول الولايات المتحدة إن «برينس غروب» كانت تديرها.

وعلى الرغم من التحذيرات المتزايدة بشأن تشين وشركات «برينس غروب» التابعة له، احتفظ هون مانيت، نجل هون سين، بخدمات تشين كمستشار عندما خلف والده في منصب رئيس الوزراء عام 2023.

وقال متحدث باسم شركات «برينس غروب» إن تشين جمع ثروته من خلال استثمارات مشروعة في العقارات والأصول الأخرى، وإنه لا يمتلك هو ولا «برينس غروب» أي مبانٍ تُستخدم لعمليات الاحتيال عبر الإنترنت أو جرائم أخرى، ولا يديرون أياً منها. عن «وول ستريت جورنال»


أرض خصبة

اعتبر محللون أن كمبوديا باتت أرضاً خصبة للجرائم الإلكترونية، حيث إنها تتمتع بإنترنت سريع، ويعتمد الاقتصاد في الغالب على الدولار الأميركي، وغالباً ما تنتقل المناصب الحكومية العليا داخل العائلات من جيل إلى آخر.

من جهتهم، قال نشطاء وأفراد عائلات يحاولون تحرير العاملين في عمليات الاحتيال، الذين أُجبروا على العمل في مراكز الاحتيال الكمبودية، إنهم واجهوا صعوبة في إقناع الشرطة بالتدخل، حتى عندما قَدّموا مواقع دقيقة.

وأضافوا أنه عندما تدخلت الشرطة، غالباً ما كانت تفرج فقط عن الأشخاص الذين تم الإبلاغ عنهم، تاركة وراءها مئات أو آلاف الآخرين المحتجَزين في المجمعات نفسها.

. تحت ضغط متصاعد من أميركا والصين ودول أخرى، بدأت الحكومة الكمبودية حملة للقضاء على أنشطة الاحتيال عبر الإنترنت.

. الإيرادات السنوية لعصابات الاحتيال في كمبوديا تصل إلى 19 مليار دولار، ما يعادل 40% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.


أنشطة غير مشروعة

تشين زي. أرشيفية

في 14 أكتوبر الماضي، أعلنت وزارة العدل الأميركية عن أكبر مصادرة للأصول الأجنبية في تاريخها (عملة بيتكوين تُقدر قيمتها بنحو 15 مليار دولار في ذلك الوقت).

وقالت الوزارة حينها إنها عائدات من أنشطة رجل الأعمال الصيني الأصل والحاصل على الجنسية الكمبودية، تشين زي، غير المشروعة، موجِّهة إليه تهم الاحتيال وغسل الأموال.

كما فرضت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة عقوبات على تشين وأكثر من 100 شركة داخل وخارج كمبوديا يُزعم أنها مرتبطة بمجموعة «برينس غروب» التابعة له.

وقد فصّلت لائحة الاتهام الفيدرالية الأميركية الرشاوى المزعومة، التي دفعها تشين وشركاؤه، بما في ذلك ساعات فاخرة تُقدَّر قيمتها بملايين الدولارات إلى مسؤول حكومي رفيع المستوى من دولة لم يذكر اسمها.

كما ذكرت لائحة الاتهام أن مسؤولاً آخر لم يذكر اسمه، تلقّى يختاً كهدية، وأدت الإجراءات المتخذة ضد تشين إلى شن مداهمات واعتقالات ومزيد من عمليات مصادرة الأصول التي استهدفت شبكة «برينس» في تايلاند وسنغافورة وتايوان وهونغ كونغ.

وأصدرت السلطات التايلاندية مذكرة توقيف بحق عضو مجلس الشيوخ الكمبودي، لي يونغ فات، الذي فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات.

وفي السادس من يناير الماضي، ظهر تشين زي وهو يرتدي أصفاداً وزيَّ السجن، تُحيط به فرقة من قوات التدخل السريع التابعة للشرطة الصينية، في مطار صيني.

وقالت وزارة الداخلية الكمبودية، إن تشين تم احتجازه وتسليمه بناء على طلب الصين، وأعلنت السلطات لاحقاً أنها جردت تشين من جنسيته الكمبودية.


عقوبات أميركية

حتى وقت قريب تجاهلت الحكومة الكمبودية، الانتقادات الدولية بشأن عمليات الاحتيال عبر الإنترنت والإتجار بالبشر، التي تقول الولايات المتحدة والأمم المتحدة، إنها ترقى إلى مستوى «العبودية».

وفي عام 2024 فرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على عضو مجلس الشيوخ الكمبودي ورجل الأعمال الثري، لي يونغ فات، بسبب انتهاكات مزعومة لحقوق الإنسان بحق عمال مستغلين في منتجع على الحدود الكمبودية - التايلاندية تملكه إحدى شركاته.

وأفادت وزارة الخزانة بأن عمالاً أُجبروا على العمل قسراً من خمس دول على الأقل أبلغوا عن تعرضهم للضرب والإيذاء بالصدمات الكهربائية والتهديد ببيعهم لعصابات أخرى. وقفز اثنان على الأقل من مباني المنتجع ليلقيا حتفهما.

من جهتها نددت وزارة الخارجية الكمبودية بالعقوبات، ووصفتها بأنها ذات دوافع سياسية.

وأشاد المسؤولون بمساهمات لي يونغ فات، في التنمية الاقتصادية لكمبوديا. ولم يتسن الاتصال بلي يونغ فات للتعليق.

ورفضت شركته «إل واي بي غروب»، التي فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات أيضاً، التعليق.

كما أعلنت وزارة الخزانة الأميركية عن فرض عقوبات على المطور العقاري، شو أيمين، وشبكتين أخريين مزعومتين للاحتيال الإلكتروني مقرهما كمبوديا. وبعد شهر استهدفت الولايات المتحدة رجل الأعمال تشين زي بالعقوبات.

تويتر