وسط تدهور الحالة المعيشية وتراجُع جدوى العمل في الأرض
أزمة الوقود والتضخم والعقوبات تزيد معاناة المزارعين في كوبا
كان المزارع أبراهام رودريغز يقف متأملاً أخاديد حقل القمح الممتدة أمامه، مدركاً أن عليه إنهاء حرثها قبل غروب الشمس.
ورغم أن الوقت لم يتجاوز منتصف النهار في قرية أرتيميسا الكوبية، إلا أن حرارة الشمس كانت قاسية إلى حد أنه بدأ يشعر بالإرهاق مبكراً، فالعمل في الأرض لطالما كان شاقاً.
وقد قضى رودريغز نصف عمره تقريباً في الزراعة، منذ أن اضطر إلى بدء العمل وهو في سن الـ13 من عمره بعد انفصال والديه، وعُمره اليوم 26 عاماً ولم يعد يرى في هذا العمل سوى عبء متزايد.
ويؤكد رودريغز أن الزراعة كانت دائماً عملاً مرهقاً، لكنها في الوقت الحالي أصبحت شبه مستحيلة، فهو يتقاضى 1200 بيزو يومياً، أي ما يعادل نحو 2.44 دولار، ما يجعله مضطراً إلى العمل يومين كاملين لشراء زجاجة زيت واحدة.
ويقول إنه تمرّ أحياناً أسابيع من دون أن يتمكن من تناول اللحم، وكانت آخر وجبة له عبارة عن أرز أبيض وموز مقلي، وهي الوجبة نفسها التي يتناولها على الإفطار كل يوم.
ويضيف: «في السابق، كنت قادراً على تخصيص جزء من دخلي لتناول الطعام في مطعم مرة واحدة أسبوعياً، لكن الأوضاع تغيرت بشكل كبير بعد جائحة (كورونا)، حيث تدهورت الظروف المعيشية بصورة ملحوظة»، لافتاً إلى أنه لم يعد يمانع فكرة التدخل الأميركي في بلاده، إذا كان من شأن ذلك تحسين حياته وحياة الكوبيين بشكل عام.
معاناة مستمرة
ولا تقتصر هذه المعاناة على رودريغز وحده، حيث يعيش العديد من المزارعين في أرتيميسا، التي تعد قلب الريف الكوبي جنوب العاصمة هافانا، على وجبات محدودة بالكاد تسد حاجتهم، في ظل عجزهم عن توفير الأساسيات.
كما أن تقليص نظام المشتريات الحكومية، الذي كانت الحكومة تشتري المحاصيل من خلاله، أدى إلى تلف كميات كبيرة من الإنتاج في الحقول.
وتفاقمت الأزمة نتيجة التضخم الذي أعقب جائحة «كورونا»، إلى جانب العقوبات الأميركية المفروضة على كوبا، ما دفع بعض المزارعين إلى اللجوء لتجارة الفحم غير المشروعة أو الهجرة، الأمر الذي تسبب في تشتت العديد من الأسر بحثاً عن سبل البقاء.
ويعكس وضع يومار ماتوس صورة مشابهة لهذه المعاناة المستمرة، فقد عمل سنوات في مجال البناء في هافانا، قبل أن يفقد عمله منذ ثلاثة أشهر، ما اضطره إلى الاتجاه نحو الزراعة كمصدر رزق أخير.
وانتقل ماتوس إلى أرتيميسا للعيش مع شقيقه وزوج أمه، اللذين يعملان في الزراعة منذ سبع سنوات.
ويتشارك الثلاثة يومياً وجبة إفطار بسيطة للغاية، تتكون من قليل من الموز وزجاجة صغيرة من القهوة السوداء.
ويقول ماتوس بصوت متأثر إنه أب لطفلتين، إحداهما تبلغ من العمر تسعة أعوام، وتعيش في البرازيل مع والدتها، وتتمتع بحياة أفضل بكثير، حيث تعمل الأم محاسبة في متجر، بينما تعيش الطفلة الأخرى، التي لم يتجاوز عمرها خمسة أشهر، في كوبا مع والدته.
ويستعيد ماتوس ذكرياته بابتسامة حزينة، مشيراً إلى أن ابنته الكبرى غادرت وهي نحيلة، لكنها اليوم أصبحت بصحة أفضل.
مخزن حبوب
وكانت قرية أرتيميسا تُعرف في الماضي باسم «مخزن حبوب هافانا»، حيث كانت تزود العاصمة بنحو 40% من احتياجاتها من المنتجات الطازجة، بفضل تربتها الخصبة ومناخها الملائم للزراعة.
كما كانت مركزاً مهماً لإنتاج الحبوب والخضراوات والفواكه، إضافة إلى قصب السكر وتربية الماشية، ما جعلها ركيزة أساسية للزراعة في كوبا.
ورغم الشعارات التي ترفعها لافتات الحزب الشيوعي، مثل «فخورون بعملنا في الزراعة»، فإن الواقع مختلف تماماً، إذ يؤكد المزارعون أن العمل أصبح أكثر صعوبة من أي وقت مضى. فشح الوقود أدى إلى ارتفاع كبير في التكاليف، ولم تعد الزراعة تحقق عائداً يوازي الجهد المبذول فيها.
ويواجه الشقيقان، إديان ومايكل روميرو ألفاريز، تحديات مماثلة، فقد ورثا أرضاً زراعية عن عائلتهما، وعاشا منها طوال حياتهما، لكنهما اليوم يشعران بقلق متزايد تجاه المستقبل.
ويقولان إن الأزمة ازدادت تعقيداً بعد التوترات السياسية في فنزويلا جراء العملية العسكرية التي قامت بها الولايات المتحدة خلال يناير الماضي، وأسفرت عن اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو، حيث أثر ذلك على إمدادات الطاقة الفنزويلية لكوبا، ما أدى إلى نقص حاد في الوقود.
من جهته، يوضح مايكل، بينما يراقب عماله وهم يحصدون الجزر، أن نقص الوقود يجعل من المستحيل نقل المحاصيل إلى الأسواق، ما يؤدي إلى تلفها في الحقول.
ويعبر عن حزن، قائلاً إن «الأمر مؤلم للغاية عندما ينجحون في إنتاج محصول جيد، لكنهم يعجزون عن بيعه».
تنويع المحاصيل
ومنذ ثورة عام 1959، كان معظم الأراضي الزراعية في كوبا مملوكاً للحكومة، إلا أن سياسات إدارتها تغيرت مع مرور الوقت.
فقد اعتمدت البلاد لفترات طويلة على الزراعة الأحادية واسعة النطاق، خصوصاً قصب السكر، وهو ما أدى إلى تدهور التربة، واعتماد الاقتصاد على التصدير للاتحاد السوفييتي السابق.
وبعد انهيار الكتلة الاشتراكية، اتجهت الحكومة إلى تنويع المحاصيل، وإنشاء التعاونيات، وتوزيع الأراضي على المزارعين، مع إلزامهم ببيع جزء من إنتاجهم للدولة، والسماح لهم ببيع ما تبقى في الأسواق.
ورغم أن هذه السياسات ساعدت في الحفاظ على النظام الغذائي، إلا أنها لم تحقق جدوى اقتصادية كافية للمزارعين، ما دفع بعضهم إلى ترك أراضيهم.
وفي عام 2008، حاولت الحكومة، في عهد راؤول كاسترو، تشجيع الزراعة من خلال تخفيف القيود، ومنح الأراضي غير المستغلة للمزارعين. عن «الغارديان»
ضعف الاستثمارات
تقول عالمة الأنثروبولوجيا، ماري أوريل، إن الحصول على الأرض كان مشروطاً بامتلاك الحد الأدنى من المعدات، مع إمكانية منح مساحات تصل إلى 32 فداناً.
ومع ذلك، لايزال صغار المزارعين يعانون ضعف الاستثمارات، حيث تركز الحكومة الكوبية دعمها بشكل أكبر على التعاونيات والمزارع الحكومية، مع الاستمرار في حثهم على الإنتاج رغم أزمة الطاقة، في إطار خطاب يدعو إلى «إطعام الأمة».
. مزارعون يعيشون على وجبات محدودة، بالكاد تسد حاجتهم، في ظل عجزهم عن توفير الأساسيات.
. تقليص نظام المشتريات الحكومية أدى إلى تلف كميات كبيرة من الإنتاج في الحقول.
زيادة الإقبال على الفحم مع ندرة الوقود

لويس غارسيا يعمل في إنتاج الفحم منذ سنوات طويلة. من المصدر
يعد إنتاج الفحم واحداً من الأنشطة التي تشهد رواجاً في المناطق الريفية الكوبية، وذلك نتيجة تزايد الإقبال عليه من قبل السكان، خصوصاً في ظل الانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي.
ومن بين العاملين في هذا المجال، لويس توريس غارسيا، البالغ من العمر 63 عاماً، الذي يعمل في إنتاج الفحم منذ سنوات طويلة في الفناء الخلفي لمنزله، القريب من بلدة غويرا دي ميلينا.
ويقول لويس إن الفحم يستخدم بشكل واسع في الطهي، وفي العديد من الاستخدامات الأخرى، لاسيما مع ندرة الوقود، مشيراً إلى أنه متوافر في القرى والمدن التي يواجه سكانها ظروفاً معيشية صعبة.
ويبدأ لويس يومه باكراً بالتوجه إلى الغابة، حيث يقوم بقطع خشب المارابو، ثم ينقله إلى منزله باستخدام جرار.
وبعد ذلك يضع الخشب في فرن بسيط مكشوف، ويتركه يحترق لمدة تقارب 10 أيام، إلى أن يتحول إلى فحم جاهز للاستخدام.
وبعد الانتهاء من هذه العملية، يتم تخزين الفحم في أكياس تمهيداً لنقله وبيعه في أماكن مختلفة.
وتعد الحكومة الزبون الرئيس للويس، حيث تقوم بشراء الفحم منه بسعر 900 بيزو للكيس الواحد، الذي يزن نحو تسعة كيلوغرامات.
وكغيره من المزارعين، يُسمح له ببيع الكميات الزائدة بشكل مباشر في الأسواق، أو لأي زبون يرغب في شراء المنتج، وذلك لتغطية تكاليف الإنتاج.
ويقوم لويس ببيع الفحم وفق سعر السوق، الذي يبلغ نحو 2.4 دولار للكيس الواحد، رغم أن الأسعار قد ارتفعت أحياناً لتصل إلى أربعة دولارات للكيس.
ومع ذلك، يحرص على عدم استغلال الظروف، قائلاً إنه يتذكر جيداً معاناة الفقر والجوع والحاجة، ولذلك يرفض رفع الأسعار بشكل مبالغ فيه.
وفي جانب آخر من حياته، تجلس زوجة لويس، ميلاغروس مورينو، على شرفة المنزل، منشغلة بفرز الأرز استعداداً لإعداد الطعام.
وتعمل ميلاغروس ممرضة في بلدة غويرا دي ميلينا، إلا أن تدهور وسائل النقل حال دون قدرتها على الاستمرار في الذهاب إلى عملها.
ويعبّر كل من لويس وزوجته عن انتقادهما الشديد لسياسة «الضغط الأقصى» التي تنتهجها الولايات المتحدة تجاه كوبا.
ويوجه لويس غارسيا انتقاداً للرئيس الأميركي دونالد ترامب، معتبراً أنه ينبغي عليه ترك كوبا وشأنها، حتى تتمكن من إقامة علاقات تجارية مع دول أخرى. ويرى أن هذه السياسات تهدف إلى خنق البلاد.
مصدر دخل بديل

أنخيل رييس يبيع الفحم في الشارع بعد أن كان سائق سيارة أجرة. من المصدر
يعمل الرجل الكوبي أنخيل رييس، البالغ من العمر 42 عاماً، في بيع أكياس الفحم بسعر 1300 بيزو للكيس الواحد.
ولم يمضِ وقت طويل على دخوله هذا المجال، حيث بدأ العمل فيه قبل أسابيع قليلة فقط، ففي السابق كان يعمل سائق سيارة أجرة في سان أنطونيو دي لوس بانوس، غير أن أزمة نقص الوقود التي تفاقمت أجبرته على ترك مهنته والبحث عن مصدر دخل بديل.
وقد وجد رييس ضالته في تجارة الفحم، التي رأى فيها وسيلة عملية تساعده على تجاوز أزمته المالية، والتخفيف من ضائقة العيش التي يواجهها.
وبفعل طبيعة هذا العمل الشاقة، غالباً ما تكون يداه مغطاتين بالبثور والجروح الناتجة عن أشواك أشجار المارابو، في ظل عدم توافر قفازات تحميه من هذه الإصابات، ومع ذلك لا يفكر في البحث عنها، متسائلاً باستنكار: «من أين يمكنني الحصول عليها أصلاً؟»، ويدرك رييس تماماً أنه قد يكون عرضة لعمليات تفتيش من قبل الجهات الحكومية، التي عادة ما تراقب هذا النوع من التجارة، إلا أنه لم يتعرض لأي تفتيش حتى الآن، ولا يبدو عليه القلق حيال ذلك، ويبرر موقفه قائلاً إن أولويته الأساسية إعالة أطفاله، موضحاً أنه قد يتمكن من شراء حذاء لهم مرة واحدة في السنة، لكن تأمين الطعام يظل ضرورة يومية لا تحتمل التأجيل.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news