«ميليسا» ترك آلاف المتضررين بلا مأوى وسط دمار واسع وتعافٍ بطيء
بعد 6 أشهر من إعصار مُدمّر.. سكان جامايكا لايزالون ينتظرون المساعدات
جامايكا تتأثر بالتبعات الناتجة عن التغيّر المناخي الذي يُعدّ سبباً رئيساً في زيادة الأعاصير مثل إعصار «ميليسا». أرشيفية
قالت الشابة الجامايكية كيري آن فيكرز، إنها كانت قبل إعصار «ميليسا» قادرة على إدارة حياتها وتدبير شؤونها بشكل طبيعي، إلا أن كل شيء تغيّر جذرياً بعد وقوع الكارثة، حيث انقلبت حياتها رأساً على عقب.
وكانت فيكرز حاملاً في شهرها الثالث عندما ضرب الإعصار البلاد في أكتوبر 2025، متسبباً في دمار أجزاء من منزلها الواقع ببلدة بلاك ريفر الساحلية في سانت إليزابيث، غرب جامايكا.
وبعد مرور نحو ستة أشهر، لاتزال الشابة البالغة من العمر 25 عاماً تكافح للحصول على الدعم اللازم لإعادة بناء منزلها، في ظل قلق متزايد مع اقتراب موعد ولادتها، حيث تخشى أن تضع طفلها في منزل يفتقر إلى سقف آمن.
وتعيش فيكرز، وهي أيضاً أم لطفل يبلغ من العمر ست سنوات، حالة من الصدمة النفسية المستمرة منذ أن أحدث الإعصار دماراً واسعاً وغير مسبوق، أجبرها وعائلتها على الفرار بحثاً عن مأوى.
وأشارت إلى أن الخوف يسيطر عليها من ألّا تعود الحياة إلى طبيعتها مرة أخرى، موضحة أنها تمر بأيام تجلس فيها عاجزة، تحدق في الفراغ من دون أن تعرف كيف تواصل حياتها، بينما يحيط بها شعور عميق بالاكتئاب.
انتظار الدعم
من جهتها، قالت الأم كشيما غراي، المقيمة في بلدة تابعة لمدينة هانوفر شمال غربي البلاد، إنها لاتزال تنتظر الدعم لإعادة بناء حياتها من جديد، وكانت غراي، اضطرت إلى الفرار من منزلها برفقة أطفالها الأربعة، ثم مغادرة المأوى الذي لجأت إليه لاحقاً، رغم حصولها على بعض المساعدات الغذائية، من بينها دعم بسيط قدمته منظمة «وورلد سنترال كيتشن»، وروت غراي تجربتها المؤلمة مع الإعصار، حيث أدت الرياح العاتية إلى تحطيم نوافذ منزلها وتناثر الزجاج في أرجائه، كما اقتلعت السقف، ورفعت قطع الأثاث الثقيلة من أماكنها.
وأكّدت أن الوضع لايزال صعباً للغاية، مشيرة إلى أنها لم تتلقَ أي دعم فعلي حتى الآن، رغم قيام الجهات الحكومية بتقييم الأضرار، حيث لاتزال تجهل ما إذا كانت ستحصل على مساعدات تُمكّنها من استعادة حياتها بشكل مقبول.
صرف التعويضات
وبحسب التقييمات الأولية التي أعقبت الإعصار، فقد تضرر أو دُمّر أكثر من 150 ألف منزل في جميع أنحاء جامايكا.
ومع ذلك، لا توجد حتى الآن بيانات رسمية دقيقة حول عدد الأشخاص الذين لايزالون بلا مأوى آمن أو يفتقرون إلى الإمدادات الأساسية.
وقالت عضو البرلمان عن هانوفر، أندريا بوركيس، إن العديد من سكان دائرتها الانتخابية بحاجة ماسة إلى الدعم، ولايزالون ينتظرون صرف المستحقات المالية المخصصة لإعادة إعمار منازلهم.
وأضافت أن عملية صرف التعويضات تستغرق وقتاً طويلاً، ما يضطر المتضررين إلى الانتظار لفترات ممتدة، لافتة إلى أن هناك حالات ربما لم تخضع للتقييم بعد، وهو ما يستدعي إجراء جولات تقييم إضافية.
وأكّدت أن الكثير من السكان لايزالون يعيشون من دون أسقف تحميهم، مشيرة إلى تلقيها شكاوى يومية، من بينها اتصال من سيدة طلبت مساعدات بسيطة، مثل الأغطية الواقية، بسبب تسرب مياه الأمطار إلى منزلها وإتلاف ممتلكاتها الأساسية، وقالت إن هذه الحالات تتكرر في مختلف أنحاء الدائرة.
ترميم المنازل
وأعلنت الحكومة الجامايكية تسريع جهود التعافي من خلال برنامج مخصص لترميم منازل الأُسر المتضررة من الإعصار، وأكّد وزير العمل والضمان الاجتماعي بيرنال تشارلز، التزام الحكومة بتعزيز الأنظمة والإجراءات، لمواكبة الطلب المتزايد على الدعم، والعمل على إيصال المساعدات إلى أكبر عدد ممكن من الأُسر.
وحتى الآن، تم صرف نحو 8.25 مليارات دولار ضمن البرنامج، مع تخصيص ثلاثة مليارات دولار إضافية في المرحلة الأخيرة، ما سيسهم في دعم نحو 14 ألف مستفيد جديد.
واستجابة للقلق العام والتقارير الإعلامية الأخيرة، قالت وزارة العدل إن الأموال المخصصة لم تُستنفد بعد، وإن وتيرة صرف التعويضات تشهد تسارعاً مع توسع نطاق البرنامج.
التغيّر المناخي
بدوره، أفاد وزير البيئة، ماثيو سامودا، بأن جامايكا تواجه وضعاً غير عادل، حيث تتحمل تبعات التغيّر المناخي الذي يُعدّ سبباً رئيساً في زيادة شدة وتكرار الأعاصير، مثل إعصار «ميليسا»، ولفت إلى أن العاصفة شكّلت تهديداً للاستقرار المالي الذي حققته البلاد على مدى سنوات.
وانتقد سامودا آليات التمويل الدولية المعنية بمواجهة تغيّر المناخ، مثل التي يعتمدها صندوق المناخ الأخضر للتخفيف والتكيّف، وصندوق الخسائر والأضرار الذي يدعم الدول النامية للتعافي من الكوارث الناجمة عن أزمة المناخ.
وأوضح أن حجم الخسائر الناتجة عن الإعصار بلغ نحو 10 مليارات دولار، في حين أن إجمالي التمويل الذي وفره صندوق المناخ الأخضر عالمياً منذ تأسيسه لا يتجاوز 19 مليار دولار، بينما لا يتعدى الحد الأقصى للدعم الذي يمكن أن يقدمه صندوق الخسائر والأضرار لأي دولة 20 مليون دولار، وهو ما يعكس فجوة كبيرة بين حجم الأضرار والتمويل المتاح. عن «الغارديان»
تعزيز مفهوم العدالة التعويضية

شهد مؤتمر «كوب 30» للمناخ في البرازيل، العام الماضي، دعوات متزايدة من منظمات حقوق الإنسان والنشطاء البيئيين لربط أزمة المناخ بالإرث التاريخي للاستعمار والاستعباد، وهي القضية التي طُرحت للمرة الأولى بشكل بارز خلال مؤتمر «كوب 27» عام 2022.
وقالت الخبيرة الاقتصادية الجامايكية كبيرة المستشارين في التحالف العالمي للعدالة المناخية للمنحدرين من أصول إفريقية، مارياما ويليامز، إن الهدف من هذا الطرح، هو دفع مفاوضات المناخ نحو الاعتراف بالأسباب التاريخية والهيكلية للهشاشة التي تعانيها بعض الدول، وتعزيز مفهوم العدالة التعويضية، مع تأكيد دور المجتمعات المنحدرة من أصول إفريقية كأصحاب حقوق وشركاء في إيجاد حلول للأزمات المناخية.
وفي هذا الإطار، تم توجيه دعوات إلى الدول الصناعية الكبرى والقوى الاستعمارية السابقة لزيادة إسهاماتها، وبذل المزيد من الجهود، ومن بينها المملكة المتحدة التي تعهدت بتقديم 7.5 ملايين جنيه استرليني كمساعدات طارئة لجامايكا والدول المتضررة.
وحظي الدعم الذي قدمته الجاليات الجامايكية في المملكة المتحدة بإشادة واسعة، حيث وصفه المفوض السامي لجامايكا في لندن، ألكساندر ويليامز، بأنه بمثابة «شريان حياة» للمتضررين، وذلك خلال اجتماع افتراضي عُقد أخيراً.
إعادة الإعمار
تواصل الجالية الجامايكية المُقيمة في الخارج تقديم دعمها، حيث تشجع الحرفيين البريطانيين، ومن بينهم البناؤون والسباكون، على التوجه إلى جامايكا خلال الأشهر المقبلة للإسهام في إعادة إعمار مناطق، مثل ويستمورلاند وسانت إليزابيث.
فقد أطلقت مؤسسة تنمية جامايكا البريطانية استبياناً على مستوى البلاد، يهدف إلى رصد وتوثيق إسهامات الجامايكيين المقيمين في بريطانيا.
وقال ممثل المؤسسة، البروفيسور باتريك فيرنون، إن هذه الخطوة ستسهم في مواءمة جهود الجالية مع أولويات التنمية المستقبلية في جامايكا.
وعلى أرض الواقع، يأمل أشخاص مثل مديرة مدرسة سانت إليزابيث الثانوية، أودلي فير، ممن يلمسون بشكل مباشر حجم الاحتياجات الملحّة لدى المتضررين، أن يظل اهتمام العالم موجهاً نحو جامايكا، وأن يستمر الدعم حتى بعد تراجع الاهتمام الإعلامي العالمي، في وقت لاتزال البلاد في مرحلة التعافي.
وفي منطقة سانتا كروز التابعة لسانت إليزابيث، عبّرت الجامايكية كارين سالمون عن معاناتها، مشيرة إلى أنها لا تعرف متى ستتمكن من العودة إلى منزلها الذي تعرّض لأضرار جسيمة ويقع على بُعد 15 ميلاً من بلاك ريفر، قائلة إن الأوضاع بالغة الصعوبة، وإن الحاجة إلى المساعدة لاتزال قائمة.
تبرعات لدعم المتضررين

سيارات تحمل مساعدات للمتضررين في مدينة بلاك ريفر. من المصدر
عادت الكاتبة والناشرة وصانعة الأفلام البريطانية من أصول جامايكية، آفا براون، إلى المملكة المتحدة بعد أن كانت موجودة في مدينة سانت إليزابيث، الواقعة على الساحل الجنوبي الغربي لجامايكا عند وقوع الإعصار، وذلك بهدف العمل على جمع التبرعات، لدعم المتضررين منه.
وقالت إن مغادرة مكان تحبه، في وقت يمر بحالة من الضعف والألم، أمر بالغ الصعوبة، لكنها أدركت في الوقت نفسه أن دورها يتمثّل في خدمة الآخرين من خلال مؤسستها التي تحمل اسم «مهرجان مدينة بلاك ريفر»، حيث تُعدّ هذه المدينة مركزاً مهماً للسياحة البيئية.
من جانبها، قالت نائبة مديرة المدرسة الثانوية في بلاك ريفر، كلودين ديلاي، إن التبرعات التي تقدمها المؤسسة تسهم في مساعدة بعض الطلاب على تحمل كُلفة التنقل اليومي من المدرسة وإليها، وهو ما يخفف عنهم أعباء مالية إضافية.
وفي سياق الجهود المجتمعية، برز رجل الأعمال ناثانيال بيت، رئيس جمعية «جامايكيون ملهمون»، التي تُعنى بشؤون المغتربين، وكذلك الممثل السابق للمجلس العالمي لشتات جامايكا، كأحد أبرز الداعمين لعمليات إعادة الإعمار على مستوى البلاد.
فقد شارك إلى جانب عدد من الشخصيات البارزة من أبناء الشتات، كالموسيقيين ماكسي بريست ولوسيانو، والممثل الكوميدي وايت ياردي، في جهود جماعية ضمت أيضاً شركات وكنائس ومنظمات أهلية وأندية اجتماعية وأفراداً، جميعهم عملوا معاً لتقديم الدعم للمتضررين.
وقال بيت إنه مع اقتراب الإعصار من جامايكا، انتشرت الأخبار بسرعة عبر مجموعات «الواتس أب»، وبدأت التساؤلات تدور حول كيفية تنظيم الجهود بشكل فعّال، مع التركيز على تقديم الدعم الاقتصادي والمالي، إلى جانب مراعاة الأثر الاجتماعي، وتعزيز جهود الإغاثة.
وفي إطار الدعم الدولي، أرسلت المملكة المتحدة إلى جامايكا نحو 2.9 طن من المساعدات، حيث تكفّلت شركة الخطوط الجوية البريطانية بنقلها مجاناً، بدعم من مبادرات مثل تلك التي يقودها مؤسس برنامج «فانتسي وينغز»، الذي يهدف إلى تعزيز التنوع في قطاع الطيران البريطاني.
وأكّد نائب المفوض السامي لجامايكا لدى المملكة المتحدة، سيث دينتون - واتس، أهمية أن تكون المساعدات المقدمة ملائمة للاحتياجات الفعلية، موضحاً أن هناك بالفعل كميات كبيرة من الملابس التي تم التبرع بها، إلا أن الأولوية تتركز على توفير مستلزمات أكثر إلحاحاً، مثل الأغطية البلاستيكية، والمولدات الكهربائية، والفوانيس، والمصابيح اليدوية، وأنظمة الإضاءة الشمسية، إضافة إلى الأدوات الأساسية، كالمطارق والمناشير والمسامير والمناشير الكهربائية والبراغي، وهي جميعها ضرورية لعمليات إعادة البناء والتعافي.
. لا توجد حتى الآن بيانات رسمية دقيقة حول عدد الأشخاص الذين لايزالون بلا مأوى آمن أو يفتقرون إلى الإمدادات الأساسية.
. الحكومة الجامايكية أكّدت التزامها بتعزيز الإجراءات لمواكبة الطلب المتزايد على الدعم، والعمل على إيصال المساعدات.
تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news