القرار يفاقم عدم المساواة بين الريف والمناطق الحضرية

رفع سن التقاعد في الصين يزيد الضغوط على العمال الأصغر سناً

صورة

في مدينة تانغشان الصناعية الصاخبة شمال الصين، يعمل لين ليانغ في قسم الصيانة بشركة تعدين ضخمة منذ 15 عاماً.

ولايزال أمامه عقود من الزمن قبل أن يتقاعد ويحصل على معاش تقاعدي، وهي مدة أطول مما كان يخطط له، وذلك بسبب قرار صدر أخيراً برفع سن التقاعد في جميع أنحاء الصين.

في مواجهة شيخوخة سريعة للسكان، والتي تهدد بإفلاس نظام المعاشات التقاعدية في البلاد، بدأت بكين العام الماضي في تنفيذ أول زيادة في سن التقاعد منذ خمسينات القرن الماضي.

سيتأثر العمال الأصغر سناً مثل ليانغ أكثر من غيرهم، حيث سيتم رفع سن التقاعد للرجال تدريجياً من 60 إلى 63 عاماً على مدى السنوات القليلة المقبلة، فيما سيتم رفع سن التقاعد للنساء من 50 إلى 55 عاماً للعاملات، ومن 55 إلى 58 عاماً للموظفات.

وعلى الرغم من أن سن التقاعد القانوني في الصين منخفضة وفقاً للمعايير العالمية، فإن هذا التغيير يمثل صعوبة، لاسيما بالنسبة لأولئك الشباب الذين يمارسون أعمالاً بدنية أو يواجهون قدراً أكبر من عدم الاستقرار الوظيفي.

كما ستزيد فترات الاشتراك المطلوبة من العمال، أي المدة الزمنية التي يجب على العمال أو أرباب عملهم دفع اشتراكات في نظام التقاعد من أجل الحصول على المزايا، من 15 إلى 20 عاماً بين عامي 2030 و2039.

معاشات أكثر كلفة

تسهم مساهمات ليانغ وآخرين في دعم مجموعة متزايدة من كبار السن الصينيين، حيث إن نحو 22% من سكان الصين حالياً تزيد أعمارهم على 60 عاماً، فيما من المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 28%، أو 402 مليون شخص، بحلول عام 2040.

ويرجع هذا الاتجاه إلى ارتفاع متوسط العمر المتوقع، وانخفاض معدلات المواليد، وهو ما تفاقم بسبب سياسة الطفل الواحد التي استمرت في الصين لعقود حتى عام 2016.

ويقول أستاذ الاقتصاد في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، نيكولاس بار: «إذا كانت سن التقاعد ثابتة وعمر الناس أطول، فستصبح المعاشات التقاعدية أكثر كلفة، وفي النهاية سينهار النظام».

ويضيف الدكتور بار، الذي قدم المشورة للصين بشأن إصلاحات المعاشات التقاعدية من عام 2005 إلى عام 2010، أنه «يجب أن تكون هناك زيادة في سن التقاعد الحكومي»، موضحاً: «لكن ذلك يترك الكثير من المشكلات الأخرى دون حل»، بما في ذلك التفاوتات العميقة في نظام المعاشات التقاعدية الصيني، والتنازلات الاقتصادية الصعبة اللازمة للحفاظ على تمويله.

وتوقع تقرير صادر عام 2019 عن الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية، التي تديرها الدولة، أنه من دون إصلاحات، سيُستنفد الصندوق الحكومي الرئيس الذي يموّل المعاشات التقاعدية المستقبلية بحلول عام 2035.

سوق عمل متقلبة

يرتدي تشياو قبعة قرمزية وملابس تقليدية، ويقرع طبلاً صغيراً، ويرحّب بالزوار في مطعم صغير في شارع مزدحم بالباعة الذين يطهون الوجبات الخفيفة التقليدية، مثل المعجنات المقلية وأسياخ اللحم وحلوى السمسم، في مدينة تانغشان.

تشياو، الذي طلب عدم ذكر اسمه الكامل حفاظاً على خصوصيته، عمل لعقود في مصنع كيماويات محلي، في عمل شاق شمل مهام صيانة المداخن، قبل أن يتقاعد مبكراً قبل نحو ثماني سنوات.

لكن تشياو لا يمكنه أن يشكو من معاشه التقاعدي، الذي يبلغ نحو 3500 يوان شهرياً (نحو 500 دولار). ويزيد دخله بعمله كموظف استقبال في ذلك المطعم الصغير في مسقط رأسه. ويقول إنه لا يعتبر هذا العمل مؤقتاً، مضيفاً: «أريد أن أكون هنا.. هذا العمل ممتع».

بفضل معاشه التقاعدي المضمون، فإن تشياو في وضع أفضل من العديد من العمال، صغاراً وكباراً، الذين هم يقلقون بشأن ما إذا كان بإمكانهم العثور على وظيفة في سوق عمل متقلبة، كما يقول أستاذ السياسة المقارنة في جامعة «روتجرز» الكندية، الدكتور شيان هوانغ، الذي يبحث في نظام الرعاية الاجتماعية بالصين.

عدم المساواة

من بين أكثر من مليار صيني يشاركون في النظام، يندرج نحو 534 مليون شخص تحت خطة للموظفين والمتقاعدين في المناطق الحضرية، مثل تشياو، والتي دفعت للمستفيدين في عام 2023 نحو 3742 يواناً شهرياً (537 دولاراً).

ومع ذلك، هناك 538 مليون شخص من سكان الريف، بمن في ذلك العمال المتنقلون والعمال الحضريون، مؤهلون لخطة أقل سخاء بكثير، دفعت في عام 2023 نحو 223 يواناً شهرياً (32 دولاراً). وهذا يعكس عدم المساواة الأساسية في المجتمع الصيني بين المجتمعات الريفية والحضرية.

ويحصل الموظفون المدنيون وغيرهم من موظفي الحكومة على معاشات تقاعدية أكبر، تقدر حالياً بما يراوح بين 6000 و7000 يوان شهرياً، وفقاً لتقرير صادر عام 2025 عن معهد «ميركاتور لدراسات الصين» في برلين.

انخفاض عدد السكان

يشار إلى أن بيانات رسمية صدرت أخيراً، أظهرت انخفاض عدد سكان الصين، للعام الرابع على التوالي، في 2025 مع تراجع معدل المواليد إلى مستوى قياسي جديد، وسط تنويه خبراء باستمرار هذا التراجع في السنوات المقبلة.

وقال المكتب الوطني للإحصاء إن إجمالي عدد السكان في الصين انخفض 3.39 ملايين نسمة ليصل إلى 1.405 مليار نسمة في عام 2025، وهو انخفاض أسرع من عام 2024، فيما انخفض إجمالي عدد المواليد إلى 7.92 ملايين مولود في 2025، بانخفاض 17% عن 9.54 ملايين مولود في عام 2024. عن «كريستيان ساينس مونتور»


الجيل المقبل

لا يشعر العامل في مصنع التعدين، لين ليانغ، بالحماس تجاه تغيير سن التقاعد، لكنه يقبله باعتباره ضرورياً للحفاظ على نظام المعاشات التقاعدية.

ويقول وهو يقف تحت سماء شتوية بالقرب من مصنع شركة تانغشان للتعدين، «بالنسبة للعمال الأصغر سناً، المهم هو مقدار رواتبهم ومزايا التقاعد»، مضيفاً: «علينا أن نفكر في الجيل المقبل، وألا نكون أنانيين للغاية، لكن عندما يحين وقت تقاعد الجيل المقبل، ستعتمد معاشاتهم التقاعدية إلى حد كبير على المكان الذي ولدوا فيه ويعيشون فيه».

. رفع سن التقاعد للرجال من 60 إلى 63 عاماً.. وبالنسبة للنساء رفع السن من 50 إلى 55 عاماً للعاملات، ومن 55 إلى 58 عاماً للموظفات.

. زيادة المدة الزمنية التي يجب على العمال أو أرباب عملهم دفع اشتراكات في نظام التقاعد للحصول على المزايا، من 15 إلى 20 عاماً بين 2030 و2039.


فوارق إقليمية

متقاعدون شعروا بالإحباط بعد تقليص مزايا الرعاية الصحية. رويترز

يقول أستاذ السياسة المقارنة بجامعة «روتجرز» الكندية، الدكتور شيان هوانغ: «لقد شهدنا تزايد الشعور بعدم العدالة، وتراجع الثقة بنظام الرعاية الاجتماعية في الصين».

ويضيف أن الناس يعتقدون أن رفاههم الاقتصادي يتحدد بالفوارق الإقليمية ونظام الضرائب وعوامل أخرى، وليس بمدى جهدهم في العمل.

وأدى شعور المتقاعدين بالإحباط إلى احتجاجهم على التخفيضات التي أجرتها حكومات محلية على مزايا الرعاية الصحية الخاصة بهم في السنوات الأخيرة.

وإدراكاً للحساسية السياسية لإصلاح نظام المعاشات التقاعدية، تتحرك حكومة الصين ببطء لمعالجة هذه المسألة، على الرغم من الضغوط الديموغرافية والاقتصادية المتزايدة.

وكانت بكين طرحت للمرة الأولى فكرة رفع سن التقاعد منذ أكثر من 10 سنوات.

وتهدف بكين إلى استبدال الإدارة اللامركزية والإقليمية للمعاشات التقاعدية بنظام وطني بحلول عام 2035، لكن أهدافها المتمثلة في توسيع نطاق تغطية المعاشات التقاعدية والحفاظ على شمولية النظام تتعارض مع أولوية تحقيق نمو اقتصادي قوي، وخلق فرص عمل.

وفي نهاية المطاف «تحتاج الصين إلى تقليل الإنفاق على المعاشات التقاعدية بمرور الوقت»، كما يقول الدكتور نيكولاس بار، الذي قدم المشورة للصين بشأن إصلاحات المعاشات التقاعدية.


معاقبة الشباب

اقتربت نسبة البطالة بين الشباب الصينيين من 20% منذ انتشار وباء «كورونا» أواخر عام 2019. كما يعمل بعض الأشخاص في الخمسينات من العمر ساعات إضافية لدعم أسرهم، وتلبية متطلبات المساهمة في المعاشات التقاعدية.

وأثار قرار رفع سن التقاعد انتقادات وجدلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تصطدم المناقشات حول إصلاح المعاشات التقاعدية بـ«الخلاف حول المسؤولية وتقاسم التكاليف» بين العمال والشركات.

وأشار بعض التعليقات إلى أن التغيير غير واقعي، ويعاقب الشباب، فيما شككت أخرى في أن الشركات الخاصة ستوظف عمالاً أكبر سناً، مشيرة إلى أن شركات التكنولوجيا الصينية تقوم بانتظام بتسريح العمال الذين تزيد أعمارهم على 35 عاماً. وتساءل أحد مستخدمي مواقع التواصل: «أخبرني، ماذا يفترض بنا أن نفعل خلال الـ30 عاماً المتبقية من حياتنا؟».

تويتر