في دور غير مألوف ومسؤوليات جديدة لم تكن سابقاً

محافظو المدن حول العالم يواجهون التحديات الاجتماعية والصراعات السياسية

صورة

في العاصمة المجرية بودابست، كانت الدعوة الصريحة إلى تحدي قرار حكومي يقضي بحظر مسيرات لمجموعات تصنفها السلطات على أنها «مسيئة»، هي الشرارة التي دفعت محافظ المدينة، غيرغي كاراتسوني، إلى صدارة المشهد الإعلامي وعناوين الصحف.

أما في برشلونة الإسبانية، فقد لفتت الأنظار خطة طموحة وجريئة تهدف إلى تحرير المدينة، التي تُعدّ واحدة من أكثر الوجهات السياحية زيارة في أوروبا، من ظاهرة الشقق السياحية بالكامل بحلول نهاية عام 2028.

وفي باريس، تجسّد هذا التحول في مشروع شامل غيّر ملامح المدينة، شمل تأهيل نهر السين ليصبح صالحاً للسباحة، وتحويل ضفافه التي كانت تعج بحركة السيارات إلى مساحات عامة صديقة للمشاة.

وتعكس هذه المبادرات المتنوعة، وما أثارته من نقاشات واسعة على مستوى العالم، إعادة رسم دور محافظي أو عُمد المدن في مختلف الدول.

لقد تلاشت الصورة التقليدية التي كانت تحصر دور المحافظ في حضور حفلات قص الأشرطة، والمشاركة في الفعاليات الرسمية، والوقوف أمام عدسات الإعلام لمجرد الظهور في نشرات الأخبار.

وبدلاً من ذلك، بات محافظو المدن يتقدمون الصفوف في مواجهة أكثر التحديات الاجتماعية تعقيداً، وهو دور لم يكن مألوفاً أو متوقعاً في السابق.

مسؤوليات جديدة

وفي هذا السياق، قال محافظ برشلونة، جاومي كولبوني، إن محافظي المدن في أنحاء العالم بدأوا يدركون أنهم أمام مسؤوليات جديدة لم تكن قائمة من قبل، وأضاف أن القناعة ترسخت لديهم بأن المشكلات العالمية الكبرى التي يواجهها الجميع لا يمكن التعامل معها إلا من خلال حلول محلية تنبع من واقع المدن واحتياجات سكانها.

وعندما تسلّم كولبوني منصبه في برشلونة عام 2023، لاحظ وجود قاسم مشترك يتكرر في نقاشاته مع رؤساء بلديات ومدن أخرى، يتمثّل في الارتفاع الحاد وغير المسبوق في أسعار المساكن، إلى حد بات فيه السكن خارج قدرة شريحة واسعة من السكان، ولم تلبث هذه الملاحظة أن تحوّلت إلى مبادرة جماعية غير مسبوقة، تمثّلت في تأسيس تحالف يضم 17 رئيس بلدية من مختلف أنحاء القارة الأوروبية، أُطلق عليه اسم «رؤساء البلديات من أجل السكن»، ويهدف إلى البحث عن حلول عملية لأزمة الإسكان التي اجتاحت معظم المدن الأوروبية الكبرى.

وأوضح كولبوني أن رؤساء البلديات هم الأقرب إلى تفاصيل الحياة اليومية للسكان، وهم الأكثر احتكاكاً بمشكلاتهم ومعاناتهم الحقيقية، ومن هذا المنطلق، يرى أنه من الطبيعي أن يرفعوا صوتهم، مؤكدين أن الأوضاع القائمة لم تعد قابلة للاستمرار على النحو الحالي.

صراعات

ومن نيويورك، حيث يبرز اسم العمدة زهران ممداني، إلى لندن بقيادة صادق خان، أدى تصاعد حضور محافظي المدن على الساحة العالمية إلى زيادة التدقيق في سياساتهم وقراراتهم، ما جعل بعضهم عرضة لصراعات ثقافية وسياسية حادة، ففي باريس، على سبيل المثال، حظيت جهود عمدة المدينة، آن هيدالغو، بإشادة واسعة من التيارات التقدمية حول العالم، حيث أمضت سنوات طويلة في العمل على إنشاء أحياء متكاملة، تضم متاجر وخدمات صحية ومرافق ترفيهية يمكن الوصول إليها جميعاً خلال 15 دقيقة، إلى جانب تعزيز المساحات الخضراء في المدينة، غير أن هذه المبادرات قوبلت برفض شديد من قبل اليمين المتطرف ويمين الوسط، الذين عارضوا مشروع هيدالغو بشكل قاطع.

نهضة المدن

ويرى كولبوني في هذا الحراك لحظة مهمة ونهضة للمدن، بعد عقود من التهميش، خصوصاً داخل الاتحاد الأوروبي الذي انصب تركيزه لفترة طويلة على دعم المزارعين والتنمية الريفية، ويؤكد أن المدن الأوروبية باتت اليوم الحصن الحقيقي الذي تصان فيه القيم الأوروبية والديمقراطية، مشيراً إلى أن المدن، سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة، لاتزال في معظمها فضاءات منفتحة وشاملة، حيث يُشكّل التقدميون أغلب سكانها.

وقارن كولبوني بين الحلول العملية التي طرحها تحالف محافظي المدن، مثل الضغط من أجل توجيه تمويل أوروبي لإنشاء مشروعات إسكان ميسورة الكُلفة وتشديد الرقابة على تأجير الشقق السياحية، وبين خطاب اليمين المتطرف الذي يسعى إلى تحميل المسؤولية للآخرين من دون تقديم بدائل حقيقية.

وأكّد أن التجربة أثبتت أن المناطق التي خضعت لحكم اليمين المتطرف لم تشهد أي تغيير فعلي، بل تفشى فيها خطاب الكراهية، وتعزز الانقسام والصدام، في الوقت الذي تآكلت فيه الحقوق التي ناضلت المجتمعات طويلاً من أجل انتزاعها.

دور مؤثر

وفي كلية لندن للاقتصاد، حيث يراقب الأكاديميون التحولات الحضرية خلال الـ20 أو الـ30 عاماً الماضية، أكّد مدير قسم المدن وأستاذ الدراسات الحضرية، ريكي بوردت، أن الدور الذي يلعبه محافظو المدن بات أكثر أهمية وتأثيراً في العديد من مدن العالم، وعزا بوردت هذا التحول إلى عاملين رئيسين، أولهما الزيادة المتسارعة في أعداد السكان الذين يعيشون في المدن، نتيجة هجرة متواصلة من الأرياف بحثاً عن فرص العمل وتحسين مستوى المعيشة، حيث من المتوقع أن يقيم نحو 70% من سكان العالم في المدن بحلول عام 2050، أما العامل الثاني، فيتمثّل في أن المدن أصبحت في قلب كل القضايا الكبرى، وعلى رأسها أزمة المناخ، والتحديات البيئية، والمشكلات الاجتماعية المتفاقمة.

وقال بوردت إن أي كارثة طبيعية أو أزمة مفاجئة تقع في مدينة ما، سواء كانت فيضانات أو حرائق أو تدفقات كبيرة للاجئين، تضع المحافظ والإدارة المحلية في موقع المسؤولية المباشرة عن التعامل معها، والحد من آثارها، وتأمين الاحتياجات الأساسية للسكان، وأضاف: «يأتي ذلك في وقت تتعرض فيه القدرات المالية للمدن لضغوط متزايدة، نتيجة تراجع الإيرادات الضريبية، وانخفاض الدخل، وتفاقم الصراعات على الصلاحيات والسلطة».

برنامج تأهيلي

وفي إطار الاستجابة لهذه التحديات، أطلقت كلية لندن للاقتصاد في أكتوبر الماضي برنامجاً جديداً مخصصاً لتأهيل محافظي المدن في أوروبا، مستندة إلى مبادرة مشابهة كانت جامعة «هارفرد» بدأت بها عام 2018.

ويهدف البرنامج إلى تزويد مكاتب المحافظين بالمهارات والاستراتيجيات والشبكات اللازمة لأداء مهام هذا المنصب، الذي لا يتطلب في الأساس تدريباً رسمياً، في ظل تصاعد الضغوط الناتجة عن الخطاب اليميني المتطرف، وتأثير وسائل التواصل الاجتماعي.

وضمت الدفعة الأولى من هذا البرنامج 30 محافظاً من مختلف أنحاء القارة الأوروبية.

ولعل هذا الصراع المتصاعد لا يتجلى بوضوح أكبر مما هو عليه في مدينة بودابست، حيث خرج محافظ المدينة في يونيو الماضي إلى الشوارع برفقة عشرات الآلاف من سكان العاصمة، في خطوة مباشرة لتحدي سياسات الحكومة المجرية التي سعت إلى فرض رؤيتها، ومنع تجمعات اعتبرتها غير مقبولة، في مشهد يعكس التحول العميق في دور المدن ومحافظيها في الدفاع عن القيم والحريات العامة.

أشيفا كسام*

*مراسلة «الغارديان» لقضايا المجتمع في أوروبا

عن «الغارديان»


العلاقة بين مدينة بودابست والحكومة.. نموذج للاتجاهات العالمية السائدة

قال محافظ العاصمة المجرية بودابست، غيرغي كاراتسوني، إن العلاقة بين مدينته والحكومة المركزية تُمثّل، من نواحٍ عدة، نموذجاً مصغراً للاتجاهات العالمية السائدة، فمنذ تولي رئيس الوزراء فيكتور أوربان، السلطة عام 2010، انتهجت حكومته اليمينية الشعبوية سياسات تهدف إلى تقليص موارد العاصمة، والحد من تأثيرها الثقافي والاقتصادي، رغم أن بودابست تحتضن نحو ثلثي سكان البلاد.

وأضاف كاراتسوني أن حكومته المحلية تتعرّض لهجمات إعلامية وضغوط سياسية مستمرة، واصفاً المناخ الذي يعمل فيه بالصعب والمعقّد، مشيراً إلى استجوابه من قبل الشرطة كمشتبه فيه، بسبب مواقفه الداعمة لسكان بودابست، والتي عُدّت مناوئة للحكومة.

وفي ديسمبر الماضي، أوصت الشرطة المجرية بإحالته إلى المحاكمة على خلفية اتهامات تتعلق بمخالفة أوامر حكومية، في انتظار قرار الادعاء العام.

وفي السياق ذاته، أكّد محافظ بودابست أن القيود المالية التي تفرضها الحكومة المركزية باتت تُشكّل عبئاً كبيراً على قدرة المدينة في توفير الخدمات الأساسية، محذراً من أن البلدية تقترب من العجز عن دفع رواتب موظفيها.

وجعل هذا الصراع من بودابست مثالاً بارزاً على الضغوط التي تواجه بعض الإدارات المحلية، وقال كاراتسوني إنه كان يفضل التركيز على مهامه الخدمية محافظاً للمدينة، بدلاً من الانشغال بالدفاع عن النظام الديمقراطي حتى اللحظة الأخيرة، وأضاف بنبرة ساخرة أنه تحدث مع محافظ إحدى العواصم الأوروبية الكبرى الذي عبّر عن غيرته من الدعم والتضامن الدوليين اللذين تحظى بهما بودابست، فرد عليه قائلاً: «إنه مستعد للتبادل، شرط أن يشمل ذلك رئيس الوزراء فيكتور أوربان».

ورغم قناعته بالدور المحوري الذي تلعبه الحكومات المحلية في السياسة العالمية، فإن كاراتسوني حذّر من تحويل تجربة بودابست إلى رمز لصراع بين رؤساء بلديات تقدميين وحكومات شعبوية، واعتبر أن هذا الطرح ينطوي على مخاطر كبيرة، لأنه يمنح الحكومات الشعبوية فرصة لتأليب الرأي العام ضد المدن الليبرالية، وإثارة المخاوف لدى سكان المناطق الريفية، وهو ما يغذي الاستقطاب، ويخدم الشعبوية نفسها. عن «الغارديان»


محرك أساسي

مع بدء أميركا اللاتينية مرحلة التعافي، يبرز دور رؤساء البلديات بوصفهم المحرك الأساسي لهذه العملية، ففي ظل الاستقطاب الحزبي الحاد الذي يطغى على السياسات الوطنية، تعاني دول عديدة في المنطقة حالة جمود سياسي، واضطراباً في آليات صنع القرار. هذا الفراغ القيادي يستدعي إعادة تقييم دور المدن وقادتها المحليين، لاسيما أن المدن لطالما شكّلت مراكز جذب للسكان والأفكار والابتكار والنشاط الاقتصادي. واليوم، تشهد أميركا اللاتينية تحولاً متسارعاً نحو نموذج حضري أكثر لامركزية، يُتوقع فيه أن يتولى رؤساء البلديات زمام القيادة.

وأظهرت بيانات حديثة صادرة عن البنك الدولي أن نحو 80% من سكان أميركا اللاتينية يقيمون في المناطق الحضرية، وهي أعلى نسبة تحضر في العالم النامي، متقدمة على آسيا التي تبلغ فيها النسبة 51%، وإفريقيا جنوب الصحراء بنسبة 43%، بل تتجاوز بكثير المتوسط العالمي البالغ 56%.

وبعدما كان التوسع الحضري يتركز في المدن الكبرى، مثل ساو باولو ومكسيكو سيتي وبوينس آيرس، بات يمتد اليوم ليشمل مدناً متوسطة الحجم في مختلف أنحاء المنطقة، ويحمل هذا التحول تداعيات كبرى على قطاعات حيوية، من بينها الإسكان، والمياه، والصرف الصحي، والنقل العام، واستهلاك الطاقة.

كما أسهمت الهجرة الداخلية والدولية بدور محوري في تسريع نمو المدن، سواء من خلال انتقال السكان من الريف إلى الحضر داخل البلد الواحد، أو عبر تدفق المهاجرين من الخارج.

عن «أميركاز كوارترلي»

. تلاشي الصورة التقليدية التي كانت تحصر دور المحافظ في حضور حفلات قص الأشرطة، والمشاركة في الفعاليات الرسمية.

. التحول في دور المحافظين يرجع إلى الزيادة المتسارعة في أعداد سكان المدن، ومواجهة المدن أزمات كبرى، لاسيما التغيّر المناخي.

تويتر