حكايات سياسية عن المقرئين في «دولة التلاوة»

مقرئ سلّم نفسه ليُنفى مع سعد زغلول.. وآخر رفض القراءة في قصر فاروق

صورة

حفلت علاقة «دولة التلاوة»، وهو المصطلح الذي يطلق على قراء القرآن الكريم بدولة السياسة، بمحطات مميزة على توالي الحكومات المصرية، حيث سعى حكام ووزراء إلى اصطفاء القراء إلى جانبهم، بينما كان قراء آخرون، دون أن يقصدوا، طرفاً في مشادات سياسية، الأمر الذي اجتذب كتاباً وصحافيين، على رأسهم الكاتب الساخر الراحل، محمود السعدني، إلى الولوج في هذا العالم والكتابة عن تفصيلاته.

وروى السعدني في كتابه «ألحان السماء»، الذي قدم له الشيخ محمد متولي الشعراوي، أن «قارئ الشعب» محمد رفعت كان الموازي في ثقله للزعيم الوفدي سعد زغلول ولفنان الشعب سيد درويش، وكان يستمع له الأقباط بجانب المسلمين، كما روى السعدني قصة ضابط كندي كبير كان يشارك في الحرب العالمية الثانية، طلب من مدير الإذاعة أن يجمعه برفعت، ولما رآه وأدرك أنه غير مبصر انخرط في البكاء، وقال إنه أدرك سر الألم العظيم الذي تفيض به عبقريته.

وروى السعدني قصة الأمير الهندي في حيدر آباد، الذي عرض على رفعت 100 جنيه كل يوم، نظير أن يسافر إلى هناك، وهو رقم مرتفع بلغة ذلك الزمان، فرفض.

ويروي السعدني أن الزعيم الوفدي، سعد زغلول، كان له قارئ خاص، هو الشيخ محمود البربري، وقد اعتقله الإنجليز لأنه كان يخفي آلاف المنشورات ضد الاحتلال البريطاني تحت عباءته أثناء خروجه من بيت الأمة، واضطر الإنجليز إلى عزله في السجن وحبسه انفرادياً، ليمنعوا التفاف عشرات السجناء حوله، وعندما خرج من السجن، وتم نفي سعد زغلول إلى مالطا، قام البربري بتسليم نفسه لسلطات الاحتلال لينفوه معه، وليقرأ له القرآن الكريم في المنفى، وبعد أن تم رفض طلبه واصل البربري دوره الثوري، حيث كان يقيم الوطنيون مآتم وهمية ليلتف حوله الناس، ويناقشوا قضايا الثورة، وحين توفي شُيع في جنازة مهيبة كان على رأسها الزعيم الوطني الوفدي القبطي، مكرم عبيد، الذي كان معروفاً بحفظه للقرآن الكريم وعشقه لتلاوته، ويعتبر نفسه أحد تلاميذ البربري.

محمد الصيفي

ويروي السعدني أيضاً قصة القارئ الشيخ، محمد الصيفي، الذي كان يتقاضى أجراً قدره 50 قرشاً في الليلة، وظل يتدرج حتى وصل إلى 10 جنيهات عام 1927، وكان واحداً من أربعة قراء أحيوا مأتمَي سعد زغلول والملك فؤاد، وكان الوحيد الذي رفض القراءة داخل قصر الملك فاروق رغم ضغوط كبير الياوران، وقد أنفق الصيفي كل ما كسب على أبنائه الذين كان أبرزهم الكاتب والمخرج حسن الصيفي، الذي قدم 150 فيلماً للسينما العربية.

وروى السعدني أيضاً قصة قارئ آخر هو الشيخ القهاوي الذي لم يكن أيضاً بعيداً عن السياسة، حيث كان الصديق المقرب للزعيم السياسي، محجوب ثابت، أحد أنصار الخديوي عباس حلمي الثاني، وأحد قادة الحزب الوطني القديم، وصديق الشاعر أحمد شوقي والشاعر حافظ إبراهيم، وشيخ الأزهر عبدالعزيز البشري، وكان صاحب صالون يسمى «بعكوكة محجوب ثابت»، ومن نوادره أنه كان لا يظهر إلا ليلاً، وأنه كان له فريق من المؤيدين، وفريق من المعارضين في الأحياء الشعبية، وقد تسبّبت اشتباكات وقعت بينهم مرة في نقل 10 مصابين بالإسعاف إلى المستشفى، وقد وُثّقت المشاجرة في محضر شرطي.

الاستخبارات تتابع

ويتطرق «ألحان السماء» إلى متابعة أجهزة المخابرات العالمية لدولة التلاوة، حيث رصدت تقارير المخابرات البريطانية أثناء الحرب العالمية الثانية، أن القارئ الشيخ أحمد السعدني يتعامل مع «المحور»، حيث يذيع تلاوته كل ليلة من محطة برلين الغربية، بعد نشرة الأخبار مباشرة، وقد نقلت هذا التصور إلى رئيس الوزراء المصري وقتها، مصطفى النحاس، الذي استدعى بدوره السعدني، ومن فرط غضبه منه رفض أن يصافحه، لكن السعدني شرح للنحاس أن أصل القصة قيام بعثة من ألمانيا قبل الحرب بزمن لعمل برامج ثقافية واجتماعية، وأغانٍ ومواد أخرى للإذاعة الألمانية التي تبث بالعربية، وكان من ضمن هذه المواد تسجيل 10 ساعات تلاوة للقرآن الكريم بصوته، وهي التي يتم الآن بثها بانتظام.

قصة فريد السنديوني

ويورد «ألحان السماء» أيضاً قصة طريفة عن القارئ الشيخ فريد السنديوني، الذي لمع اسمه في مصر، فاستُقطب بسبب شهرته لإذاعة الشرق الأدنى في فلسطين الانتدابية من قبل السلطات الإنجليزية، ووصل أجره إلى 500 جنيه في الشهر، فلما اشتدت الحرب في فلسطين عام 1947 وأغلقت الإذاعة وتعرض الشيخ للإصابة، شد الرحال ليعود إلى القاهرة، وعندما أراد العمل في إذاعة القاهرة عام 1949 طلبوا منه المرور بامتحان، فاستكثر هذا الأمر على نفسه، فجاراهم بالموافقة، فلما دخل الاستوديو صدح صوته بالغناء وصاح «طالما تريدون أن تختبروا صوتي أنا مستعد للامتحان في الغناء، لكن لا أحد يختبرني في التلاوة»، وخرج من الاستوديو ليؤسس مقهى في شبرا ظل فيه بقية عمره.

أما أبرز من اقترب من القراء من السياسة، فهو القارئ الشيخ محمود علي البنا الذي كان ناصرياً بامتياز، ومؤمناً بسياسات التحرر الوطني في الستينات، وكان حريصاً على تلاوة القرآن الكريم في بيت عبدالناصر طوال شهر رمضان، وبعد هزيمة 1967 اقترح تشكيل وفد من كبار قراء القرآن الكريم، ليطوفوا جميع أنحاء العالم الإسلامي ويقيموا ليالي بها ويجمعوا تبرعات لدعم الجبهة في مصر.

وقد فتح كتاب محمود السعدني عن «دولة التلاوة» الباب أمام مجموعة من الكتب الأخرى، مثل كتاب «عبقرية التلاوة في القرن العشرين» لشكري القاضي، و«الشيخ مصطفى إسماعيل - حياته في ظل القرآن»، لكمال النجمي، و«أشهر من قرأ القرآن في العصر الحديث» لأحمد البلك، و«أصوات من نور» لمحمود الخولي، و«سفراء القرآن الكريم» لأحمد حجاج، وقد رصدت مجموعة من هذه الكتب حياة القراء وسيرتهم بوجه عام، بينما ركزت مجموعة أخرى على تماسهم مع الحياة العامة والسياسية.

أما كتاب «أصوات من نور» فقد كشف عن تفاصيل علاقة القارئ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد بملك المغرب، محمد الخامس، الذي كان يتصل به تليفونياً بشكل دوري، ويحرص على أن يكون عبدالباسط عبدالصمد في انتظاره بالمطار حين قدومه إلى القاهرة، ووصل مدى ارتباط السلطان به إلى أن عرض عليه الإقامة الدائمة في المغرب مع منحه أموالاً ضخمة.

• أبرز من اقترب من القراء من السياسة، هو القارئ الشيخ محمود علي البنا، الذي كان ناصرياً بامتياز، ومؤمناً بسياسات التحرر الوطني في الستينات، وكان حريصاً على تلاوة القرآن الكريم في بيت عبدالناصر طوال شهر رمضان.

• كشف كتاب «أصوات من نور» عن تفاصيل علاقة القارئ الشيخ عبدالباسط عبدالصمد بملك المغرب، محمد الخامس، الذي كان يتصل به تليفونياً بشكل دوري، ويحرص على أن يكون عبدالباسط عبدالصمد في انتظاره بالمطار حين قدومه إلى القاهرة، ووصل مدى ارتباط الملك به إلى أن عرض عليه الإقامة الدائمة في المغرب.

طباعة