مخلّفات الاحتلال حرمته البصر عام 2002 لكنه واصل مشواره بطريقة فريدة

كفيف فلسطيني يحافظ على تراث «القش» من الاندثار

صورة

بدقة عالية، يتحسّس الشاب، عماد سلامة، بكلتا يديه ألواحاً خشبية ذات ثقوب متقاربة، ممسكاً بحزم من القش، ليدخلها داخل تلك الثقوب، مكرراً هذه العملية بوساطة سلك معدني، لينتج في نهاية المطاف جميع أنواع المكانس والأدوات المنزلية، المصنوعة يدوياً من القش.

الشاب عماد سلامة يبلغ من العمر 32 عاماً، من سكان حارة الياسمينة في البلدة القديمة بمدينة نابلس، استطاع بقوة عزيمته وصلابة إرادته أن يهزم مرضه، ويقهر إعاقته، ليحافظ على تراث الأجداد والآباء، رغم أنه فقد بصره وأصيب بالعمى الكلي، جراء إصابته من مخلفات الاحتلال، خلال اجتياحه المدينة عام 2002، حيث كان سلامة يبلغ من العمر آنذاك 12 عاماً.

ويداوم الشاب الكفيف، وهو أب لطفل وطفلة، يومياً داخل ورشة قديمة في بلدته العتيقة، تابعة لجمعية رعاية الكفيف، ليغزل بكلتا يديه مشغولات حِرفية متعددة الأصناف، ومتنوعة الأشكال من القش، الذي بدأ يندثر في ظل انتشار المنتجات الآلية، والابتعاد عن الحِرف اليدوية التراثية.

بداية التغيير

«الإمارات اليوم» التقت الشاب عماد سلامة داخل الورشة الفنية بجمعية رعاية الكفيف في مدينة نابلس، التي مضى على تأسيسها 66 عاماً، حيث كان مندمجاً في إنتاج مكانس القش بحرفية عالية، معتمداً على يديه، وخبرته المكتسبة على مدار الأعوام الماضية.

ويسرد الشاب سلامة حادثة إصابته التي غيرت مجرى حياته بشكل كامل، حيث يقول: «في 16 أبريل عام 2002، خرجت أنا وأصدقائي لتنظيف شوارع بلدتنا من مخلفات الاحتلال، عقب انسحاب قواته بعد اجتياح عسكري لمدينة نابلس، وأثناء ذلك انفجرت قنبلة وتسببت في إصابتنا جميعاً».

ويضيف: «كانت آخر صورة أشاهدها في حياتي، قبل أن أفقد بصري، مشهد الانفجار الكبير الذي تسبب في أقسى مأساة واجهتها طوال عمري، فعلى إثر ذلك أصبت بالعمي الكلي، رغم إجراء العديد من العمليات الجراحية في عشرات المستشفيات داخل فلسطين وخارجها، إلى جانب شظايا القنابل المتفجرة التي مازالت تستقر في جسدي لعدم نجاح استخراجها».

وبفعل شدة الأوجاع الجسدية والمعنوية الناجمة عن إصابة الشاب سلامة، كان من الصعب في بداية الأمر تقبله الحالة التي أصبح عليها في ليلة وضحاها، جراء إصابته بفقدان البصر بالكامل، ولكن مع مرور الوقت تأقلم مع حالته الصحية، وتمكن من تجاوز محنته بطريقة فريدة من نوعها.

ويضيف: «رغم بشاعة الإصابة التي جعلتني كفيفاً، إلا أنني قررت مواصلة حياتي، متغلباً على كل الأوجاع، ومتجاوزاً جميع العقبات التي اعترضت طريق مشوار الإرادة والتحدي، فالإصابة وإن حرمتني البصر، لم تعدم في نفسي روح البصيرة، ومن هنا كانت بداية التغيير إلى الأفضل».

الحفاظ على التراث

التحق الشاب عماد بالعمل في مهنة القش داخل جمعية رعاية الكفيف، عام 2009، ففيها عرف صناعات القش اليدوية بمختلف أنواعها، ليصبح حرفياً ماهراً في هذه المهنة التراثية، إلى جانب تعلم لغة «برايل»، ليصبح معلماً لها للأجيال اللاحقة.

ويقول سلامة: «في جمعية رعاية الكفيف تعلمت صناعات القش من أحد الأعضاء فيها، وأتقنت هذه المهنة بأسرع وقت ممكن، وأصبحت محترفاً في إنتاج جميع أنواع المنتجات اليدوية التراثية المصنوعة من القش».

ويضيف: «إن المنتجات التي ننتجها من القش جزء من تراث وطننا الفلسطيني، ويكمن دورنا هنا في الحفاظ على إرث الماضي، ليبقى حاضراً في الأجيال المقبلة».

ويبين أن ورشة جمعية رعاية الكفيف الفنية، تنتج مكانس التنظيف بأنواعها المختلفة، للسجاد والبلاط، والدهان، كما تصنع مكانس الشوارع، وكراسي القش التراثية.

ويواصل الشاب الكفيف حديثه قائلاً: «إن مهنة إنتاج المنتجات التقليدية اليدوية من القش مصدر رزق دائم يمكنني من توفير ما أحتاج إليه أنا وأسرتي، فلم أجد مهنة مناسبة لظروفي الصحية أكثر من هذه، إلى جانب الحفاظ على تراث وطننا وأجدادنا، من خلال المداومة على إنتاج الصناعات والمشغولات اليدوية من القش، التي اعتاد استخدامها الأجداد والآباء».

ويشير إلى أنه تعلم داخل الجمعية جميع برامج الحاسوب المختلفة، إلى جانب إتقان مهنة الصيانة البرمجية للهواتف النقالة وأجهزة الحاسوب، كما يعد أحد لاعبي منتخب «كرة الهدف» الفلسطيني لذوي الإعاقة البصرية، حيث واجه في صفوفه منتخبات عربية، منها الجزائر، والسعودية، ومصر، والأردن.

أكفاء يبصرون

الشاب سلامة ليس وحده من يحافظ على مهنة القش التراثية، من خلال المنتجات التي ينتجها يدوياً داخل جمعية رعاية الكفيف، حيث يعمل إلى جانبه عشرات الشبان والفتيات، الذين تبلغ نسبة العجز في البصر لديهم 80% فأكثر.

من بين هؤلاء ثلاثة أشقاء من عائلة الكوني، جميعهم من الأشخاص ذوي الإعاقة البصرية، يداومون بشكل يومي لإنتاج مشغولات القش اليدوية التراثية، بعد أن أتقنوا في السابق تعلم لغة «برايل»، والكتابة على الآلة الخاصة بها، وهم: فهد، ونسرين، ونيرمين.

فعلى الرغم من فقدانهم نعمة البصر، إلا أنهم بإرادتهم الصلبة وبصيرتهم المتينة يحافظون على مهنة القش من الاندثار، التي تعد جزءاً من التراث الفلسطيني الأصيل، حيث يحولون بأيديهم القش إلى أدوات يحتاج إليها كل منزل فلسطيني.

ويوضح الشاب الكفيف أن مشغولات القش اليدوية، التي ينتجها هو ورفاقه داخل جمعية رعاية الكفيف، تحظى بإقبال المواطنين القاطنين في أحياء وأزقة نابلس العتيقة، الذين يرغبون في شراء هذه المنتجات التراثية، التي اعتادوا استخدامها على مدار عشرات السنين الماضية.


عماد سلامة:

- كانت آخر صورة أشاهدها في حياتي، قبل أن أفقد بصري، مشهد الانفجار الكبير الذي تسبّب في أقسى مأساة واجهتها طوال عمري.

- مهنة إنتاج المنتجات التقليدية اليدوية

من القش، هي مصدر رزق دائم يمكّنني

من توفير ما أحتاج إليه

أنا وأسرتي.

طباعة