تعرض آباؤهم للعمل القسري في عهد ستالين

أبناء المنفيين في «الغولاغ» يناضلون لاستعادة أملاكهم المُصادرة

صورة

تعرض الملايين من المواطنين السوفييت للنفي، والعمل القسري في شبكة من معسكرات الاعتقال الواسعة، تحت حكم الرئيس السوفييتي السابق، جوزيف ستالين، بسبب جرائم حقيقية وملفقة، وبسبب معارضتهم حكمه، وكعقاب لهم على الانتماء إلى مجموعات عرقية «غير جديرة بالثقة»، مثل الألمان، كما كانت تعتقد الحكومات السوفييتية.

وظلت المواطنة الروسية، أليسا مايسنر، تدفع حتى يومنا هذا ثمن قرار الاتحاد السوفييتي نفي عائلتها بأكملها من موسكو بسبب تراثهم الألماني. ولاتزال تعيش في بلدة على بعد 30 ميلاً فقط من قرية «غولاغ»، حيث تم إرسال عائلتها إلى معسكرات الاعتقال في الأربعينات بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية. ورغم إعادة تأهيل عائلتها المنفية، وإدانة ستالين، وانهيار الاتحاد السوفييتي، فإنها لم تتمكن من مغادرة تلك المنطقة.

وتقول خلال مقابلة من هذه البلدة الصغيرة في منطقة كيروف، على بعد 600 ميل شرق موسكو: «ظللت أعيش عقوبة بالسجن مدى الحياة». وتضيف: «ماتت والدتي هنا، فقد تم نفيها ولم تتمكن من العودة، وأنا أتقدم في السن، لكنني أريد أن أعيش، وأريد أن أعيش في موسكو».

معركة تشريعية

وتتابع الآن، هي و1500 من نسل المنفيين الآخرين تحت حكم ستالين (أبناء الغولاغ)، عن كثب، معركة تشريعية يمكن أن تقرر ما إذا كانوا سيحصلون على بعض التعويضات الصغيرة عن الأرواح التي سلبها منهم العهد السوفييتي أم لا.

وفي حالة مايسنر، فإن ذلك يعني شقة في العاصمة الروسية كان يملكها أهلها، قبل الثورة الروسية، وصيدلية شهيرة تضم الآن متجراً لبيع الكريستال، ومطعماً فرنسياً. إنه عبارة عن صراع استمر لمدة 30 عاماً، وكشف عن الخلل البيروقراطي والتباطؤ السياسي، حيث بلغ عدد الذين ينتظرون استعادة حقوق أهاليهم سن الـ70. وتقول: «إنهم جميعاً، أي الحكومة، يفكرون في أننا تقدمنا في السن، وينتظرون أن نختفي من على وجه الأرض». وتضيف: «لكننا نريد أن نعيش، وسنعيش لنبغض الجميع».

وكان هناك أمل ضئيل لأبناء سجناء «الغولاغ»، إلا أنهم استطاعوا أن يفوزوا في قضية نظرتها محكمة دستورية عام 2019، التي أصدرت قراراً مفاجئاً، من شأنه أن يساعدهم في تسريع تقديم طلبات الإسكان. لكن هذا الانتصار يمكن أن يقوضه تشريع جديد قد يضعهم في طوابير لعقود طويلة من أجل الإسكان، ويحول العبء المالي بعيداً عن الميزانية الفيدرالية الروسية.

وقدمت منظمة ميموريال غير الحكومية، وهي منظمة لحقوق الإنسان تبحث في الجرائم التي ارتكبت في ظل الاتحاد السوفييتي، ونشطاء مدنيون قدموا تشريعات بديلة، يقولون إن من شانها أن تساعد على تسوية هذه المشكلات. ومن المرجح أن يتخذ مجلس النواب الروسي قراراً، الشهر المقبل، في هذا الشان.

ويقول المحامي، الذي مثل مايسنر وغيرها من الذين رفعوا مظلمتهم أمام المحكمة الدستورية، غريغوري فايبان، إن العديد من السياسيين لا يريدون مناقشة المشكلات التي تواجه ضحايا القمع السوفييتي. ويضيف فايبان: «القمع السوفييتي موضوع محرج، بالنسبة للحكومة الروسية الحالية». ويقول، أيضاً، إن الأشخاص الذين هم في السلطة بالوقت الحالي في روسيا، يريدون التأكيد على نجاحات وإنجازات الحقبة السوفييتية. ولا يريدون الحديث عن اللحظات الأكثر قتامة في التاريخ الروسي بالقرن العشرين.

ويقول مدير متحف «غولاغ» التاريخي في موسكو، رومان رومانوف، والذي توسع بشكل كبير في السنوات الأخيرة، إنه تم إحراز تقدم في الاعتراف بالقمع في ظل حكم ستالين، لكن البيروقراطية لاتزال أحد الأسباب الرئيسة لتأخير تقديم المساعدة لضحاياه. ويضيف: «توقف تلك القضايا يدل على ما نحن عليه الآن». ويوضح: «يقول النواب إنها مشكلة اقتصادية، لكن لا توجد رغبة موحدة لتسوية هذه القضية».

وفي عام 1941، بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، تم نفي عائلة مايسنر إلى كازاخستان، حيث توفي جدها بعد عام من ذلك. وتم إرسال والدتها إلى منطقة كيروف الروسية عام 1943، للعمل في إحدى البلدات لقطع الأشجار. وفي ما بعد عام 1949، تم نقلهم جميعاً إلى بلدة أوزمجوفو في المنطقة نفسها.

وتقول عن المدينة التي ولدت فيها عام 1950: «كان هناك مركز شرطة، حيث كان عليهم أن يسجلوا حضورهم باستمرار، وكان هناك الكثير من المنفيين، ولم يكن هناك أي مكان يستحق العيش فيه».

وحصلت مايسنر، عام 1954، على إذن عندما كان عمرها أربع سنوات لمغادرة أوزمجوفو، وسُمح لوالدتها بالمغادرة عام 1956. لكنهم لم ينجحوا أبداً في الانتقال، لأن والدها كان الحداد الوحيد في المدينة، ولم تسمح له السلطات السوفييتية بالمغادرة.

وتوفي والدها في أوزمجوفو عام 1977، وتوفيت والدتها هناك عام 1988، حيث تحولت البلدة ومزرعتها الجماعية إلى مدينة أشباح، بالكاد يمكن الوصول إليها عن طريق البر. وتقول: «الأشخاص الوحيدون، الذين بقوا هناك، هم أولئك الذين لا يستطيعون المغادرة».

وظل أحفاد الناجين من معسكرات الاعتقال محاصرين في البلدات والقرى، بانتظار الدعم من الحكومة. وسعى النشطاء إلى ترويج قصص أطفال «الغولاغ»، بما في ذلك مشروع خاص يسمى «العودة للديار»، برعاية منظمة ميموريال غير الحكومية.

اهتمام الرأي العام

الاهتمام الذي حظيت به هذه القضية من الشخصيات العامة، مثل يوري دود، أحد أشهر الصحافيين الشباب في روسيا، استقطب الرأي العام مرة أخرى بشأن القمع في ظل الاتحاد السوفييتي. وأصدر دود، العام الماضي، مقطع فيديو عن معسكرات «الغولاغ» في كوليما، بعنوان: «مسقط رأس خوفنا»، استطاع أن يستقطب أكثر من 24 مليون مشاهدة.

وفي الوقت نفسه، يقول رومانوف إنه كان هناك تراجع في الاهتمام بالقمع بين الشباب الروس، حيث أشارت استطلاعات الرأي إلى دعم متجدد لستالين، كشخصية إيجابية في تاريخ روسيا. ويقول: «هذا فصل صادم، قد يستغرق عقوداً عدة حتى يناهضه الروس».

وتمكنت مايسنر وزوجها من مغادرة أوزمجوفو، والانتقال إلى بلدة مجاورة أواخر الثمانينات. وتقول إنها كانت تذهب إلى موسكو من حين لآخر، لتزور الشقة التي كانت عائلتها تمتلكها، ولكن لم يُسمح لها بالدخول، كما لم يسمح لها بزيارة مقبرة ألمانية حيث دفنت جدتها وأقاربها من عائلة فيرين الشهيرة. كما أن المستندات التي تؤكد أنه تم إبعادها هي وعائلتها «لا تعني شيئاً، بل تحصل فقط على خصم 50% من إيجار المرافق»، كما تقول. لكنها تقول إنه حتى في سن الـ70، هي مستعدة للانتقال إلى منزلها في أسرع وقت ممكن. وتقول: «أتوقع أننا سنفوز، لا أريد أن يضيع كل جهدنا سدى».


ما «الغولاغ»

«الغولاغ» عبارة عن نظام معسكرات للسخرة، نشأ خلال فترة حكم الديكتاتور السوفييتي، جوزيف ستالين. وكلمة «غولاغ» هي اختصار لعبارة إدارة المعسكر الرئيس. وتعني السجون السيئة السمعة، التي احتجز داخلها نحو 18 مليون شخص على مدار تاريخها، وظلت موجودة منذ عشرينات القرن الماضي حتى بعد وقت قصير من وفاة ستالين عام 1953. وفي أَوْجها، ضمت شبكة «الغولاغ» مئات من معسكرات العمل، حيث كان يوجد في كل معسكر من 2000 إلى 10 آلاف شخص. وكانت الظروف في «الغولاغ» قاسية، حيث يذعن السجناء للعمل لمدة تصل إلى 14 ساعة في اليوم، وغالباً في ظروف طقس قاسية. ومات الكثيرون منهم بسبب الجوع، أو المرض، أو الإرهاق، وأُعدم آخرون ببساطة.

وعندما توفي فلاديمير لينين، الذي تولى السلطة في الاتحاد السوفييتي عام 1917، بسكتة دماغية عام 1924، شق ستالين طريقه إلى السلطة، وأصبح ديكتاتوراً. وأنشأ معسكر «الغولاغ» لأول مرة عام 1919. وبحلول عام 1921، كان نظام «الغولاغ» يضم 84 معسكراً. ومنذ عام 1929 حتى وفاة ستالين، مر «الغولاغ» بفترة من التوسع السريع. واعتبر ستالين المعسكرات وسيلة فعالة لتعزيز التصنيع في الاتحاد السوفييتي، والوصول إلى الموارد الطبيعية القيمة، مثل: الأخشاب، والفحم، والمعادن الأخرى.

بدايات ستالين

ولد جوزيف ستالين في 18 ديسمبر 1879 بمدينة جوري، في جورجيا بالإمبراطورية الروسية، واسمه بالكامل جوزيف فيساريونوفيتش دجوغاشفيلي، ولقبه رفاقه باسم ستالين (الرجل الفولاذي)، باللغة الروسية. واستطاع إدارة الحرب التي ساعدت في هزيمة النازية، وتسبب نظامه الترهيبي في مقتل ومعاناة عشرات الملايين.

وكانت والدته تعمل في غسيل الملابس، ووالده إسكافياً. وأصيب بالجدري وهو في السابعة من عمره، فترك ثقوباً على وجهه، وشوه ذراعه اليسرى قليلاً. وكان يتعرض للمضايقات من قبل الأطفال الآخرين، ويشعر بالحاجة المستمرة لإثبات نفسه. وعندما أصبح شاباً انشغل فكره بالفلكلور الرومانسي في جورجيا، والتقاليد المعادية لروسيا.

كانت والدته تريده أن يكون كاهناً، فأرسلته عام 1895 للدراسة في تبليسي، العاصمة الجورجية. لكنه تمرد، وبدلاً من دراسة الكتاب المقدس ظل يقرأ الكتابات السرية لكارل ماركس، وانضم أخيراً إلى مجموعة اشتراكية محلية، وكرس الكثير من وقته للحركة الثورية ضد الملكية الروسية، وبدأ يفقد الاهتمام بدراساته. وتعارض ذلك مع رغبات والدته، فأصبح ملحداً وتجادل كثيراً مع الكهنة. وفي عام 1899، تم طرده من المدرسة الدينية بعد فشله في حضور امتحاناته.

وأثناء عمله كموظف في مركز الأرصاد الجوية، واصل أنشطته الثورية، وتنظيم الإضرابات والاحتجاجات. وأصبحت أنشطته معروفة للشرطة السرية القيصرية، فاضطر للعمل تحت الأرض. انضم إلى الحزب البلشفي، وقاد حرب العصابات لأول مرة في الثورة الروسية عام 1905. وكان أول لقاء له مع لينين بمؤتمر حزبي في فنلندا. وأُعجب لينين بهذا «العنصر السري الذي لا يرحم». وفي عام 1907، سرق 250 ألف روبل (نحو 3.4 ملايين دولار أميركي) في عملية سطو على بنك في تبليسي، للمساعدة في تمويل القضية.

تزوج زوجته الأولى كتيفيان سفانيدز عام 1906. وهي تنحدر من عائلة فقيرة من النبلاء الصغار. وأنجبت ابنهما ياكوف دجوغاشفيلي في العام التالي، بعد السطو على البنك هرب مع عائلته من القوات القيصرية إلى باكو في أذربيجان. وعندما ماتت كتيفيان بسبب «التيفويد» عام 1907، شعر بالحزن، وترك ابنه لوالدَيْ زوجته ليهتما به، وتفرغ للعمل الثوري. وتم القبض عليه مرات عدة، ونفي إلى سيبيريا عام 1910.


• كان هناك أمل ضئيل لأبناء سجناء «الغولاغ»، إلا أنهم استطاعوا أن يفوزوا في قضية نظرتها محكمة دستورية عام 2019، والتي أصدرت قراراً مفاجئاً، من شأنه أن يساعدهم في تسريع تقديم طلبات الإسكان.

طباعة