سخرتهن اليابان لأغراضها في الحرب العالمية الثانية

ناجيات من العمل القسري يطالبن باسترداد حقوقهن الأدبية والمادية

صورة

عام 1944، تعرضت فتاة كورية تبلغ من العمر 15 عاماً للخداع، بعد أن تلقت وعداً بتعليم وحياة أفضل في اليابان، لينتهي بها الأمر للعمل في مصنع ذخيرة مع اقتراب الحرب العالمية الثانية من نهايتها. وتنتظر هذه المرأة، الآن، اعتذاراً حقيقياً من الحكومة اليابانية.

كانت يانغ قائدة لفصلها في المدرسة، وكانت متفوقة في ألعاب القوى والأكاديميات. واستقطبت إنجازاتها هذه الاهتمام من أحد المسؤولين اليابانيين، الذين قدموا لها فرصة لبناء مستقبل أفضل في اليابان، ولم تكن عائلتها المتواضعة تستطيع تحقيقه لها. وتتذكر يانغ: «قال المدير الياباني إن بإمكاني الذهاب إلى المدرسة الإعدادية في اليابان، لكن والدي اعتقد أنه يكذب ولن يسمح لي بالذهاب معه، لكنني تسللت لأسافر إلى اليابان، وبمجرد وصولي إلى هناك، لم أرَ باب مدرسة مطلقاً، لكن تم اصطحابي مباشرة لشركة ميتشوبيسي إندستريز، وبدلاً من تحقيق رغبتي في أن أكون معلمة خضعت لعمل قاسٍ». وعملت يانغ بمصنع ميتسوبيشي في ناغويا، من يونيو 1944 إلى أكتوبر 1945.

عبودية

بين عامَيْ: 1937 و1945، سخرت اليابان في أراضيها الملايين من مواطني مستعمراتها بآسيا، ومن كان موجوداً منهم بالفعل في اليابان أيضاً، وتشير التقديرات إلى أن أكثر من 500 ألف كوري جنوبي عملوا بالسخرة في اليابان أثناء الحرب. ووفقاً للمؤرخ بجامعة ييل جي. آر روميل، توفي 60 ألف كوري، أثناء خدمتهم كعمال قسريين في اليابان، وكان سوء التغذية السبب الرئيس.

وفي أحدث سيرة ذاتية لها، تصف يانغ تجربتها: «توقظنا الأجراس عند الساعة السادسة صباحاً، ثم نذهب إلى المعسكر للعمل، لمدة ثماني أو 10 ساعات، وأجبروني على طلاء الطائرات، لم يكونوا يوفرون لنا سلالم، لذلك كنت أقف على ألواح عريضة، وكان دلو الطلاء ثقيلاً جداً بالنسبة لي، وحتى يومنا هذا لاتزال إحدى كتفيّ تؤلمني». وتسترسل يانغ: «نتناول الغداء في الظهيرة، حيث يحصل كل واحد منا على كرة واحدة من الأرز، لا تسمن ولا تغني من جوع، وكنا نعود إلى العمل ونحن جوعى دائماً»، مضيفة أن بعض صديقاتها في المدرسة، واللاتي هربن معها، تضورن جوعاً في ناغويا.

وعانت يانغ، أيضاً، خلال القصف الأميركي للمدن اليابانية. وتقول عن ذلك: «في بعض الأحيان، لم نكن نتمكن من النوم بسبب القصف، ونضطر لقضاء الليل كله في ملجأ الغارات الجوية، وحتى عندما نخرج، كان لايزال بإمكاننا سماع أصوات القنابل مراراً وتكراراً، وكان علينا بعد ذلك العودة إلى العمل في الصباح».

العودة إلى كوريا

بعد انتهاء الحرب، عادت يانغ إلى كوريا الجنوبية، وتعرضت في البداية للتمييز، واتهمها مواطنوها بأنها رقيق أبيض، ذهبت إلى هناك لكسب المال عن طريق بيع جسدها للجنود اليابانيين. وفي النهاية، استطاعت يانغ أن تؤسس حياتها في كوريا الجنوبية، وتزوجت، ورزقت بثلاثة أطفال، وتدير محلها الخاص لبيع الأسماك المجففة في سوق القرية، لكن تجربتها في اليابان كانت تؤلمها، وتقض مضجعها دائماً.

وترفض يانغ، ونساء أخريات على قيد الحياة، التخلي عن حقوقهن الأدبية، ونظمن حملات من أجل أن تقدم لهن اليابان اعتذاراً صادقاً، وتعوضهن مباشرة عما قاسينه من مهانة. وأمرت المحكمة العليا بكوريا الجنوبية، في 2018، ميتسوبيشي بدفع ما يقرب من 90 ألف دولار (74 ألفاً و800 يورو) لها ولأربع نساء أخريات. لكن حتى الآن، لم يتسلمن أية أموال، والآن يستهدف نشطاء حقوق الإنسان أصول ميتسوبيشي في كوريا الجنوبية.

جروح الماضي لم تندمل

لطالما أصرت اليابان على أنها تعاملت مع هذه القضايا بشكل مناسب، في الماضي. وكانت الحالة الأولى معاهدة التطبيع لعام 1965، التي تضمنت دفع 500 مليون دولار، كتعويضات للماضي المظلم لليابان في كوريا. وأعلنت اليابان، منذ ذلك الحين، أن جميع المطالبات تمت تسويتها «بشكل كامل ونهائي». وفي أوقات مختلفة، يعتذر القادة السياسيون اليابانيون عما اقترفته بلادهم من مظالم حيال مواطني الدول التي استعمرتها في الماضي. لكن تلك الاتفاقيات لم تغطِ قضية يانغ، التي تبلغ الآن من العمر 92 عاماً، والتي قالت إنها لاتزال تنتظر اعتذاراً صادقاً من اليابان.

المزيد من الدعاوى القضائية

منذ الحكم الصادر في 2018 بقضية يانغ، أقام العشرات من ضحايا العمل الجبري الكوري الجنوبي وعائلاتهم دعاوى قضائية ضد الشركات اليابانية. بالنسبة لهم، لا يبدو أن الاتفاقات المبرمة بين الدولتين وقادتها السياسيين تعني لهم الكثير. وبالنسبة إلى يانغ، التي انتصرت في دعواها بالفعل، فإن التعويض المالي الذي مازالت تنتظره ليس هو الهدف حقاً. تقول: «المال لم يعد مهماً، لكن المهم هو ما تعرضت له من مهانة وإذلال، إذ لم يَرَ اليابانيون الكوريين كبشر، وعلى الرغم من أنهم قالوا إنهم سيدفعون لنا رواتبنا، فأنا لا أريدها، أنا متقدمة في السن الآن، أريد فقط أن أسمع اعتذارهم قبل أن أموت».

إصرار على عدم الاعتذار

في أوائل العقد الأول من القرن الحالي، زار رئيس الوزراء الياباني آنذاك، جونيشيرو كويزومي، ضريح ياسوكوني الحربي مراراً وتكراراً، حيث دُفن 14 من مجرمي الحرب من الدرجة الأولى، ما أثار الغضب في كوريا الجنوبية. وفي وقت لاحق، شكك رئيس الوزراء السابق، شينزو آبي، عندما كان رئيساً للحكومة اليابانية بين عامَيْ: 2012 و2020، في صحة اعتذار سابق، مشيراً إلى أن نساء المتعة، وغيرهن من النساء العاملات، لم يتم إكراههن، ما أثار المشاعر المعادية لليابان في كوريا الجنوبية.

وبالنسبة للقيادة اليابانية، فإن إصرار كوريا الجنوبية على نبش الماضي يسبب لها ذعراً كبيراً. يقول أستاذ الاقتصاد والتاريخ في كلية الدراسات العليا بجامعة كيو، توموهيكو تانيجوتشي: «تم حل جميع مطالب الجانب الكوري الجنوبي، بشكل لا رجعة فيه». ويضيف كاتب خطابات السياسة الخارجية السابق لرئيس الوزراء آبي: «لا يمكننا فتح هذا الباب بمجرد إغلاقه، لكن كوريا الجنوبية تواصل محاولة فتح الباب مرة كل خمس أو 10 أو 15 عاماً، إنها تقريباً تمارس هواية وطنية».

اعتذار وتعويض

عام 1965، قبلت الحكومة الديكتاتورية العسكرية في كوريا الجنوبية اعتذاراً، وتعويضاً من اليابان عن فظائعها في زمن الحرب. وأنفقت الحكومة تلك الأموال على البنية التحتية الوطنية والتنمية الاقتصادية. وأسست شركة بوهانغ للصلب، وغيرها من الشركات الصناعية العملاقة في كوريا الجنوبية، والتي مكنتها من النهوض الملحوظ كنمر اقتصادي آسيوي.

تحريف التاريخ

أثارت أقدم صحيفة يابانية باللغة الإنجليزية (ذي جابان تايمز)، الغضب لدى المهتمين بحقوق الإنسان، وتعرضت لمزاعم تتهمها بتحريف التاريخ، بعد إعلانها أنها لن تستخدم مصطلح «نساء المتعة»، لوصف النساء اللاتي أجبرن على الخدمة في بيوت الدعارة بالخطوط الأمامية للجيش الياباني، خلال الحرب العالمية الثانية. وقالت الصحيفة، أيضاً، إنها أسقطت عبارة «عمال السخرة» لمئات الآلاف، الذين تم توظيفهم في ظروف مروعة في كثير من الأحيان أثناء الصراع.

وقالت الصحيفة، في 30 نوفمبر 2018، في مقال إن مصطلحَيْ: «نساء المتعة»، و«العمل القسري»، من المحتمل أن يكونا «مضللين». وزعمت أن «ظروف العمال، الذين عملوا في تلك الفترة»، وكيفية تجنيدهم «متباينة»، ولهذا السبب قررت الإشارة إليهم من الآن فصاعداً باسم «عمال الحرب».

وأضافت الصحيفة أن تعريف «نساء المتعة» كان يُفهم في السابق على أنه يشير إلى النساء اللائي أجبرن على ممارسة الجنس مع القوات اليابانية، قبل وأثناء الحرب العالمية الثانية، لكن هذا تم تغييره. وتضيف: «نظراً لتنوع تجارب نساء المتعة في مختلف المجالات، طوال فترة الحرب على نطاق واسع، فبدءاً من اليوم سنشير إلى (نساء المتعة) على أنهن نساء عملن في بيوت الدعارة في زمن الحرب، بما في ذلك أولئك اللاتي فعلن ذلك ضد إرادتهن».

وظهر هذا المقال في الصحيفة أسفل موضوع حول حكم صادر عن المحكمة العليا في كوريا الجنوبية، في 29 نوفمبر 2018، يقضي بأن تدفع شركة ميتسوبيشي تعويضات لمجموعة من الكوريين، الذين أجبروا على العمل في مصانع الذخائر، وأحواض بناء السفن التابعة للشركة أثناء الحرب.

ووصفت مديرة مؤسسة إيشيا بولسي بوينت، ميندي كوتلر، وهي مؤسسة مدافعة عن حقوق أسرى الحرب السابقين من الحلفاء، والذين أُجبر العديد منهم، أيضاً، على العمل في المصانع اليابانية، أن تغيير الصحيفة سياستها التحريرية، وصفته بأنه «استسلام دراماتيكي» لرئيس الوزراء آنذاك، جونشيرو كيوزومي، «وجهود العلاقات العامة التي يبذلها شينزو آبي لإعادة كتابة التاريخ»، التي تناسب أجندته السياسية.

«نساء المتعة» لرفع الروح المعنوية للجنود اليابانيين

تختلف التقديرات على نطاق واسع، لكن الخبراء يقولون إن ما بين 30 إلى 200 ألف امرأة كورية، أجبرن على ممارسة الدعارة أثناء احتلال اليابان شبه الجزيرة الكورية. وتم إحضار معظمهن إلى مواقع تعرف باسم «محطات الراحة» العسكرية، كما تم جلب العديد من النساء الأخريات من الأراضي التي تحتلها اليابان في العصر الحديث، مثل: ميانمار، وتايلاند، وفيتنام، وماليزيا، والصين، ومنغوليا، وتايوان، وإندونيسيا، وتيمور الشرقية، وبابوا غينيا الجديدة.

وكان يطلق على النساء تعبير ملطف «نساء المتعة»، لأنهن كن يوفرن «الراحة» للجنود البعيدين عن منازلهم لرفع معنوياتهم القتالية. إلا أن تقرير حقوق الإنسان، الصادر عن الأمم المتحدة عام 1996، توصل إلى نتيجة مختلفة، عندما أقر بأن هؤلاء النسوة كن «في حكم الأرقاء»، لكن اليابان تعترض على هذه النتيجة. ولم تتناول اتفاقية التعويض، المبرمة عام 2015 بين اليابان وكوريا الجنوبية، مسألة ما إذا كان إكراه النساء هو سياسة اتبعتها اليابان الإمبراطورية؛ وظلت القضية موضع خلاف بين البلدين.

ويوجد، حتى مارس 2020، نحو 18 من الناجيات من كوريا الجنوبية، واللاتي لايزلن على قيد الحياة. وتشكك اليابان في فرضية أن النساء تم اعتقالهن أو اختطافهن بشكل منهجي من قبل ممثلي الجيش، في حين أن هناك العديد من المحافظين في اليابان، الذين يقولون إنهن كن مجرد مومسات عملن نظير أجر جيد.

وفي محاولة لتسوية القضية بأكملها وبناء علاقة بناءة وتطلعية أكثر إلى المستقبل مع كوريا الجنوبية، وافقت اليابان على تقديم مليار ين ياباني (8.09 ملايين يورو) إلى مؤسسة كورية جنوبية، تقوم بعد ذلك بصرف الأموال لمن لايزلن على قيد الحياة. وبموجب شروط الاتفاقية، ستتوقف كلتا الحكومتين عن انتقاد إحداهما الأخرى بشأن هذه القضية في منتديات مثل الأمم المتحدة، وستتعاونان في مشروعات تهدف إلى «استعادة سمعة وكرامة» نساء المتعة السابقات، من أجل علاجهن من الجروح النفسية.

وبينما يتمسك الجانبان بوعودهما بشأن مكونات الاتفاقية، تفاقمت المشكلة بشكل كبير بسبب الاضطرابات السياسية، التي اجتاحت كوريا الجنوبية بسبب مزاعم بالفساد، واستغلال النفوذ من قبل حكومة الرئيسة السابقة، بارك كون هي. ومن المزاعم الموجهة إلى بارك أنها خانت نساء المتعة، من خلال توقيع الاتفاقية مع اليابان، وفشلها في بذل المزيد من الجهد لانتزاع اعتذار من طوكيو. وللتأكيد على عمق الشعور تجاه هذه القضية، أضرم راهب بوذي النار في نفسه في سيؤول، احتجاجاً على خطة التسوية. وفي دفتر ملاحظات تم العثور عليه في مكان قريب، وصف الراهب (الذي لم يتم ذكر اسمه) بارك بأنها «خائنة».


بين عامَيْ: 1937 و1945، سخرت اليابان في أراضيها الملايين من مواطني مستعمراتها بآسيا، ومن كان موجوداً منهم بالفعل في اليابان أيضاً.

طباعة