ولدت في حي المغاربة لأم مقدسية وعاصرت نكسة 1967

عائشة المصلوحي.. مغربية تحرس حائط البراق منذ 54 عاماً

صورة

في الجهة الجنوبية الغربية للمسجد الأقصى المبارك، جنوب حائط البراق، تتوسط غرفة صغيرة يعود عمرها إلى مئات السنين، تحتضن حجارتها الأثرية الأزقة الضيقة المجاورة لباب المغاربة، أحد أهم الأبواب الرئيسة المغلقة للأقصى، وفي زوايا هذه الغرفة ترابط المقدسية عائشة المصلوحي المغربي من أصول مغربية، في الحرم القدسي منذ 54 عاماً.

وتقع غرفة عائشة المصلوحي (أم سمير) في زاوية سيدي أبومدين الغوث الجزائري، المشهورة بزاوية المغاربة، إذ تطل نوافذها مباشرة على حائط البراق، وما تبقى من حي وباب المغاربة، والمصلى القبلي في المسجد الأقصى المبارك، وهي ضمن 10 عائلات من دول المغرب العربي، بقيت في الحرم القدسي حتى يومنا هذا.

وبجوارها للأماكن المقدسة، تعد (أم سمير المصلوحي - 75 عاماً)، المنحدرة أصولها من بلدة تامصلوحت القريبة من مدينة مراكش في المملكة المغربية، أقدم مغربية تحرس المسجد الأقصى المبارك، وحائط البراق الملاصق لباب المغاربة، رغم سيطرة الاحتلال عليهما منذ عام 1967.

أصول متجذرة

ولدت عائشة المصلوحي في حي المغاربة بمدينة القدس الشريف سنة 1946، لوالد مغربي وأم مقدسية، وبين جدرانه العتيقة عاشت طفولتها ومراحل عمرها، وكبرت، وعاصرت جميع الأحداث في المسجد الأقصى ومدينة القدس، وجميع النكبات التي لحقت بالمدينة المقدسة، منذ احتلالها في عام 1967.

وتقول المقدسية المغربية وهي تتوسط غرفتها، مرتدية الزي المغربي التراثي (القفطان والجلابية)، والذي مازالت تحافظ على اقتنائه حتى اليوم: «إن عائلة والدي كانت تقطن في حي المغاربة غرب المسجد الأقصى، إلى جانب 135 عائلة حضرت من دول المغرب العربي إلى مدينة القدس قبل مئات السنين، حيث كان المغاربة يقصدونها بوفود كبيرة، وبشكل دائم في مواسم الحج، للصلاة في أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وطلباً للعلم، والجهاد في سبيل الله، نصرة للمدينة المقدسة في عهد صلاح الدين الأيوبي».

وتضيف الحاجة المصلوحي في حديث خاص مع «الإمارات اليوم»، مستذكرة مراحل عمرها في حي المغاربة: «والدي عمل حارساً للمسجد الأقصى المبارك وباحاته على مدار 42 عاماً، وشقيقي عمل أيضاً حارساً من بعده، وكان لي 10 أشقاء، جميعنا ولدنا وكبرنا في حي المغاربة، وتربينا على حب القدس والأقصى، حيث كانت أمي تحضرنا بشكل دائم لزيارة باحات الحرم والصلاة فيه».

وتعتز المصلوحي بأصولها المغربية المتجذرة، رغم ولادتها وقضاء جميع مراحل حياتها في أكناف بيت المقدس، مضيفة «من أنكر أصله فلا أصل له، وأفتخر بأن جذوري من المملكة المغربية، وفي الوقت ذاته أنا مقدسية فلسطينية، ولدت وكبرت وتزوجت في مدينة القدس الشريف، وبجوار المسجد الأقصى المبارك».

تهجير وعودة

رغم صغر غرفتها، إلا أن عائشة المصلوحي بقيت بداخلها مرابطة في الأقصى، وحارسة لمقدساته، فيما تذكرها كل زاوية من زوايا الغرفة الضيقة، بحي المغاربة، وعائلاته التي نزحت منه عقب احتلال مدينة القدس الشريف عام 1967.

وتشير (أم سمير المصلوحي) إلى أن زاوية أبي مدين الغوث الجزائري في حي المغاربة قبل عام 1967، كانت تستقبل الحجاج من دول المغرب العربي، بعد تأدية مناسك فريضة الحج في كل عام.

وتواصل حديثها قائلة: «عندما كان يأتي الحجيج المغاربة من شمال إفريقيا قاطبة يقدسون فريضتهم بزيارة المدينة المقدسة، وبذلك يربطون بين مسجد بيت الله الحرام في مكة المكرمة، والمسجد النبوي في المدينة المنورة، والمسجد الأقصى المبارك في مدينة القدس الشريف، ومن ثم يزورون مدينة خليل الرحمن ويصلون في مسجد الحرم الإبراهيمي».

وعاصرت المصلوحي أحداث احتلال مدينة القدس الشريف، عندما سوّى الاحتلال حي المغاربة الذي عاشت فيه سنوات طويلة بالأرض خلال ثلاث ساعات فقط.

وتقول: «لن أنسى لحظة واحدة عشتها بكل تفاصيلها قبل نكسة عام 1967 أو بعدها، ومازلت أتذكر كيف هدم الاحتلال حي المغاربة فوق رؤوس أصحابه، إذ عانى السكان المقدسيون والمغاربة كثيراً، حين أجبروا على مغادرة بيوتهم خلال ساعات قليلة، وكيف غدوا لاجئين مشتتين يتمنون العودة إلى بيوتهم، بعد أن كانوا يقطنون في واحدة من أطهر بقاع الأرض، في قلب مدينة القدس الشريف، والمسجد الأقصى المبارك».

وتضيف «بدأ السكان بالهرب، دون تمكنهم من أخذ أغراضهم، وبعد ثلاث ساعات سوّت قوات الاحتلال الحي المغربي بالأرض، وأزالت 135 منزلاً بشكل كامل، كما هدمت مسجدين، منهما مسجد البراق الشريف».

بعد تدمير منازل ومعالم حي المغاربة، تحولت زاوية سيدي أبومدين الغوث الجزائري، إلى ملجأً للنازحين من الحي، بعدما كانت مكاناً لاستقبال الحجاج القادمين من مكة المكرمة، ومازالت موجودة حتى يومنا الحاضر، تؤوي 10 عائلات من دول المغرب العربي، حيث تضم الزاوية المغربية طابقين ومسجداً، فيما يلوح العلم المغربي فوقها، وذلك بحسب الحاجة المصلوحي.

وتجرعت المصلوحي مرارة النزوح والتهجير عام 1967، تماماً كما حدث مع الفلسطينيين كافة، إذ أجبرتها سلطات الاحتلال على النزوح من الحي برفقة زوجها، وترك عائلتها وأهلها بالقدس.

وعن ذلك تتحدث (أم سمير المصلوحي) بمرارة: «أجبرني الاحتلال على النزوح من حي المغاربة ومدينة القدس الشريف أنا وزوجي، وكان معي حينها طفلان، حيث انتقلت إلى الأردن، فيما عمل زوجي في السعودية لمدة عام، ورجعنا مرة أخرى إلى الأردن، ومن ثم رجعنا إلى جذوري في المغرب، وأقمنا سبع سنوات فيها».

وتضيف «بعد وفاة زوجي بحادث سير، عدت أدراجي إلى حيث ولدت وكبرت في مدينة القدس، لمجاورة المسجد الأقصى المبارك وحائط البراق، بعد الحصول على طلب جمع الشمل تقدمت به والدتي، رحمها الله».

إرث تاريخي

بعد عودتها إلى مدينة القدس الشريف في عام 1974، لم تقبل الحاجة عائشة المصلوحي فراق الحرم القدسي، وبقيت صامدة فيه، حيث أفنت عمرها مرابطة في أكناف بيت المقدس، لتكمل مشوار ومسيرة والديها وزوجها هناك، واليوم يلتف أبناؤها وأحفادها حولها، وهم جميعاً يقطنون في البلدة القديمة في مدينة القدس الشريف.

وتقول المرابطة المغربية: «إن المكان الذي أعيش فيه اليوم بمفردي يتكون من غرفة وملحقاتها، وهي داخل الزاوية المغربية، ولا تتسع لجميع أفراد عائلات أبنائي، الذين يعيشون بالقرب مني».

وتتابع: «إن هذه الإقامة هي الأجمل على الإطلاق، فأنا أعيش بجوار واحدة من أقدس وأطهر بقاع الأرض قاطبة، ومن نافذة الغرفة أشاهد يومياً وعلى مدار الساعة المسجد الأقصى المبارك، وحائط البراق الذي عرج منه الحبيب المصطفى سيدنا محمد إلى السماء السابعة، وباب المغاربة الذي حرمنا منه منذ 54 عاماً، وهذا الجوار هو أعظم مكافأة من الله عز وجل».

وبموجب أصولها المتجذرة في حي المغاربة ومدينة القدس الشريف والمسجد الأقصى المبارك، وتعلّقها الشديد بحائط البراق وباب المغاربة، توصي المقدسية المغربية أبناءها وأحفادها بالحفاظ على غرفتها في زاوية أبومدين الغوث، لتبقى الإرث الذي توارثته الأجيال المتعاقبة، على مر الأزمنة والعصور.


«أفتخر بأن جذوري من المملكة المغربية، وفي الوقت ذاته أنا مقدسية فلسطينية، ولدت وكبرت وتزوجت في مدينة القدس الشريف، وبجوار المسجد الأقصى المبارك».

«والدي عمل حارساً للمسجد الأقصى على مدار 42 عاماً، وشقيقي عمل أيضاً حارساً من بعده، وكان لي 10 أشقاء، جميعنا ولدنا في حي المغاربة، وتربينا على حب القدس والأقصى».

طباعة