ظلت تروي الجانب المجهول من القصة

صحيفة «ذا فويس».. اللسان المعبّر عن المواطنين البريطانيين السود

صورة

صحيفة «ذا فويس» البريطانية خرجت من رحم المعاناة التي يعيشها السود البريطانيون في بلادهم، والظلم الذي يحيق بهم، وجاءت لتروي الجانب الآخر من القصة الذي لا تراه الصحف البيضاء الأخرى عن أحداث تمس حياتهم.

البداية

عندما اندلعت الاشتباكات بين السكان والشرطة بشوارع بريكستون في بريطانيا عام 1981، موطن الجالية الإفريقية الكاريبية بلندن، روت الصحافة البريطانية جانباً واحداً من القصة، وصوّرت أعمال الشغب في بريكستون على أنها تحدٍّ لسيادة القانون، وأكدت الصحافة على العناصر الإجرامية، ووصفت المتظاهرين الشباب من الذكور السود بأنهم «مثيرو شغب» أثناء تلك الاضطرابات، وفقاً لدراسات عام 2011 تم الاستشهاد بها في تحليل لاحق لكيفية تغطية وسائل الإعلام البريطانية لأعمال الشغب.

أخفقت التقارير الإخبارية، في ذلك الوقت، في تفسير القضايا التي كانت في صميم أعمال الشغب عام 1981، ومن بينها البطالة والعنصرية وسلوك الشرطة القمعي، ولاسيما الاستخدام الواسع للتوقيف والتفتيش للسود، ورصد هذا التحيز الإعلامي الشاب، فال ماكالا، الذي وصل إلى بريطانيا في سن الـ15 قبل نحو عقدين من الزمن.

كان ماكالا، المولود في جامايكا، يعمل بصحيفة «إيست إند نيوز» المحلية في لندن عندما وقعت اشتباكات بريكستون، وأدرك الحاجة إلى صحيفة تعالج القضايا التي تهم الأفارقة الكاريبيين المولودين في بريطانيا، الذين كانوا يحاولون طرح مطالبهم في هذا البلد.

وبمساعدة قرض بلغ 62 ألف جنيه إسترليني (81 ألف دولار) من بنك باركليز، أطلق ماكالا صحيفة «ذا فويس» (أو الصوت)، في أغسطس 1982، في احتفالية «نوتينغ هيل» التي تعد أكبر تجمع احتفالي في شوارع أوروبا، يُعرف بالثقافة الإفريقية والكاريبية.

ومن مكتبه في هاكني شرق لندن، قاد ماكالا، والمحرر فيليب فريزر، فريقاً من الصحافيين الشباب الذين يغطون الأخبار الصعبة، والتحقيقات والقصص ذات البعد الإنساني، ويتخلل ذلك الرياضة والأزياء والترفيه، وانتقلت المكاتب لاحقاً إلى بريكستون.

وتقول إيفون طومسون، التي شاركت في تأسيس محطة راديو إف ام تبث الموسيقى الإفريقية الكاريبية «ناو كابيتال إكسترا»، في عام 1990: «كان صدور الصحيفة أمراً مثيراً للغاية»، وتضيف: «لقد ظلت هذه الصحيفة المكان المناسب لمعرفة ما يحدث بالفعل في المجتمع الأسود».

ظلت الصحف التابعة لمجتمع السود، مثل «ذي كاريبيان تايمز» و«ويست إنديان غازيت» و«جامايكا غلينر»، تلبي احتياجات المهاجرين الأكبر سناً، الذين يريدون متابعة الأخبار في منطقة البحر الكاريبي، إلا أن صحيفة «ذا فويس»، وهي مجلة أسبوعية، تخاطب جيلاً بدأ يستكشف معنى أن يكون بريطانياً أسود.

وفي حين أنها قد لا تتمتع الآن بالقدر نفسه من التأثير، الذي كانت تتمتع به في السابق، بين مجتمع السود المتنوع بشكل متزايد في بريطانيا، إلا أن إسهامها في وسائل الإعلام البريطانية لا جدال فيه، ومهمتها لا تقل أهمية اليوم عما كانت عليه الحال قبل 40 عاماً.

ويكشف تقرير صادر عن معهد رويترز لدراسة الصحافة في عام 2016 أن 6% فقط من الصحافيين في غرف التحرير بالمملكة المتحدة هم من غير البيض، مقارنة بنحو 13% من عموم السكان، وفي وقت سابق من هذا العام، نشر المعهد بحثاً يلقي الضوء على حقيقة أنه لا يوجد رئيس تحرير أسود في أفضل 10 منافذ مطبوعة، أو رقمية، أو إذاعية، في بريطانيا.

وكشفت دراسة حديثة أجرتها منظمة «نساء في الصحافة»، وهي منظمة ناشطة، أنه خلال أسبوع واحد في يوليو، لم تظهر أي قصة لمراسل أسود على الصفحات الأولى من الصحف الـ11 الأكثر قراءة في المملكة المتحدة، ويؤكد الافتقار إلى التنوع بغرف الأخبار في المملكة المتحدة على مدى أهمية العمل الرائد لصحيفة «ذا فويس»، حتى لو لم يتغير الكثير في جوانب أخرى بوسائل الإعلام منذ إنشائها.

نضالها من أجل العدالة

يقول محرر صفحة الرأي في صحيفة «الغارديان»، جوزيف هاركر: «لاشك في أنها تركت أثراً بليغاً»، وأضاف أن «ذا فويس»: «خاطبت تلك الفئة الأصغر سناً والأكثر نشاطاً وحماساً من السكان، وكانت أول صحيفة سوداء تستهدف البريطانيين السود». وانضم هاركر إلى الصحيفة عام 1987، بعد تخرجه في الجامعة مباشرة، وأمضى أربع سنوات هناك، في البداية مراسلاً ولاحقاً محرر أخبار ومساعداً، واعتاد قراءة القصص السلبية عن السود المتعلقة بالجريمة والفقر والبطالة، كان للعمل في «ذا فويس» تأثير عميق فيه، ويقول: «لقد غيرت إحساسي تماماً بما يعنيه أن تكون أسود»، ويضيف أن وسائل الإعلام الرئيسة لا تهتم بالسود «باستثناء نشر قصص الجريمة وأعمال الشغب»، ويسترسل: «إذا كان هناك أي شيء إيجابي عن السود، فلن تغطيه تلك الوسائل مطلقاً».

إصدار شهري

منذ تأسيسها قبل 37 عاماً، ظلت رؤية «ذا فويس» تتمثل في أن «المجتمع البريطاني الأسود سريع النمو، و يجب أن يكون له صوت وسط كل الاضطرابات الاجتماعية التي اندلعت خلال السبعينات وأوائل الثمانينات»، حسبما كتب المدير الإداري بالوكالة في الصحيفة، جورج رودوك، في افتتاحية أكتوبر 2019، معلناً انتقال المطبوعة من النشر الأسبوعي إلى النشر الشهري.

واعتباراً من سبتمبر من العام الماضي، بدأت الصحيفة تصدر شهرياً، ويستقطب موقعها على الإنترنت أكثر من 350 ألف زائر، وتسجل الصفحة الواحدة أكثر من 500 ألف ظهور شهرياً، وتصل النسخة الرقمية من الصحيفة إلى القراء في جميع أنحاء المملكة المتحدة، وكذلك في إفريقيا والولايات المتحدة.

وتُصدِر الصحيفة أيضاً منشورات مستقلة، من بينها الدليل السنوي للمطاعم والأغذية الإفريقية والكاريبية، ودليل الأعمال للبريطانيين السود، وصدر العدد الأول من المجلة بقصة عن عائلة باكستانية في شرق لندن، كانت مستهدفة من قبل عصابة عنصرية، ما يشير إلى ما اعتبره رودوك «بداية جيدة لسمعة المنشور الشهري، وانطلاقه لتنظيم حملات حول العديد من القضايا التي تؤثر في رفاهية بريطانيا السوداء».


«ذا فويس» وفضيحة «وند رش»

بعد ما يقرب من أربعة عقود، تواصل «ذا فويس» «حملتها التثقيفية والتوعوية»، وفقاً للمديرة التنفيذية لشركة فويس ميديا غروب، بوليت سيمبسون، التي أكدت أن فضيحة «ويند رش»، التي اندلعت في عام 2017، لاتزال واحدة من «قضايا الحملة الكبيرة للصحيفة». وترمز عبارة «وند رش» إلى اسم السفينة التي جلبت جيلاً من المهاجرين الكاريبيين إلى بريطانيا، في أواخر الأربعينيات من القرن الماضي، للمساعدة في إعادة بناء البلاد بعد الحرب العالمية الثانية، وأدت التغييرات اللاحقة في قوانين الهجرة إلى حرمان العديد منهم وأحفادهم من حقوقهم في الجنسية البريطانية، وفي بعض الحالات تم ترحيلهم، وأعلنت حكومة المملكة المتحدة عن برنامج تعويض للضحايا في عام 2018، ولاتزال «ذا فويس» تواصل حملتها بشأن التطورات المتعلقة بـ«وند رش»، وقضايا مثل سياسة التمييز، والتمسك بتاريخ من مواجهة الظلم.

ظلت «ذا فويس» تكتب عن العنصرية في سنوات القمع، وكتبت عن تحقيق فاشل بشأن مقتل الفتى، ستيفن لورانس، المراهق الأسود الذي قتلته عصابة بيضاء أثناء انتظاره الحافلة في 22 أبريل 1993، وبعد أكثر من عقدين من التحقيق في مقتله، واصلت «ذا فويس» تغطية الموضوع، وصدر عدد يوليو الماضي الذي يحمل قصة حول العنصرية الممنهجة في العمل الشرطي، وأثار هذا الموضوع تحقيقاً من قبل المكتب المستقل الذي يراقب سلوك الشرطة.

كنز لتاريخ البريطانيين السود

تقول المؤسِّسة للمطبوعة الرقمية «بلاك بالاد»، توبي أوريدين، معلقة: «تتناول الصحيفة القصص التي لا يرغب أحد آخر في سردها»، وفي ذروة شعبيتها كانت «ذا فويس» تبيع أكثر من 50 ألف نسخة أسبوعياً، بما في ذلك مدن خارج لندن مثل مانشستر، وبرمنغهام، وبريستول، حيث لايزال لديها مشتركون طويلو الأمد.

ويقول محرر صفحة الرأي في صحيفة «الغارديان»، جوزيف هاركر: «أعتقد للأسف أن الأمر لم يعد مناسباً الآن، كما كانت الحال في أوج ازدهار الصحيفة، أوائل ومنتصف التسعينات»، ويضيف أن هذا يرجع جزئياً إلى التركيبة المتغيرة للسكان السود في بريطانيا، مع وصول المزيد من المهاجرين من شرق إفريقيا وغربها، والمزيد من الاندماج العرقي أكثر من ذي قبل.

ومع ذلك، فإن العديد من القصص التي تغطيها «ذا فويس» لا تستطيع أي مطبوعة أخرى تغطيتها في أي مكان آخر بمثل ذلك التميز، ما يجعلها كنزاً دفيناً لتاريخ البريطانيين السود، ويضفي نكهة فريدة على محتواها حتى هذا اليوم.

توبي أوريدين صحافية ومحررة صحيفة «بلاك بالاد » إلكترونية.  من المصدر


• كشفت دراسة أجرتها منظمة «نساء في الصحافة»، أنه خلال أسبوع واحد في يوليو، لم تظهر أي قصة لمراسل أسود على الصفحات الأولى من الصحف الـ11 الأكثر قراءة في المملكة المتحدة.

طباعة