منهم من أخفى هويته خشية الوصم

ضحايا قصف هيروشيما وناغازاكي عانوا عقوداً من التمييز والتهميش

صورة

طوال نحو 70 عاماً، أخفى لي جونغ كيون ماضيه كأحد الناجين من القنبلة الذرية، خوفاً من التمييز الواسع النطاق ضد ضحايا الانفجار الذي استمر لفترة طويلة في اليابان. وكيون، 92 عاماً، هو الآن جزء من مجموعة من الناجين الذين يتضاءل عددهم سريعاً، والمعروفة باسم «هيباكوشا»، التي تعني «المتضررين جراء القنبلة». ويريد هؤلاء الشهود على قصف هيروشيما وناغازاكي، وما حدث قبل 75 عاماً، الوصول إلى جيل أصغر سناً لإخبارهم بحقيقة ما حدث.

وبينما يتضاءل أمل أفراد الـ«هيباكوشا»، بمتوسط عمر أكثر من 83 عاماً، وكثير منهم يعانون الآثار طويلة الأمد للإشعاعات، هناك شعور بالإحباط العميق من توقف التقدم في الجهود العالمية لحظر الأسلحة النووية. ووفقاً لمسح أجرته صحيفة «أساهي» شمل 768 ناجياً، فإن ثلثهم قالوا إن رغبتهم في عالم خالٍ من الأسلحة النووية ليست مشتركة على نطاق واسع من قبل بقية البشرية، ودعا أكثر من 70٪ الحكومة اليابانية إلى التصديق على معاهدة حظر الأسلحة النووية.

وتقول كوكو كوندو، 75 سنة، التي كانت طفلة تبلغ من العمر ثمانية أشهر، بين ذراعي والدتها، عندما انهار منزلهم جراء الانفجار، الذي وقع على بعد كيلومتر واحد «لا أستطيع العيش لمدة 50 عاماً أخرى»، متابعة «أريد أن يعيش كل طفل حياة كاملة، وهذا يعني أننا يجب أن نلغي الأسلحة النووية الآن».

وتؤكد كوندو أنه حتى بعد سنوات طويلة، لايزال هناك الكثير من الأسلحة النووية، مضيفة «نحن لا نصرخ بصوت عالٍ بما يكفي ليسمع العالم بأسره». وقتل القصف الذري الأميركي الأول 140 ألف شخص، في مدينة هيروشيما؛ بينما أسفر هجوم نووي ثانٍ، على ناغازاكي، في 9 أغسطس 1945، عن مقتل 70 ألفاً. واستسلمت اليابان في الـ15 من أغسطس، منهية بذلك الصراع الذي بدأ بهجومها على بيرل هاربور في ديسمبر 1941 أثناء محاولتها غزو آسيا.

ويعتقد أن نحو 20 ألفاً من الكوريين المقيمين في هيروشيما لقوا مصرعهم في الهجوم النووي. وكان في المدينة، وهي مركز عسكري في زمن الحرب، عدد كبير من العمال الكوريين، بما في ذلك أولئك الذين أُجبروا على العمل من دون أجر، في المناجم والمصانع، تحت استعمار اليابان لشبه الجزيرة الكورية بدءاً من عام 1910 إلى عام 1945.

شخص منبوذ

وفي صباح السادس من أغسطس 1945، كان كيون، البالغ من العمر 16 عاماً، حينها، وهو كوري من الجيل الثاني ومن مواليد اليابان، في طريقه للعمل في هيئة السكك الحديدية الوطنية اليابانية، في هيروشيما، عندما انفجرت قنبلة اليورانيوم الملقبة بـ«الولد الصغير»، وتحولت السماء كلها إلى اللون البرتقالي المصفر. وعانى كيون حروقاً شديدة في رقبته استغرقت أربعة أشهر للشفاء. وعند عودته إلى العمل، لم يكن زملاء العمل يقتربون منه، قائلين إنه مصاب بمرض «القنبلة أ». ولم يعرف الكثير عن آثار القنبلة، واعتقد كثيرون أن الإشعاع يشبه المرض المعدي. كما كان الأزواج قلقين، أيضاً، بشأن الضرر الجيني الذي يمكن أن ينتقل إلى الأطفال.

وتعرض كيون للمضايقات في المدرسة بسبب خلفيته الكورية، وكان زملاؤه في الفصل يسخرون من رائحة الـ«كيمتشي» في صندوق الغداء الخاص به. والكشف عن أنه كان أيضاً ضحية للقنبلة الذرية، كان يعني المزيد من المتاعب. وعاش كيون باسم ياباني، «ماسايتشي إيجاوا»، إلى أن كشف عن هويته خلال رحلة بحرية، قبل ثماني سنوات فقط، إذ شارك الناجون من القنبلة الذرية قصصهم.

وقال كيون «أن تكون كورياً وأيضاً (هيباكوشا)، فهذا يعني تمييزاً مزدوجاً». ولم يكن للناجين من القنبلتين أي دعم حكومي حتى عام 1957، عندما أثمرت جهودهم التي استمرت لسنوات بدعم طبي رسمي. ولكن نظام الفحص الصارم ترك الكثير ممن لايزالون يسعون للحصول على تعويض بلا أي دعم يذكر. وتأخر تقديم المساعدة للناجين خارج اليابان حتى الثمانينات.

تبرير الهجوم

وأدت التفجيرات الذرية إلى سباق تسلح نووي في الحرب الباردة، وبررت الولايات المتحدة التفجيرات باعتبارها وسيلة لإنقاذ عدد كبير من الأرواح، بمنع الغزو الدموي لليابان، وإنهاء الحرب، وهو الرأي الذي طالما قبله العديد من الأميركيين. لكن جار ألبروفيتز، مؤلف كتاب «الدبلوماسية الذرية: هيروشيما وبوتسدام وقرار استخدام القنبلة الذرية»، قال إن السجلات الوثائقية تُظهر أن القادة الأميركيين، في زمن الحرب، كانوا على علم باستسلام اليابان الوشيك وأن التفجيرات لم تكن ضرورية عسكرياً.

وكوندو، التي نجت من الانفجار وهي طفلة، هي ابنة القس كيوشي تانيموتو، وهو واحد من ستة ناجين من القنبلة الذرية، ظهر في كتاب «هيروشيما»، للمؤلف، جون هيرسي. وكافحت الناجية لعقود للتغلب على الألم الذي عانته في سن المراهقة، فضلاً عن عزوف خطيبها عنها.

وكانت تبلغ من العمر 40 عاماً، تقريباً، عندما قرّرت اتباع مسار والدها وأن تصبح ناشطة سلام. واستلهمت من خطبته الأخيرة، التي تحدث فيها عن تكريس حياته من أجل شفاء هيروشيما. وهذا العام، فإن إحباط الناجين أكبر لأن فعاليات السلام التي تسبق احتفال النصب التذكاري في السادس من أغسطس، قد تم إلغاؤها إلى حد كبير أو تقليصها وسط جائحة فيروس كورونا.

ولأول مرة منذ أكثر من عقد، لن تقدم كايكو أوغورا، الترجمة الإنجليزية لجولة إرشادية في منتزه السلام في هيروشيما.

وكانت أوغورا في الثامنة من عمرها عندما شاهدت وميضاً لامعاً، خارج منزلها، الواقع على بعد نحو كيلومترين من مكان التفجير الذري. وسقطت على الأرض، لتستيقظ من بكاء أخيها الصغير، وكانت أنقاض منزلهم تحترق.


معاناة مستمرة

لم تعلم كايكو أوغورا أن معاناتها قد بدأت، فقد أخبرها أقاربها وأصدقاء العائلة بإخفاء وضعها كـ«هيباكوشا»، وإلا لن يتزوجها أحد. واحتفظت بماضيها لنفسها لعقود، حتى مات زوجها، وهو ناشط سلام، وقرّرت مواصلة جهوده. وأنشأت مجموعة من الناشطين من أجل السلام.

وطلب منها أقاربها ألا تذكرهم في خطاباتها. وقالت أوغورا، 83 عاماً، في مؤتمر صحافي على الإنترنت، أخيراً، إن السبب هو أن «الناس مازالوا يعانون»، متابعة «تأثير الإشعاع والخوف منه والمعاناة، هي أمور لم تكن محسوسة خلال لحظة الانفجار، فقط، إذ مازلنا نعيش معها إلى اليوم».


ناجون ناضلوا في صمت من أجل حقوقهم.   أرشيفية

• تقول كوكو كوندو، 75 سنة، التي كانت طفلة تبلغ من العمر ثمانية أشهر، بين ذراعي والدتها، عندما انهار منزلهم جراء الانفجار، الذي وقع على بعد كيلومتر واحد «أريد أن يعيش كل طفل حياة كاملة، وهذا يعني أننا يجب أن نلغي الأسلحة النووية الآن».


• 20 ألفاً من الكوريين المقيمين في هيروشيما لقوا مصرعهم في الهجوم النووي.


ألوان صفراء وبرتقالية.. ثم بيضاء

كانت ريكو هادا، في التاسعة من العمر، عندما أُسقطت القنبلة الذرية على مدينتها، ناغازاكي، في الساعة 11.02 صباحاً، في التاسع من أغسطس 1945. وفي وقت سابق من ذلك الصباح، كان هناك تحذير من غارة جوية، لذلك بقيت ريكو في المنزل.

وذهبت إلى حيث كان الأطفال في حيها يدرسون، بدلاً من الذهاب إلى المدرسة، بسبب تحذيرات الغارات الجوية المتكررة. وبعد نحو 40 دقيقة من الدراسة في المعبد، أنهى المعلمون الفصل، وعادت ريكو إلى المنزل.

وتقول ريكو «لقد وصلت إلى مدخل منزلي، وأعتقد أنني خطوت خطوة إلى الداخل»، متابعة «ثم حدث ذلك فجأة. وتلقيت ضوءاً نارياً على عيني، وكانت الألوان صفراء وبرتقالية، وكلها مختلطة، ولم يكن لدي وقت لأتساءل ماذا وقع، ثم أصبح كل شيء أبيض بالكامل».

وتتذكر الناجية اليابانية «شعرت وكأنني قد تُركت وحدي. وفي اللحظة التالية كان هناك صوت صاخب». وبعد فترة وجيزة، طلبت السلطات من الأهالي التوجه إلى ملجأ يحمي من الغارات الجوية، وتوجهت ريكو مع والدتها إلى هناك.

ولم تصب الفتاة بأي أذى، حيث أنقذها جبل كونبيرا.

 ريكو هادا لم تصب بأذى خلال الهجوم على ناغازاكي.   أرشيفية


استمرار الإحباط

يشعر الناجون من القصف الذري على اليابان، في 1945، بالإحباط بسبب عدم قدرتهم على رؤية عالم خالٍ من الأسلحة النووية، في حياتهم؛ بينما رفضت اليابان التوقيع أو التصديق على معاهدة حظر الأسلحة النووية التي تم تفعيلها في عام 2017.

وتقول كايكو أوغورا «مهما كانت صغيرة، يجب أن نواصل جهودنا»، متابعة «سأستمر في الحديث طالما أنا حية».

ووفقاً لوزارة الصحة اليابانية، فقد توفي أكثر من 300 ألف من الـ«هيباكوشا»، منذ الهجمات، بما في ذلك 9254 في السنة الماضية.

وقالت ميتشيكو كوداما، 82 سنة، التي نجت من القصف لكنها فقدت معظم أقاربها بسبب السرطان «بالنسبة لي، الحرب لم تنتهِ بعد». وبعد سنوات من القصف الذري، قرأ موظف استقبال في إحدى العيادات حالة الناجية، بصوت عالٍ، ما جعل أحد المرضى، الذي كان يجلس بجانبها، ينتقل بعيداً.

بينما الخوف والتحيز والتمييز مستمر، لاتزال الأسلحة النووية موجودة، وليس لدينا الكثير من الوقت المتبقي، تقول كوداما «أريد أن أروي قصتنا للأجيال الشابة عندما أتمكن من ذلك»، متابعة «إذا أراد شخص ما سماع قصتي، فسأذهب إلى أي مكان وأتحدث».

طباعة