3000 منهم اختاروا العيش في غانا

أميركيون سود يعودون إلى أرض أسلافهم لبدء حياة جديدة

صورة

لم تزر كيمبرلي ريس غانا من قبل، لكنها بصدد تصميم منزل أحلامها هناك. وتقول الأم لخمسة أطفال إنها لا تشعر بالأمان في الولايات المتحدة. وتؤكد السيدة الأميركية الأم: «البعض منا متعب». متابعة: «البعض منا يريد فقط أن يكون في بيئة، حيث لا يتعين علينا أن ننظر يميناً ويساراً، حيث لا داعي للقلق بشأن أبنائنا». وهي تفضل الآن التركيز على مخططات مستقبلية، على بعد 6000 ميل.

وبينما تواجه الولايات المتحدة تاريخها بالعنصرية، مع اندلاع موجات الغضب مرة أخرى، بشأن عمليات القتل على أيدي الشرطة، يقول المسؤولون في غانا إنهم يرحبون بالأميركيين السود، الذين يريدون الابتعاد عن الاضطرابات.

وقد تفاوضت الحكومة، بالفعل، مع السكان المحليين لتخصيص قطع من الأرض، قريبة من المراكز الحضرية، للقادمين الجدد، ما يوفر مساحة كافية لنحو 1500 عائلة. ويتم التنازل عن رسوم المسح، والتسجيل لأعضاء الشتات الإفريقي.

وبدأت الأمور بحملة تسمى «عام العودة»، التي جذبت عدداً قياسياً من السياح إلى الدولة الواقعة في غرب إفريقيا، العام الماضي، بعد أربعة قرون من وصول أول سفينة رقيق إلى فرجينيا. وتهدف الحملة إلى تحويل الزوار إلى مقيمين، لديهم أراضٍ خاصة، وطرق أسهل للحصول على الجنسية.

وقال الرئيس التنفيذي لهيئة السياحة في غانا، أكواسي أجيمان: «نريد أن نُذكر أقرباءنا هناك (أميركا) بأنه يتوافر مكان يمكنهم الهروب إليه». متابعاً: «هذه هي إفريقيا».

توعية مستمرة

سمعت السيدة ريس، التي تملك وكالة علاقات عامة في سينسيناتي، عن الصفقة من صديقها المقرب وشريكها التجاري في غانا. وتذكر ريس أن مديرها في العمل قال لها ذات مرة إن شعرها الطبيعي غير مناسب لمكان العمل. وقالت: «الأمر ليس كذلك في غانا، ولا داعي للقلق بشأن أن تكون أسود».

وارتفع عدد الزوار، في عام 2019، من يناير إلى سبتمبر، بنحو 237 ألف زائر - بزيادة 45%، وفقاً لهيئة السياحة، وجاء معظمهم من الولايات المتحدة. وجاء هذا التحسن بفضل برنامج سيستمر 10 سنوات، تم إطلاقه في يونيو، لإقناع الناس بالحفاظ على مواهبهم (وأموالهم) في غانا.

وتكثفت التوعية منذ مقتل جورج فلويد على أيدي شرطة مينيابوليس، ما أثار احتجاجات في مختلف أنحاء العالم، بما في ذلك عاصمة غانا، أكرا. وأرسل الرئيس نانا أكوفو أدو قماشاً تقليدياً إلى أسرة فلويد، خلال جنازته، في هيوستن. وأقام المشيعون نصباً تذكارياً خاصاً للقتيل الأميركي في أكرا، ورددوا بعض كلماته الأخيرة: «لا أستطيع التنفس».

وقالت وزيرة السياحة الغانية، باربارا أوتينغ جياسي، في حفل بثته القنوات التلفزيونية: «نواصل فتح أذرعنا، ودعوة جميع إخواننا وأخواتنا للعودة إلى الوطن». متابعة: «لا يتعين عليك البقاء حيث لا تريد إلى الأبد، ويمكنك بناء حياة في غانا».

تحرر كامل

استمرت هذه الدعوات لعقود. وبعد أن أعلنت غانا استقلالها عن بريطانيا عام 1957، استقبل أول رئيس وزراء للبلاد، كوامي نكروما، قادة الحقوق المدنية الأميركية. يقول أستاذ الحقوق المدنية والعدالة في جامعة فيرجينيا، كيفين جاينز: «كان يعتقد أن استقلال غانا لا معنى له، دون التحرر الكامل للمنحدرين من أصل إفريقي، في كل مكان بالعالم».

وقال القس مارتن لوثر كينغ جونيور، أحد ضيوف رئيس الوزراء الغاني الأوائل، لجماعته، إن نكروما حثهم على القدوم، والمساعدة في بناء الأمة الجديدة. وقبل، حينها، عدد قليل من الأميركيين هذه المهمة. من بينهم باولي موراي، وهو ناشط ومحامٍ بارز، التحق بكلية القانون في أكرا. وقال أحد المؤرخين، كتب كتاباً عن تلك الفترة: «كانت غانا تفتقر إلى الفرص المهنية، وبحاجة للمساعدة في تطوير بنيتها التحتية القانونية والدستورية».

وتوقفت الحركة بعد أن أطاح انقلاب بنكروما، عام 1966، واجتاحت الدكتاتورية معظم القارة السمراء. واليوم يعيش نحو 3000 أميركي في غانا. ويرى البعض أن الوافدين هم من الغرباء الأثرياء، في بلد يعيش فيه 30% من السكان بأقل من 3.20 دولارات في اليوم.

وحثت حكومة غانا مواطنيها على التوقف عن اعتبار الأميركيين المقيمين في غانا أجانب، وجددت حملة تسويقية سابقة شعارها: «إخوة وأخوات». ويلعب رجال أعمال، ومتطوعون أميركيون، أدواراً ثقافية واقتصادية أخرى، ويشجعون على الاستثمار في الصناعات النامية. وقال الأميركي موريس شيثام، الذي يدير شركة سياحية في أكرا، إن القيود المفروضة على السفر، خلال جائحة الفيروس التاجي، لم تلغِ الاهتمام.

الناس غاضبون بسبب مصير فلويد، وغيره ممن واجهوا نهايات عنيفة على أيدي سلطات تطبيق القانون؛ والفيروس الذي يقتل أعداداً غير متناسبة من الأميركيين السود، والرئيس دونالد ترامب الذي أعاد نشر فيديو ظهر فيه صراخ مؤيد: «القوة البيضاء!».

وقال شيثام: «في هذا المناخ السياسي، يتطلع الناس حقاً للوصول إلى هنا (غانا)، في أقرب وقت ممكن». إحدى هؤلاء، كيندرا باركر (42 عاماً)، التي أمضت الأسبوع الماضي في ترتيب منزلها في ديترويت، بغرض السفر.

ووقعت باركر في حب أكرا، عندما زارت غانا في 2018، وخططت للعودة لمدة شهرين هذا الربيع، للقاء خطيبها، الذي ترعرع هناك. ثم ضرب الوباء كل مكان عبر العالم، وعلقت غانا الرحلات الجوية الدولية. إلى ذلك، لم تشعر باركر بأن هناك مشكلة، «أنا أنظف منزلي وأطهره، وأرمي كل شيء لا أريده بعيداً»، متابعة: «حالما تفتح الحدود، سأرحل».

زيارات منتظمة

تخطط كيندرا باركر للزواج والبقاء في غانا على المدى الطويل، وشعرت منذ فترة طويلة بأن العنصرية تعرقل حياتها. ومع ذلك تقول: «الكل يقول إن غانا لديها مشكلاتها أيضاً. بالطبع إنها كذلك. ومع ذلك، هذه البلاد عمرها 63 عاماً، فقط. وكم عمر أميركا؟». وفي قصة مماثلة، اختارت الأميركية خديجة بولي (38 عاماً)، الاستقرار في غانا، إذ تحولت زيارة واحدة إلى تأشيرة لمدة ثلاث سنوات، وزيارات منتظمة. وتقول بولي، التي تمتلك شركة فُشار في هيوستن، إن فاكهة الأناناس، في غانا، لذيذة بشكل فريد، وإن الاسترخاء في هذا البلد «نادراً ما تجده في الولايات المتحدة».

عام العودة

صادف أغسطس 2019 مرور 400 عام على وصول الرقيق إلى الولايات المتحدة، وتزامناً مع ذلك، أطلقت غانا «عام العودة»، لرد اعتبار جميع ضحايا تجارة الرقيق، عبر المحيط الأطلسي، الذين كانوا مشتتين في أميركا الشمالية، وأميركا الجنوبية، ومنطقة البحر الكاريبي وأوروبا وآسيا.

وتهدف المبادرة إلى تشجيع الشتات الإفريقي على زيارة غانا. وارتبط عام العودة بالذكرى السنوية الـ400 لوصول الأفارقة إلى فيرجينيا، بالولايات المتحدة. وأطلقت المبادرة قبل الأحداث التي عاشتها أميركا، والتي ربما أسهمت في إقناع المزيد من الأميركيين بالتفكير في أصولهم الإفريقية.

وكانت غانا نقطة عبور رئيسة لنقل العبيد، لذا فإن هذا البلد يشعر بمسؤولية الترحيب بجميع أولئك الذين يمكنهم تتبع أصولهم إلى إفريقيا. وقالت الحكومة إن عام العودة قد لفت الانتباه إلى غانا، وأثر بشكل إيجابي في تقارير وسائل الإعلام الدولية.

واستقبلت غانا عدداً من المشاهير في عام 2019، بمن في ذلك عارضة الأزياء نعومي كامبل، والممثل إدريس ألبا، والكوميدي ستيف هارفي، ومغني الراب الأميركي كاردي ب.

وقال مسؤولون إن المبادرة كانت أمراً مثيراً جداً للإعجاب، بصفتها علاقات عامة ودعاية للبلد، وكانت ناجحة بجميع المقاييس.

مستقبل واعد

تقول خديجة بولي: «في البداية، عندما وصلت إلى هناك، لم يكن لديَّ أي توقعات»، متابعة: «ثم شعرت بشيء مألوف، مثل منزلي، وذلك عندما كان هناك اتصال بالمكان». والآن، هي متأكدة أن هذا البلد الإفريقي لديه مستقبل واعد، «هل أريد أن أشعر بالحرية والحماس والفضول؟»، مضيفة: «لا أريد الاستمرار في الشعور بالإحباط والحزن، وعدم الاحترام؟».

واتخذت كيمبرلي ريس قراراً مماثلاً بمغادرة أوهايو، وتتطلع إلى حياة جديدة، بالقرب من كوماسي، عاصمة منطقة أشانتي الجنوبية. وتوضح: «هناك بعض المنازل الرائعة في المنطقة، وهم يجعلونها جذابة وبأسعار معقولة للغاية». وكونها لم تذهب إلى غرب إفريقيا أبداً، فإن الأمر لا يقلقها.وحجزت ريس تذكرة سفرها إلى أكرا، وتدرس حالياً لهجة محلية، وتفكر في الجنسية المزدوجة. وتقول: «غانا بلد مسالم للغاية، ونريد تجربة ذلك وإعادة التواصل مع أسلافنا، وأن نعلم أطفالنا تاريخنا الحقيقي».

• حثت حكومة غانا مواطنيها على عدم اعتبار الأميركيين المقيمين في غانا أجانب، وجددت حملة تسويقية سابقة، شعارها: «إخوة وأخوات».

طباعة