الكارثة كشفت ما سيواجه بقية العالم قريباً

إطفائيون متطوعون يواجهون «شياطين النار» و«هجمات الجمر» في أستراليا

صورة

يسارع الناس في أستراليا، منذ أسابيع، للانضمام إلى فرق مكافحة الحرائق بأعداد قياسية، مع استمرار حرائق الغابات، في مناطق شاسعة من البلاد، ليسجل عدد المتطوعين خمسة أضعاف العدد السنوي المعتاد للمتقدمين الذين يعربون عن اهتمامهم بالانضمام إلى خدمة إطفاء الحرائق الريفية في مقاطعة «نيو ساوث ويلز».

ويأتي الارتفاع الكبير في الإقبال على التطوع في هذا المجال الخطر، في الوقت الذي توفي فيه خمسة من رجال الإطفاء المتطوعين في مقاطعتي نيو ساوث ويلز وفيكتوريا، في الفترة نفسها.

وفي هذه الأثناء، يؤكد مسؤول التعاون المجتمعي، أنتوني برادستريت، أنه خلال شهرين ونصف الشهر من بداية موسم الحرائق، تلقت إدارته أكثر من 25 ألف استفسار حول الانضمام، مقارنة بمتوسط الطلب السنوي البالغ نحو 4000، موضحاً «إن العدد الهائل من الاستفسارات كان على الأرجح قياسياً، وهناك بالفعل عدد كبير من الأشخاص الذين يرغبون في دعم فرق الإطفاء، وسنتجاوب مع هذه الطلبات». وأردف المسؤول قائلاً: «بعد الحرائق الضخمة، نرى ارتفاعاً في الاستفسارات، ومن الواضح، عندما يرى الناس حرائق الغابات تُهدد منازلهم ويسمعون أخبارها، فإنهم يحرصون على المشاركة في الجهود».

وتُعد «مكافحة الحرائق الريفية» أكبر خدمة تطوع للإطفاء في العالم، إذ تضم أكثر من 70 ألف عضو في أكثر من 2000 كتيبة محلية. وقد شهدت أستراليا «زيادة كبيرة» في اهتمام المواطنين بالعمل التطوعي، في أعقاب الحرائق المروعة التي ضربت شرق مقاطعة جيبسلاند، الصيف الماضي، ولكن السلطات لم تتمكن من تقديم رقم دقيق.

وفي جنوب أستراليا، قالت خدمة مكافحة الحرائق الريفية إنها تلقت 1545 استفساراً عن العضوية، في الأيام الـ10 الأولى، من هذا العام. وفي الشهرين الأخيرين من عام 2019، تلقت 1622 رسالة تعبر عن الاهتمام بالتطوع.

نقص التمويل

ومع ذلك فإن زيادة الاستفسارات حول الانضمام إلى خدمات الحرائق تثير التساؤلات بشأن حصول فرق مكافحة الحرائق في أستراليا على ما يكفي من الدعم المالي، للتجاوب مع العدد الهائل من المتطوعين. وقال قائد فريق الإطفاء في كابرتي، ستيف دالي، إنه طلب تمويلاً لشراء صهريج نقل مياه كبير، دون جدوى، قبل خمس سنوات، موضحاً «كنت أطلب ذلك لخمس سنوات، وتعثرت المساعي باستمرار لأن التمويل غير متوافر».

وفي ديسمبر، قام رجل من كانبيرا، يدعى لويس هودجمان، بمشاركة منشور على «فيس بوك»، يشرح كيف طلب شقيقه المتطوع، البالغ من العمر 23 عاماً، من رجال الإطفاء تزويده بـ«خوذة أفضل لإطفاء الحرائق»، في عيد الميلاد، لأن الخوذة التي أعطيت له كانت «قديمة ومن دون حافة واقية».

وارتفعت درجات الحرارة إلى مستويات عالية لم يتوقع العلماء رؤيتها لعقود مقبلة. والمناطق الطبيعية التي عادة ما تسهم في مقاومة الحرائق، بما في ذلك الغابات المطيرة، باتت عرضة للنيران، والحرائق باتت كبيرة جداً لدرجة أنها تولد طقساً جهنمياً.

من المستحيل السيطرة على الأعاصير النارية، التي تتشكل عندما تولد الرياح الدوارة أعمدة هائلة من النار والرماد والبخار والحطام. وقُتل رجل إطفاء متطوع في نيو ساوث ويلز، في الـ30 من ديسمبر الماضي عندما قلب أحد هذه الأعاصير شاحنته.

رياح عنيفة

وتحدث «هجمات الجمر» عندما تلتقط رياح عنيفة، حول حرائق الغابات، قطعاً من الحطام المحترق وتحملها عالياً، ما يؤدي إلى سقوطها في أماكن قابلة للاشتعال، حيث تبدأ حريقاً آخر.

إلى ذلك، أبلغ شهود عن «أعاصير نار» من لهب ورماد وغبار لم تدم طويلاً، والتي تحدث بشكل نادر، وهي زوبعة كبيرة من اللهب تحدث عندما تكون حركة الرياح على شكل دوامات مع وجود ألسنة لهب على الأرض، بحيث تتكون دوامة نارية عمودية، فيما يسمّي البعض هذه الظاهرة «شياطين النار». ويمكن لهذه الأعاصير النارية أن تسهم في تكوين «هجمات الجمر».

وأنتجت الحرارة الناجمة عن حرائق أستراليا ما يُعرف باسم الغيوم الركامية (بيروكومولونيمبوس)، التي تكون على شكل فطر وتعمل مثل المداخن، وتبعث الحرارة وتمتص الهواء المحيط، لتكثيف الحرائق، ما يجعل من الصعب توقع سلوكها أو وقفها.

ويقول عالم الأرصاد الجوية بجامعة نيفادا، نيل لارو، إنه لم يرَ قط سُحباً من البيروكومولونيمبوس على مثل هذا النطاق الواسع. وسجلت محطة أرصاد جوية في نيو ساوث ويلز 70 درجة مئوية، مع تقدم للسحب الركامية. ويكون الجو حاراً تقريباً مثل معظم غرف «الساونا»، على الرغم من أنه لا يمكن التحقق من القياسات، نظراً لأن الأدوات المستخدمة لم تُصمم للعمل في مثل هذه الدرجات العالية للحرارة.

أمطار قليلة

وقال عالم المناخ بجامعة تافتس، في ولاية ماساتشوستس، ويليام موماو: «نشأت الحرائق في مناطق عدة، وأنتجت الكثير من الفحم» في الغابات المحروقة.

في حدث لم يسبق له مثيل خلال 40 عاماً منذ البدء في حفظ السجلات، ارتفعت درجات الحرارة فوق القارة القطبية الجنوبية بسرعة، وكان لذلك آثار متتالية على أنماط الطقس، إذ تحولت الرياح الغربية التي تهب عبر المحيط الجنوبي باتجاه الشمال، وانتقلت الجبهات الباردة في جميع أنحاء أستراليا، ما تسبب في رياح شديدة، ولكن الأمطار قليلة. وتضافرت جميع هذه العوامل لتهيئة وضع سيئ حقاً.

ويقول العلماء إن الأحداث الدرامية التي تتكشف في أستراليا توضح أنواع الكوارث التي ستواجه بقية العالم، قريباً. وفي ذلك يقول عالم المناخ بجامعة ريدينغ في إنجلترا، تويت إد هوكينز: «لقد جربت أستراليا للتو المستقبل». ويبدو أن القارة الجزيرة، التي تتمتع بجغرافيا فريدة ستكون «معرضة بشدة» لتأثير تغير المناخ. وقال العلماء إن الأمر لن يتطلب الكثير من الدفء لدفع الحياة هناك من العيش المريح إلى حافة الانقراض، ما يجعل الأمر شيئاً مهماً بالنسبة لعالم يزداد حرارة.


مخاوف الانقراض

لايزال موسم الحرائق في مراحله الأولى، في ولاية فيكتوريا، وتواجه حيوانات الكوالا والطيور والكنغر ظروفاً صعبة للغاية. والكثير من الحيوانات بحاجة إلى المساعدة لتتعافى من الجروح والإصابات، فيما يمكن إنقاذ البعض الآخر عبر إعادتها إلى ما تبقى من مواطنها الأصلية، وهي تخضع حالياً للرعاية. ويعتبر معدل انقراض الثدييات في أستراليا من الأعلى في العالم، وحالياً تتصاعد المخاوف من أن تؤدي الحرائق الحالية إلى انقراض أصناف محلية عدة. ويذكر أن ثلث جزيرة كانغارو، وهي ملاذ للحياة البرية قبالة ولاية ساوث أستراليا، دمر بالكامل، وهناك مخاوف من انقراض بعض أنواع الحيوانات التي لا تعيش إلا في هذه المنطقة.

1545

استفساراً عن العضوية، تلقتها خدمة مكافحة الحرائق في الأيام الــ10 الأولى من هذا العام.

70

درجة مئوية، سجلت في نيو ساوث ويلز.

محاربو اللهب

كانت النيران تتصرف بشكل جنوني، الأسبوع الماضي، وكان دوغ شوتز وفريقه بحاجة لاتخاذ قرار سريع؛ لذلك نقلوا جرافة من مكان آخر واستخدموها لتوسيع حاجز أمام الحريق، وقد ساعد ذلك على الأرجح في منع احتراق مئات المنازل.

بدأ شوتز العمل التطوعي مع خدمة إطفاء الحرائق الريفية في ولاية نيو ساوث ويلز في أستراليا منذ نحو 53 عاماً، عندما كان في الـ13 من العمر، وأصبح الآن قائد كتيبة. لقد كان الإطفائي المخضرم في مواجهة حرائق الغابات التي دمرت أجزاءً من أستراليا منذ سبتمبر مع آلاف المتطوعين الآخرين. وقُتل ما لا يقل عن 26 شخصاً جراء الحرائق، بما في ذلك ثلاثة من رجال الإطفاء المتطوعين.

ويقول شوتز: «لقد عشت هنا طوال حياتي، وشاهدت الكثير من الحرائق» متابعاً، «هذه النار لها أجندة خاصة بها، وفي بعض النواحي، أعتقد أن الأمر قد وصل إلى الذروة، وعندما تظن أنك قد تعاملت معها، فستتسلل من الباب الخلفي وستلفحك من حيث لا تتوقع».

وبالنسبة للناس في المناطق الريفية في جميع أنحاء البلاد، فإن الأشخاص مثل شوتز هم «أبطال». وعلقت عائلات كثيرة، في المناطق المتضررة لافتات على منازلها تقدم الشكر للأشخاص الذين يسمونهم بـ«محاربو اللهب». في المقابل، تعرض رئيس الوزراء، سكوت موريسون، للسخرية على نطاق واسع لاستجابته المخيبة.

نساء على أهبة الاستعداد

لم تتخلف النساء عن الالتحاق بفرق المتطوعين، ومن بين الموجودين في الخطوط الأمامية، إيمي بيكر، البالغة من العمر 24 عاماً، وهي باحثة بيئية تكافح الحرائق في بورت ماكواري، على الساحل الشمالي الشرقي لمقاطعة نيو ساوث ويلز.

وكاثرين روبنسون، التي تكافح ألسنة اللهب في تاري، وتستخدم السيدة الأسترالية، وهي حامل في أسبوعها الـ13، «إنستغرام» للدفاع عن قرارها بمكافحة النيران، قائلة، إنها «ترفض البقاء» في البيت، بينما تستمر الحرائق في تدمير الغابات والممتلكات؛ «إلى جميع النساء في الغابات، بمقاطعة نيو ساوث ويلز، الآن؛ نقف معاً بفخر!» وكتبت تقول: «أنا إطفائية، وأنا لست رجلاً. نعم أنا امرأة وحامل. نعم أنا ذاهبة الى الحرائق، وسأكون بخير».

وتردف روبنسون: «أنا أحب بلدي وأحب زملائي، وإذا كان هذا يعني أن هناك حاجة إلى الدعم على الأرض، فسأكون دائماً مستعدة».

في السياق ذاته، عملت أينجل نيوكومب كإطفائية متطوعة، في خدمة إطفاء الحرائق الريفية، منذ 13 عاماً، وتقول إن ذلك «من أفضل الأشياء التي أقوم بها وأكثرها نجاحاً». وهي تعمل حالياً في كتيبة، تخدم الأهالي في منطقة ليثغو. كما تطوعت كيلي ميشيل في خدمة مكافحة الحرائق، بمنطقة هيثكوت، جنوب سيدني، ونشرت صورة بالزي الرسمي على مواقع التواصل وعلقت تقول: «نحن مستعدون إذا كانت هناك حاجة إلينا!».

طباعة