أطفالهم أنقذوا مدرسة تراجع عدد طلابها

    لاجئون سوريون ينعشون الحياة في قرية ألمانية نائية

    صورة

    هل يمكن استقبال مهاجرين سوريين في قرية ألمانية نائية، حيث يتمتع المتطرفون من أقصى اليمين بشعبية، ويشعر العديد من السكان المحليين، بالفعل، بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية؟ «إنه ضرب من الجنون»، حسبما قال مصفف شعر محلي؛ في حين يرى مزارع أن هذا «مستحيل».

    لكن الذي حدث كان الطريقة الوحيدة لإنقاذ مدرسة القرية، التي تعتبر روح ووسط قرية «غولزو»، التي فقدت - مثل العديد من المناطق الريفية في ألمانيا الشرقية - ثلث سكانها في السنوات المضطربة، التي أعقبت سقوط جدار برلين.

    وفي صيف عام 2015، مع وصول مئات الآلاف من المهاجرين إلى ألمانيا، انخفض عدد الأطفال في سن الدراسة بالقرية إلى مستوى قياسي. ولم يكن هناك صف أول، وكانت هذه بداية النهاية لمدرسة كانت ذات يوم معلماً تاريخياً يعود إلى عقود خلت.

    لقد وصل كمال وبرهان وحمزة ونور وتسنيم وريتاج ورفيف ورؤى ومحمد الكبير ومحمد الصغير مع والديهم، إنهم أطفال «غولزو» الجدد، كما يسميهم عمدة البلدية، شوتز، الذي قال: «لقد أنقذ السوريون مدرستنا»، وبطريقة ما أنقذت القرية نفسها.

    وعندما يتعلق الأمر بالترحيب بالمهاجرين، فإن «غولزو» هي نموذج مصغر لألمانيا، على الأقل من الناحية الحسابية. ويمثل السوريون الـ16 الذين استقروا في هذه القرية، التي يبلغ عدد سكانها 820 نسمة، الحصة نفسها للاجئين البالغ عددهم نحو 1.5 مليون، الذين وصلوا إلى جميع أنحاء البلاد بعد عام 2015، بالنسبة لإجمالي السكان. وقصة السكان الجدد تظهر إمكانية بناء علاقات صداقة مع الآخر، حتى لو صوَّت واحد من بين كل أربعة أشخاص في القرية لصالح حزب البديل المتطرف، في الانتخابات الأخيرة.

    تغير إلى الأفضل

    إنه دليل، أيضاً، على أن المخاوف من تأجيج التطرف في أكبر ديمقراطية بأوروبا، لم تمنع دمج مئات الآلاف من المهاجرين بهدوء، وقرية مثل «غولزو» مثال على ذلك. وتشير الإحصاءات الحكومية إلى أن أكثر من واحد من كل ثلاثة يعملون الآن بجميع أنحاء البلاد. وبعد أربع سنوات من وصول السوريين، تغيرت القرية إلى الأفضل، ويبدو أن معظم السكان متفقون على ذلك.

    منازل فارغة دبت فيها الحياة من جديد، وفي معرض عباد الشمس السنوي، توضع المعجنات السورية بجانب فطائر التفاح الألمانية، وعندما يحتاج مدير المدرسة إلى المساعدة لجمع أوراق الشجر، فإن فادي وأحمد ومحمود الآباء السوريين، هم أول المتطوعين. وأخذ أحد القرويين ثلاثة أطفال سوريين، وعلمهم الصيد والسباحة. والأطفال يسمونه «أوبا»، التي تعني «جدي» بالألمانية. ولم تكن «غولزو» دائماً هكذا.

    وعندما جمع شوتز القرويين، لأول مرة، من أجل شرح فكرته لجلب السوريين، كان هناك الكثير من الشكوك. وقال ماركو سايدلت، الذي لديه ولد في الـ11 من العمر (ديفي): «فجأة كان معه ثلاثة سوريين في صفه، لقد فكرت، وقلت في نفسي هذا لا يمكن أن ينجح، لديهم دين مختلف، وأطفالنا لن يتحدثوا اللغة الألمانية بشكل جيد بعد الآن». وذكر شوتز أن آخرين كانوا قلقين من أن يجلب القادمون الجدد معهم الصخب وأعمال السرقة.

    اللاجئة السورية حليمة طه راودتها الشكوك، أيضاً. تتذكر طه أن أحد أصدقائها قال لها عندما اتجهوا شرقاً: «هل أنت مجنونة؟ إنهم لا يحبون الأجانب، هذا خطير». لكن، بعد ذلك، بذل الجانبان جهداً، وفاجؤوا الجميع بمدى إعجابهم ببعضهم بعضاً.

    تقاليد محلية

    تتذكر طه، وهي أم لثلاثة أطفال، وتبلغ من العمر 32 عاماً، وتتحدث الألمانية بطلاقة، الزهور والألعاب التي جلبها العمدة، عندما استقبلها وعائلتها لأول مرة في منزلهم الجديد. وتبرع القرويون بأشياء لمساعدة الأسرة في تأثيث منزلهم، بما في ذلك الأطباق والأواني.

    في اليوم الأول من المدرسة، استقبل الآباء الألمان الأسر السورية بكعكة؛ غير مدركين أنهم صائمون؛ فقد كان رمضان حينها. كانت لحظة محرجة؛ ثم ضحك الجميع، وقطعت طه الكعكة.

    وأوصت حليمة أطفالها بأن يلقوا التحية على كل قروي يصادفونه في الشارع، اعتباراً من اليوم الأول، وباللغة الألمانية، تقول الأم السورية: «لقد تعلمت بالمشاهدة»، وهي تتحدث عن جهودها في الاندماج. واشترت الأسرة كلباً، وباتت تزرع الخضراوات، وتتبنى تقاليد ألمانية بعد الحرب.

    زوج حليمة، فادي، يذهب للصيد، مثل رجال محليين آخرين، وحتى الآن، وجد جميع البالغين السوريين الستة عملاً. وتعمل حليمة، الصيدلانية المدربة، التي لم يتم الاعتراف بشهادتها السورية في ألمانيا، في دار لرعاية المسنين، لتملأ بذلك واحدة من العديد من الوظائف الشاغرة في بلد يشهد شيخوخة متسارعة. «لقد أصبحوا جزءاً مهماً من مجتمعنا»، يقول كبير المعلمين، جابي توماس، في وصفه للأسر السورية.

    نقطة تحول

    في أكتوبر 2015، أي بعد بضعة أشهر من وصول السوريين؛ كانت نقطة التحول، إذ صرخ سكان غاضبون على سياسي إقليمي، حاول إقناعهم بإيواء عشرات من اللاجئين الشباب في صالة الألعاب الرياضية بالمدرسة. فجأة، أخذت حليمة الميكروفون وقالت إنها، أيضاً، تشعر بالقلق إزاء الشباب الذين يتم إسكانهم بجوار المدرسة والحضانة، وقدرة القرية على استيعاب المزيد من اللاجئين، وبعدها، شعر الكثير من المشككين في جدوى استقدام المهاجرين بأنهم ربما يكونون مخطئين.

    وقال القروي ماركو سايدلت، الذي كان مرتاباً جداً قبل أربع سنوات: «لم أكن أتوقع ذلك، لكنهم مندمجون للغاية وبشكل جيد، التغلب على التحيز أمر صعب، لكن أهالي (غولزو) يعرفون كيف يتجاوزون العقبات».

    وعندما سقط جدار برلين قبل 30 عاماً، نال الألمان الشرقيون الحرية والديمقراطية. لكنهم فقدوا وظائفهم ووضعهم بين عشية وضحاها، تقريباً. ينظر الكثيرون الآن إلى إعادة التوحيد باعتبارها استيلاء غربياً، ولم يتم الاعتراف وتقدير كيف كان شكل الحياة في الشرق الشيوعي.

    «مرت 40 سنة على جرائم (ستازي) (أمن الدولة في ألمانيا الشرقية)»، قالتها كارينا كافيدوف، بمرارة، وهي متقاعدة في القرية.

    لهذا السبب يأسف الكثيرون في القرية لاطلاع عدد قليل من الغربيين على «أطفال غولزو»، وهو الفيلم الوثائقي الذي سرد حياة 18 طفلاً، منذ اليوم الأول من مدرستهم في أغسطس 1961؛ بعد أسبوعين من بناء جدار برلين، حتى عام 2007. وترسم مشاهد الفيلم صورة أكثر دقة للحياة في ظل الشيوعية من التصور الغربي السائد.

    وقال برنهارد جودريان، وهو سائق جرار متقاعد، كان أحد الأطفال الذين ظهروا في الفيلم الوثائقي: «لقد عشنا، وأحببنا واحتفلنا، مثل بقية الناس في أماكن أخرى».

    أساطير مزيفة

    إذا كان أطفال «غولزو» الأصليون قد كشفوا زيف أساطير مواطنيهم الغربيين عن الشرقيين، فإن أطفال القرية الجدد قد كذبوا الأساطير حول المهاجرين. في هذه العملية، اكتشف السكان المحليون، وجيرانهم السوريون الجدد، أن لديهم بعض الأشياء المشتركة. كلاهما يشعر بالنزوح. وكانت لدى الألمان الشرقيين، بطريقة ما، تجربة هجرة خاصة بهم. فبعض نقاط التشابه ملموسة بشكل لافت للنظر. لقد استقر العديد من القرويين في القرية وهم أطفال، بعد أن فروا من الأراضي «الألمانية» في بولندا، نهاية الحرب العالمية الثانية. وكان رئيس البلدية السابق من ضمنهم. يقول شوتز، رئيس البلدية الحالي، إن «لدى الأطفال السوريين في القرية تجربة الحياة نفسها، التي مر بها كبار السن هنا»، متابعاً: «كلاهما يعرف كيف يبدو المنظر العام، عندما تنفجر قنبلة يدوية»، مشيراً إلى صوت الألعاب النارية، في معرض عباد الشمس.

    دمج اللاجئين

    مع تدفق المهاجرين، طورت الحكومة الألمانية سلسلة من الأنظمة لاندماج اللاجئين. وبغض النظر عن الحدود التي يعبرونها لدخول البلاد، فإن السلطات الفيدرالية توزع «بشكل عادل» القادمين الجدد في جميع أنحاء الولايات الـ16 بألمانيا، باستخدام حساب الإيرادات الضريبية للولايات والسكان.

    وجميع الأطفال السوريين، الذين يتمتعون بوضع اللجوء، مؤهلون للتعليم المدرسي الذي توفره الحكومة. ويتم تسجيل العديد من اللاجئين المراهقين والبالغين حالياً في «دورات الاندماج»، التي تديرها الحكومة، والتي تركز بشكل أساسي على تعليم اللغة الألمانية لكن تشمل، أيضاً، وحدات عن تاريخ البلاد وقوانينها وقواعدها الثقافية. وهناك عدد كبير من المعلومات العامة، بما في ذلك أشرطة الفيديو التعليمية، للاجئين لمساعدتهم على التعامل مع البيروقراطية الألمانية.

    ولايزال من السابق لأوانه تحديد كم ستكلف هذه البرامج الحكومة الألمانية على المدى الطويل، وما إذا كان العائد الاقتصادي للقوة العاملة الجديدة سيفوق كلفة الاندماج. ويتوقع مفوض الهجرة واللاجئين والاندماج في ألمانيا، أيدان أوزغوز، أن الأمر سيستغرق سنوات، قبل دخول معظم اللاجئين سوق العمل. لكن الأرقام الصادرة من الحكومة قدرت المبلغ، الذي أُنفق في 2016 على اللاجئين، بنحو 20 مليار يورو. ونشرت «دير شبيغل» تقريراً، في مايو، مستشهدة بالوثائق الرسمية، مقدرة الكلفة بنحو 78 مليار يورو حتى عام 2022. وتوقع صندوق النقد الدولي، في 2016، أن ألمانيا لن تنفق أكثر من 0.35% من إجمالي الناتج المحلي على طالبي اللجوء.

    كوابيس الرحلة

    لا تحب حليمة طه أن تتحدث عن الرحلة التي استغرقت عامين، والتي نقلت عائلتها من مدينة اللاذقية الساحلية السورية إلى «غولزو». ولاتزال لديها كوابيس حول رؤية عربة أطفال وزجاجة رضيع تطفوان على مياه البحر الأبيض المتوسط، عندما عبرت على متن زورق مكتظ بالمهاجرين، وهو تذكير بأن الآخرين لم يحالفهم الحظ مثل أسرتها.

    وقالت اللاجئة السورية إن عائلتها كانت بوضع جيد في سورية. والآن هم ببساطة ممتنون للبقاء على قيد الحياة. ففي بعض الأحيان، عندما تشتكي ابنتها من الاضطرار إلى المساعدة في تنظيف المنزل، لأنهم اعتادوا وجود عاملة نظافة، فإن الأم تمسك بكتفَيْ ابنتها، وتقول لها: «نحن الآن لاجئون». الأمور، في الأغلب جيدة، كما تؤكد حليمة، الآن، كامالا البالغة من العمر 12 عاماً، وأخواها: (برهان - 11 عاماً، وحمزة - 6 سنوات)، يجيدون اللغة الألمانية، لدرجة أنهم يتحدثون بالألمانية عندما يتشاجرون.

    في المقابل، تعلم زملاؤهم الألمان العد إلى 10 باللغة العربية، وفي غضون أربع سنوات تخطط الأسرة بأكملها للتقدم بطلب، للحصول على الجنسية الألمانية. وفي ذلك تقول حليمة: «القرية مثل الأسرة، ونحن الآن جزء من تلك العائلة».


    - اللاجئة السورية حليمة طه لاتزال لديها كوابيس،

    حول رؤية عربة أطفال وزجاجة رضيع تطفوان

    على مياه البحر الأبيض المتوسط، عندما عبرت

    على متن زورق مكتظ بالمهاجرين.

    طباعة