الجفاف أجبر آلاف العائلات على ترك منازلها

العطش يهدد مئات القرى الهنـــــدية.. ومدن كبرى بلا ماء قريباً

صورة

شهدت مئات القرى الهندية نزوحاً جماعياً في الوقت الذي أجبر الجفاف آلاف العائلات على ترك منازلها بحثاً عن الماء. وشهدت البلاد درجات حرارة مرتفعة للغاية في الأسابيع الأخيرة، حيث سجلت العاصمة دلهي أعلى درجة حرارة في يونيو عند 48 درجة مئوية. وفي ولاية راجاستان شهدت مدينة تشورو أخيراً أعلى مستوى لها وهو 50.8 درجة مئوية، ما يجعلها المكان الأكثر سخونة على هذا الكوكب.

إلى الجنوب على بعد أقل من 250 ميلاً من العاصمة التجارية للبلاد مومباي، يهجر الناس قراهم بوتيرة متسارعة. وتشير التقديرات إلى أن نحو 90٪ من سكان المنطقة فروا تاركين المرضى والمسنين في مواجهة أزمة المياه التي لا تُظهر أي علامات على التراجع، وباتت قرية هاتكاروادي على بعد 20 ميلاً من «بيد» في ولاية ماهاراشترا مهجورة بالكامل.

جفاف الآبار

الآبار والخزانات جفت متأثرة بموجة حرارة تخطت 45 درجة. بدأ الجفاف الذي يقول المسؤولون إنه أسوأ من مجاعة عام 1972 التي أثرت على 25 مليون شخص في جميع أنحاء البلاد. وبحلول نهاية شهر مايو هُجرت قرية هتكاروادي مع بقاء ما بين أسرة و10 أسر فقط من أصل أكثر من 2000 نسمة.

تعاني 80٪ من المناطق في ولاية كارناتاكا المجاورة و72٪ في ولاية مهاراشترا من الجفاف وتلف المحاصيل، في وقت يكافح ثمانية ملايين مزارع في الولايتين من أجل البقاء، وتقوم أكثر من 6000 شاحنة بإمداد القرى في ماهاراشترا بالمياه يومياً، حيث يتصاعد النزاع بين الولايتين حول الموارد المائية المشتركة.

وأدى النقص الحاد في المياه إلى تدمير سبل العيش للقرويين الذين يقتاتون على الزراعة، فجفت المحاصيل ثم تلفت، تاركة الماشية دون علف وبقليل من الماء، وعانت المحاصيل الرئيسة، بما في ذلك الذرة وفول الصويا والقطن والبقول والفول السوداني، والتي تعد محرك الاقتصاد المحلي.

الأكثر تضرراً

في جميع أنحاء العالم تتسبب أنماط الطقس القوية والتدهور المستمر للمناخ في إحداث حالات جفاف أكثر قسوة وتواتراً؛ وكانت الهند التي تعاني الجفاف أصلاً، أحد البلدان الأكثر تضرراً. ويتوقع العلماء أنه مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة والتزايد السكاني، ستشهد المنطقة نقصاً حاداً في المياه؛ وستحتاج إلى إيجاد حلول ذكية لضمان توفير مياه كافية للجميع.

حسب العديد من التقديرات، فإن ماراثوادا، هي المنطقة الهندية الأكثر تضرراً من الجفاف، وأدت حالات الجفاف المتكررة بشكل متزايد إلى أكثر من 4700 حالة انتحار بين المزارعين في السنوات الخمس الماضية، بما في ذلك 947 في العام الماضي. لقد تعمقت تلك الأزمة؛ ففي مدينة «بيد» نفدت مياه الشرب النظيفة وليس لدى الأسر ما يكفي من الماء لغسل الملابس أو تنظيف الأطباق أو الاستخدام في المرحاض. وتمتلئ المستشفيات بالأشخاص الذين يعانون من تداعيات الجفاف، بما في ذلك أمراض الجهاز الهضمي الناجمة عن شرب المياه الملوثة.

ويدفع السكان الذين يستطيعون تحمل تكاليف صهاريج المياه الخاصة ما يعادل 20 درهماً مقابل 1000 لتر من المياه، وينتهي المطاف بالكثير منهم في المستشفى، وحتى الأبقار ترفض شرب الماء الملوث والمالح الذي تم سحبه من قاع السدود والبحيرات المنهكة في المنطقة. وقال سانديب ديشموخ، وهو طبيب في مستشفى «بيد» المدني، «خلال الأشهر الماضية كان هناك ارتفاع بنسبة 50٪ في عدد المرضى الذين يعانون من الإسهال والتهاب المعدة وما إلى ذلك». وألقى باللوم على التلوث في ارتفاع الأمراض التي تنقلها المياه؛ موضحاً: «لقد ناشدنا الناس ضرورة غلي المياه قبل الشرب أو الاستخدام في الطهي».

التماس المساعدة

بالنسبة للعديد من سكان المقاطعة البالغ عددهم 2.2 مليون نسمة، منهم 240 ألفاً يعيشون في مدينة «بيد» نفسها، يبدأون يومهم بالبحث عن المياه من الآبار، ويتعين على الآخرين التماس المساعدة من الجيران للحصول على الماء. أوشا جادهاف التي تعيش في شيفاجيناجار القريبة، قالت إن أسرتها لم تعد تستخدم المرحاض لأنه أصبح ترفاً لا يمكن تحمله، وإن النساء ينتظرن ظلام الليل لقضاء حوائجهن في العراء، متابعة «لا يمكننا استخدام 5 إلى 10 لترات من المياه في الحمام بينما يتعين علينا شراء الماء».

بحلول نهاية شهر مايو كان 43٪ من سكان الهند يعانون من الجفاف بشكل من الأشكال مع اعتبار نقص هطول الأمطار الموسمية السبب الرئيس، وشهدت البلاد جفافاً واسع النطاق كل عام منذ عام 2015 باستثناء عام 2017.

وتعاني نحو 20 ألف قرية في ولاية ماهاراشترا من أزمة مياه شرب حادة مع نضوب المياه في 35 سداً كبيراً، وفي 1000 سد أصغر يقل منسوب المياه عن 8٪، وتحولت الأنهار التي تغذي السدود إلى أراضٍ جرداء متشققة.

وأشار «نيتي أيوج» وهو مركز أبحاث حكومي، في تقرير صادر عام 2018، إلى أن المياه الجوفية مصدر 40٪ من احتياجات الهند من المياه، وتستنفد بمعدل لا يمكن تحمله. وقال التقرير إنه من المتوقع أن تنفد المياه الجوفية بحلول عام 2020 من 21 مدينة هندية، بما في ذلك دلهي وبنغلورو وتشيناي وحيدر آباد، وأن 40٪ من سكان الهند لن يحصلوا على مياه الشرب بحلول عام 2030.

من المتوقع أن تتأخر الرياح الموسمية الجنوبية الغربية لهذا العام، المسؤولة عن 80٪ من هطول الأمطار في البلاد، وهذا يعني أنه لا توجد فترة راحة في الأفق بالنسبة لولاية ماهاراشترا الجافة.

انتقادات لاذعة

تعرضت السلطات في تشيناي لانتقادات لاذعة لفشلها في التعامل مع نقص المياه الذي تسبب في إصابة المدينة الهندية بأزمة حادة، وتركت الصنابير جافة في المنازل وأجبرت المدارس والمكاتب والمطاعم على الإغلاق مع ارتفاع درجات الحرارة. لقد جفت الخزانات الأربعة التي تزود المدينة بالجزء الأكبر من مياه الشرب، ما دفع هيئة مياه تشيناي إلى قطع المياه التي توفرها بنحو 40٪. وتأتي الأزمة في سادس أكبر مدن الهند في الوقت الذي تكافح البلاد للتعامل مع موجة الحر التي تسببت في مقتل المئات، إذ قتل 184 شخصاً في ولاية بيهار الشرقية. ووصلت درجات الحرارة إلى 48 درجة مئوية بالقرب من المطار في دلهي الأسبوع الماضي، وتخطت الـ50 في ولاية راجاستان.

بدأ نقص المياه في تشيناي منذ أسابيع عدة، وانتقدت المحكمة العليا في «مدراس» حكومة ولاية تاميل نادو لعدم تحركها لإيجاد حل، واتهمت المحكمة الحكومة الأسبوع الماضي بالانتظار بشكل سلبي لوصول الرياح الموسمية بدلاً من معالجة أزمة المياه بشكل استباقي، والتي كما قالت المحكمة العليا لم تحدث في يوم أو يومين.

إدارة الاحتياجات

تقوم العائلات بإدارة احتياجاتها من الشرب والطهي باستخدام مكيالين أو ثلاثة من الأواني في درجات حرارة تزيد على 40 درجة مئوية. ويضطر السكان إلى انتظار صهاريج مياه البلدية أو الخاصة لجلب مياه الشرب، وترك القليل أو لا شيء للغسيل أو الاستحمام. إن وصول صهريج المياه يجعل النساء والأطفال والرجال يتدافعون لملء أوانيهم بالماء. وقال الأطباء والعاملون في مستشفى «توش» الصغير المكون من 24 سريراً، إنهم «يدبرون أمورهم» مع وصول صهريج البلدية مرتين في الأسبوع. وقال جراح العظام في المستشفى الدكتور برابهو مانيكام «لقد قمنا بالفعل بتقنين استخدام المياه ولدينا ما يكفي في الوقت الحالي لمراحيض الجناح والمراحيض في العيادات الخارجية، لكن الأمر ينذر بالخطر».

• تعاني 80٪ من المناطق في ولاية كارناتاكا و72٪ في ولاية مهاراشترا من الجفاف وتلف المحاصيل، في وقت يكافح 8 ملايين مزارع في الولايتين من أجل البقاء.


تغيير الوضع

أدت قلة هطول الأمطار الموسمية في السنوات الماضية إلى انخفاض مستويات المياه الجوفية. وفي حين أن الطبقة الوسطى يمكنها أن تدفع الأسعار المتضخمة التي تتقاضاها الشركات الخاصة لنقل المياه، حالياً، فإن هذا الخيار ليس متاحاً للفقراء. وأفادت وسائل إعلام هندية بأن سكان الأحياء الفقيرة يتركون منازلهم في يأس ويلجؤون إلى محطات السكك الحديدية ومراكز التسوق على أمل العثور على دورات مياه وماء للشرب.

وقال رئيس وزراء ولاية تاميل نادو، إدابادي بالانيسوامي، إن على السكان الانتظار حتى وصول الرياح الموسمية، وادعى أن وسائل الإعلام تُضخم أزمة المياه.

ونُقل عنه قوله في الصحف المحلية «في حالة وجود مشكلة مائية في مكان ما، لا ينبغي تضخيمها لإعطاء انطباع خاطئ بأن البلاد بأكملها تعاني ندرة الماء».

في تقرير نُشر في يونيو 2018، قال مركز الأبحاث الحكومي «نيتي أيوج»، إن الهند تواجه أسوأ أزمة مائية في تاريخها. وتوقع أن تنفد المياه الجوفية في 21 مدينة بحلول عام 2020، وأوصت بالإدارة «العاجلة والمحسنة» لموارد المياه. وحتى لو كانت المياه أكثر وفرة، فمن المقدر أن واحداً فقط من بين كل خمسة منازل ريفية لديه شبكة مياه متصلة بالأنابيب. وبعد فترة وجيزة من إعادة انتخابه للمنصب في 23 مايو، قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، إنه يريد تغيير هذا الوضع. ووعد الهنود بأن حكومته ستهدف إلى توفير المياه المنقولة بالأنابيب لجميع المنازل بحلول عام 2023، الأمر الذي لقي سخرية لدى الكثير من الهنود.

• يُعتقد أن واحداً فقط من بين كل خمسة منازل ريفية لديه شبكة مياه متصلة بالأنابيب.

معظم المنازل الريفية غير متصلة بشبكة أنابيب المياه. أرشيفية


صنابير جافة

أُغلقت العديد من بيوت الشباب وأرسلت بعض شركات البرمجيات موظفيها إلى منازلهم بسبب نقص المياه، لكن كما قال أحد الموظفين، فإن البقاء في المنزل ليس حلاً لأن الصنابير هناك جافة أيضا. لقد علقنا لوحات تقول «اقتصد كثيراً في الماء» في كل زاوية بالمطعم، ونعقد اجتماعات مع الموظفين كل يوم لتوضيح الحاجة إلى الحفاظ على كل قطرة، كما يقول نسيم شيخ وهو مدير سلسلة مطاعم «مارينا» في تشيناي، متابعاً، «لحسن الحظ، لدينا بئر خاصة بنا لإمدادنا بالمياه، لكن يبدو أن هذا المصدر بدأ ينفد».

أسباب نقص المياه معقدة، لكن الخبراء يشيرون إلى سبب واحد هو التنمية الحضرية غير المخطط لها، التي دمرت الأراضي الرطبة في جميع أنحاء المدينة. لا يتم إعادة تدوير المياه والاستفادة من مياه الأمطار بشكل جيد، ولم تكن هناك أي إرادة سياسية لمعالجة المشكلة بشكل شامل. يعتمد السياسيون على الرياح الموسمية وعندما يكون الوقت متأخراً، كما هي الحال هذا العام، وعندما يكون هطول الأمطار غير كافٍ، كما كانت الحال لسنوات عدة، لا توجد سياسات معمول بها لتعويض هذا النقص.

• أسباب نقص المياه معقدة، لكن الخبراء يشيرون إلى سبب واحد هو التنمية الحضرية غير المخطط لها.

التنمية الحضرية غير المخطط لها دمرت الأراضي الرطبة. أرشيفية

طباعة