فقدان الثقة بالتطعيم والشعبوية فاقما المشكلة

اتساع مناهضة اللقاحات يُنذر بأزمة صحية عالمية

صورة

سافرت عائلة فرنسية إلى كوستاريكا لقضاء عطلة مدارية، ووصلت إلى البلاد في 18 فبراير. وفي غضون أيام، أصيب ابن الزوجين الفرنسيين البالغ من العمر خمس سنوات بحمى شديدة، وكان جسده مغطى بطفح من البقع الحمراء المميزة لوباء الحصبة.

وأعلنت وزارة الصحة في كوستاريكا حالة التأهب، وتم تعقب وفحص الركاب في رحلة الأسرة، ووُضع الطفل ووالداه في الحجر الصحي لمدة سبعة أيام، وتم إصدار تنبيهات للأطباء والسكان المحليين، تُحذر وتدعو إلى مراقبة الأعراض المشابهة للحصبة، للتأكد من أن مرض الطفل الفرنسي لا يهدد حياة أي شخص آخر.

لقد كانت حالة طوارئ وطنية، مع أنه كان إجراء غير ضروري على الإطلاق. وتعتبر الحصبة معدية بشكل كبير، على الأقل ثماني مرات أكثر من الأنفلونزا، على سبيل المثال. ويمكن للأفراد حمل ونشر الحصبة من دون أي أعراض للمرض، ومعظم الناس لا يصابون بالطفح الجلدي أو يصابون بالحمى أو السعال، أو يكون لديهم التهاب في الحلق حتى تتم إصابتهم لمدة أسبوعين، وذلك بفضل حضانة طويلة للفيروس. لكن من دون استثناء، انخفضت معدلات الإصابة بالحصبة في جميع أنحاء العالم، كلما تم استخدام لقاح مناسب.

ومع ذلك، فإن المسافرين الفرنسيين غير المحصنين يعكسون اتجاهاً متزايداً في جميع أنحاء أوروبا، إذ أصبح رفض التطعيم سائداً. ونتيجة لذلك، سجلت أوروبا العام الماضي المزيد من حالات الحصبة، أكثر من أي وقت خلال الـ20 سنة الماضية، مع نحو 83 ألف حالة مؤكدة، و72 حالة وفاة.

وقفزت حالات الإصابة بالحصبة في جميع أنحاء العالم بنسبة 50% عام 2018، وفقاً لمنظمة الصحة العالمية، ما دفع الوكالة إلى إعلان رفض اللقاح أحد أكبر 10 تحديات تواجه الصحة العالمية في عام 2019.

لكن ليس هذا الوضع في أوروبا فقط، فالحصبة في ارتفاع عبر الحدود في جميع أنحاء العالم، مع انخفاض معدلات التحصين.

وإجمالاً، يعتبر عام 2017 العام الأخير الذي تم فيه حساب عدد الوفيات في العالم، حيث توفي أكثر من 109 آلاف شخص بسبب الحصبة، معظمهم إما لم يتم تطعيمهم مطلقاً، أو تلقوا جرعاتهم الأولى فقط، ولم يحصلوا على الباقي.

التطعيم ليس مجرد اختيار فردي، إنه عقد اجتماعي أبرمه الجمهور مع حكومته، حيث يثق الجمهور بأن الحكومة ستوفر اللقاحات، وجعلها في متناول جميع السكان، وضمان سلامتها وفاعليتها، وتشجيع استخدامها.

في المقابل، تثق الحكومة بأن المواطنين ومقدمي الخدمات الطبية سيلتزمون ويحصلون على التطعيم بشكل صحيح، ليس فقط لحماية أنفسهم وأطفالهم، لكن من أجل المجتمع بأكمله، ومناعته التي تمنع الأمراض من الانتشار.

العقد الاجتماعي

عندما تفشل الحكومات في تحقيق جانبها من العقد الاجتماعي، وعدم توفير اللقاحات للسكان بطريقة مناسبة وبأسعار معقولة، تتفشى الأوبئة بشكل سريع.

في سبتمبر 2018، على سبيل المثال، كان وباء الحصبة في مدغشقر خارج نطاق السيطرة، ما تسبب في وفاة المئات، وذلك لعدم توفير الحكومة وصولاً عادلاً إلى اللقاحات لسكانها الفقراء. وقد امتلأت مدغشقر بالكوارث الأخرى على مدار الـ12 شهراً الماضية، بما في ذلك وباء الطاعون، وإعصاران رئيسان دمرا منازل 70 ألف شخص، إضافة إلى الجفاف المستمر الذي يعيش فيه ما يقرب من نصف مليون شخص، دون مياه صالحة للشرب، أو مرافق الصرف الصحي، أو مرافق الغسيل. وتكافح الحكومة الضعيفة والمتنازع عليها، لتلبية الاحتياجات السكانية في جميع المجالات.

كما فشلت حكومة أخرى في الوفاء بالعقد الاجتماعي، مثل فنزويلا، التي تحولت، تحت قيادة الرئيس نيكولاس مادورو، إلى فوضى اقتصادية وسياسية. وكانت الحصبة أول مؤشر صحي يشير إلى أن نظام الصحة العامة في البلاد قد انهار، حيث بدأت الحالات والوفيات في الارتفاع في عام 2017، إذ وصلت إلى 6500 حالة تم تشخيصها، وما مجموعه نحو 10 آلاف حالة بحلول نهاية فبراير 2019. وتلا ذلك ارتفاع الملاريا والدفتيريا، اللتين أودتا بحياة 238 شخصاً، بحلول نهاية عام 2018.

وفي الفلبين، تكافح حكومة الرئيس رودريغو دوتيرتي للسيطرة على وباء الحصبة، الذي تسبب في مرض أكثر من 15 ألف شخص هذا العام، ما أسفر عن مقتل 238. وانخفضت معدلات التطعيم ضد الحصبة إلى 55%، وتُرك 2.5 مليون طفل دون حماية، وذلك بسبب فقدان الثقة بالخدمات الحكومية، في أعقاب فضيحة لقاح حمى الضنك عام 2017.

وتم استخدام لقاح حمى الضنك، الذي تم تصنيعه من قبل شركة الأدوية الفرنسية «سانوفي»، على نطاق واسع وبكثافة من قبل الحكومة، لكن تم إلقاء اللوم عليه في وفاة ثلاثة أطفال على الأقل، حيث استنكرت الحكومة وطالبت الشركة بالتعويضات، لكن الأضرار التي لحقت بالثقة لم يكن بالإمكان إصلاحها، إذ يعتقد الفلبينيون الآن على نطاق واسع أن جميع اللقاحات خطيرة.

أرباح وتلوث

ويسير معظم حالات رفض اللقاحات، في جميع أنحاء العالم، جنباً إلى جنب مع عدم ثقة الجمهور بالحكومة. وتختلف طبيعة الغضب المضاد للتطعيم من مكان إلى آخر وحتى داخل المجتمعات. والشائعات الكاذبة التي تفيد بأن أنسجة الخنازير ربما استخدمت في إنتاج اللقاحات، كانت كافية لرفض الآباء في البلدان الإسلامية. ومنذ عام 2001، ارتفع معدل رفض اللقاحات في الولايات المتحدة أربعة أضعاف. ورفضاً لتطعيم أطفالهم، يستشهد الآباء بكل شيء، بدءاً من أرباح شركة الأدوية المفرطة، والتلوث الخفي بالزئبق، إلى الخوف من أن يصاب أطفالهم بالتوحد. حتى إن بعض أصحاب الكلاب يرفضون تلقيح حيواناتهم الأليفة.

منذ الأيام الأولى للقرن الـ18، ومحاولات التحصين ضد الجدري، كان هناك معارضون ورافضون. وعارضت جماعات دينية كثيرة في الولايات المتحدة، مثل الـ«أميش»، وبعض الطوائف اليهودية الأرثوذكسية والعلماء المسيحيين، التطعيم منذ فترة طويلة.

وتقع مدينة نيويورك، حالياً، ضمن دائرة تفشي مرض الحصبة، حيث بلغ عدد الحالات الآن 133 حالة، وهي تنتشر بشكل أساسي داخل مجتمع يهودي يرفض اللقاحات. وتكافح اليابان أيضاً وباء الحصبة، إذ سجلت 167 حالة حتى 10 فبراير، حيث انتشرت قرابة ثلث هذه الحالات في جماعة «ميروكو كيوسي شينكو»، وهي جماعة دينية تعارض العديد من جوانب الطب الحديث.

وهناك تحدٍّ آخر، هو أن الحركة العالمية المناهضة للتلقيح التي تواجه - في الأغلب - مسؤولي الصحة العامة اليوم، يهيمن عليها الأفراد المتعلمون تعليماً عالياً وذوو الكفاءة العالية، مثل سكان مجتمعات غرب لوس أنجلوس الفاخرة، بما في ذلك «سانتا مونيكا» و«برينتوود» و«بيفرلي هيلز»، حيث معدلات تطعيم الأطفال منخفضة، كما هي الحال في جنوب السودان، الذي مزقته الحرب الأهلية. وفي مقاطعة كلارك بولاية واشنطن، يتم تحصين 78% فقط من الأطفال بشكل كامل. واستفاد الآلاف من أولياء الأمور من قانون الولاية، الذي يسمح «بالاعتراض على تحصين الطفل». وشهدت مقاطعة كلارك 70 حالة مؤكدة من الحصبة هذا العام، ما دفع حاكم واشنطن إلى إعلان حالة طوارئ في هيئة الصحة العامة والمجلس التشريعي للولاية، للنظر في مشروع قانون من شأنه القضاء على الاعتراضات الشخصية كأساس لرفض التطعيم.

سكان وادي السيليكون أثرياء.. لكن محصنون بشكل سيئ

هناك أسطورة كاذبة تدفع موظفي «أمازون» و«مايكروسوفت» و«غوغل» الأثرياء في وداي السيليكون، لرفض تحصين أطفالهم، وهي أن لقاح الحصبة يسبب مرض التوحد. ووجدت دراسة نُشرت حديثاً، وأجريت على 657 ألف طفل، ولدوا في الدنمارك منذ عام 1999 إلى عام 2010، مع متابعة حتى أواخر عام 2013، أن اللقاح «لا يؤدي إلى مرض التوحد عند الأطفال المعرضين للإصابة، ولا يرتبط بحالات مرض التوحد بعد التطعيم». وتعد الدراسة مجرد أحدث قائمة طويلة من الجهود البحثية التي، وفقاً للأكاديمية الأميركية لطب الأطفال، «تجد اللقاحات وسيلة آمنة وفعالة، للوقاية من الأمراض الخطيرة».

تضليل روسي

في مدينة بورتلاند بولاية أوريغون، يُظهر مجتمع المهاجرين مستوى عالياً من الشكوك إزاء اللقاحات. ووفقاً لجمعية الصحة العامة الأميركية (أفا)، تعمل وسائل الإعلام باللغة الروسية، ووسائل الإعلام الاجتماعية العاملة خارج روسيا، على الترويج - بنشاط - للمزاعم الهستيرية حول التلوث والأضرار الناجمة عن اللقاحات.

وتوصلت دراسة، قامت بها الجمعية إلى أن المتصيدين الروس أدركوا أن مخاوف اللقاح تعتبر مشكلة، يمكن استغلالها لزرع المشاعر المناهضة للحكومة، إذ خلصت إلى أنه «في الوقت الذي تنشر فيه بعض الجهات البرامج الضارة والمحتوى غير المرغوب ورسائل مكافحة اللقاحات، يروج المتصيدون الروس للخلاف. الحسابات التي تتنكر كمستخدمين حقيقيين تخلق التشويش، وتؤدي إلى تآكل توافق الرأي العام بشأن التطعيم». ووجد بعض المتصيدين طريقهم إلى مناقشات (فيس بوك) و(بينترست) و(أمازون) و(إنستغرام)، و(ريديت) في الولايات المتحدة. ووجدت دراسة استقصائية حديثة في المملكة المتحدة أن نصف الآباء الجدد قد زاروا مواقع مكافحة التطعيم على الإنترنت.

وليس من قبيل الصدفة تفشي الحصبة الأوروبية، اليوم، في أوكرانيا والبلدان التي كانت في السابق جزءاً من حلف وارسو، بما في ذلك رومانيا وجمهورية التشيك. وفي العام الماضي، كان في أوكرانيا أكثر من 54 ألف حالة إصابة بمرض الحصبة، و16 حالة وفاة، بحلول فبراير، وتم الإبلاغ عن 15 ألف حالة أخرى وسبع وفيات، ما يجعل الوباء الحالي هو الأكبر الذي شهدته البلاد منذ بدء التطعيم السوفييتي في الستينات. ووفقاً لمنظمة «اليونيسيف»، فإن تفشي المرض في أوكرانيا مدفوع بمزاعم كاذبة، تتعلق بسلامة اللقاحات، ولعب التضليل الروسي دوراً في بلد أدت فيه المواجهات العسكرية المستمرة بين القوات المتحالفة مع موسكو إلى تراجع خدمات الصحة العامة. وفي أوروبا الشرقية، تمتد الشكوك إلى الأطباء أنفسهم، حيث يعتقد 36% من الممارسين العامين، الذين شملهم الاستطلاع في جمهورية التشيك، و25% في سلوفاكيا، أن لقاح الحصبة غير آمن.

صلة قوية بين الشعبوية ورفض التطعيم

هناك صلة قوية بين صعود الشعوبية والمشاعر المناهضة للتطعيم. ويعارض كلٌّ من حزب الجبهة الوطنية في فرنسا، وحزب «خمس نجوم» الإيطالي اللقاحات. وألغى زعيم «خمس نجوم»، ماتيو سالفيني، الذي يشغل منصب وزير الداخلية، جميع طلبيات اللقاح العام الماضي، بحجة أن التطعيم «لا طائل منه، وفي كثير من الحالات خطير، إن لم يكن ضاراً»، فيما استقال والتر ريكياردي من منصبه كرئيس للمعهد الوطني الإيطالي للصحة، احتجاجاً على ذلك.

وأظهرت إحدى الدراسات أن رفض اللقاحات بدأ في الارتفاع، بعد الأزمة المالية في أوروبا عام 2010، وفرض برامج التقشف في إيطاليا. وتغذت المعارضة من خلال الرسائل الحزبية اليمينية، ما يلقي ظلالاً من الشك على الصحة العامة، والهيئات العالمية مثل منظمة الصحة العالمية.

في حين أن الحركة الشعبية الإيطالية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمشاعر المناهضة للتطعيم، فإن الأحزاب اليمينية في جميع أنحاء أوروبا تستغل الشكوك الشعبية حول الأرباح الصيدلانية والكراهية تجاه الحكومات لبذر الشقاق. في الولايات المتحدة، أعرب السياسيون الجمهوريون، بمن فيهم الرئيس دونالد ترامب، عن معارضتهم للتطعيم الإلزامي، وأصروا على أن الوكالات الحكومية تخفي البيانات التي يُزعم أنها تثبت أن التحصين يسبب مشكلات صحية، مثل: التوحد، وتلف المخ.


- الحركة الشعبية

الإيطالية ترتبط

ارتباطاً وثيقاً

بالمشاعر المناهضة

للتطعيم.

- عندما تفشل الحكومات في تحقيق جانبها من

العقد الاجتماعي، وعدم توفير اللقاحات للسكان،

تتفشى الأوبئة بشكل سريع.

طباعة