يتظاهرون بأن وثائقهم الثبوتية وأموالهم تعرضت للسرقة أو الضياع

«المسافرون الأشباح» ..مشرَّدون يتخــذون من المطارات حول العالم مكاناً للعيش

صورة

مجموعة من المشردين تعيش في بعض المطارات حول العالم، كثير منهم ظل يعيش في العاصمة الإسبانية مدريد لسنوات عدة. تطلق عليهم بعض الجهات «المسافرون الأشباح»، وتبدأ قصة أحدهم عندما يدعي في المطار أن وثائقه الثبوتية وأمواله تعرضت للسرقة أو الضياع. بعض هؤلاء المسافرين يقيمون في المطارات لأسباب سياسية، مثل القصة الشهيرة للمواطن الإيراني، مهران كريمي ناصري، الذي سحبت منه بلاده الجواز، وظل يقيم في مطار شارل دي غول، لمدة 10 سنوات، بدءاً من 26 أغسطس 1988.

ولنبدأ بهذا السيناريو في أحد المطارات الإسبانية: يتشكل طابور من المسافرين على الرحلة رقم EK144 لـ«طيران الإمارات»، المتجهة إلى دبي، بانتظار شحن حقائبهم، من بينهم سيدات يرتدين ثياباً باهظة الثمن، ورجال يرتدون بدلات وربطات عنق ينتظرون في الطابور، كما لو أنهم كانوا على وشك حضور حفل كوكتيل، وليس رحلة ليلية لمدة ست ساعات. فجأة يقطع الرتابة رجل يحمل حقيبة يبدأ في البحث يائساً في جيوب سترته، ويرتفع صوته في أسى: «لقد فقدت محفظتي، مستنداتي»، تحدق فيه الوجوه بنظرات غريبة، وأخرى غير مصدقة، يستدير الرجل، يمسك بحقيبته ويذهب بعيداً، ويمر أسفل قبة السقف الكبيرة للصالة 4 في مطار باراخاس أدولفو سواريز، في العاصمة مدريد. خلال الساعة التالية يذرع الرجل قاعة المطار أربع مرات جيئة وذهاباً، ويتوقف عند مجموعة من المسافرين، ليخبرهم بقصة وثائقه المفقودة نفسها. وعندما يشعر بأن المسافرين يراقبونه، يتظاهر بإجراء مكالمة هاتفية.

قصة أناستاسيوس

يعتبر أناستاسيوس أشهر مسافر شبح في مطار مدريد، ويبلغ من العمر نحو 50 عاماً، ويرتدي سترة جلدية سوداء وقميصاً أسود، ويحمل حقيبة جديدة تماماً تحمل اسمه على أحد جوانبها. وبالنسبة لعمال المطار، أصبح هذا الرجل جزءاً مستديماً من المشهد الطبيعي للمطار، فقد ظل يعيش في صالة المطار لمدة خمس سنوات على الأقل، وهو جزء من مجموعة من الأشخاص الذين لا مأوى لهم، والذين يتظاهرون بأنهم مسافرون - وفي حالته هو عبارة عن مسافر تعرض للسرقة للتو - من أجل المرور، دون أن يعترضه أحد.

وعلى عكس الأشخاص الذين لا مأوى لهم، والذين يحملون أغراضاً كثيرة معهم، وينامون في الممرات الطويلة التي تربط الصالتين 1 و2، فإن المسافرين الأشباح يندمجون مع الحشود، ويسيرون بأغراضهم ويحملون تصاريح قديمة لركوب الطائرة التي يخلفها بعض الركاب، ويحاولون جمع بضعة أموال من المسافرين الآخرين، مدعين مثلاً أنهم بحاجة إلى المال لإجراء مكالمة هاتفية مع أسرهم، أو مع سفاراتهم.

يقول شاب، قضى بعض الوقت مع أناستاسيوس، إنهما كانا يمشيان بين 16 و18 كيلومتراً في اليوم، وفقاً لساعة يده، التي اضطر لاحقاً إلى رهنها.

وتتيح خدمة الحافلات المجانية، التي تربط المحطات بالمطار، للمسافرين الأشباح الذهاب إلى أي مكان وفي كل مكان. فقد حفظوا جداول الرحلات، ويستطيعون معرفة الرحلات الجوية الأكثر ربحية. وعلى الرغم من أن هناك أياماً لا يستطيعون فيها إحراز أي مكاسب، فإن أناستاسيوس، الذي يتحدث بعض الفرنسية والإنجليزية بطلاقة، يحاول دائماً تجربة حظه في مكتب تسجيل الوصول الخاص برحلات دبي، لأن المسافرين إلى هناك ميسورون نسبياً، وذلك بعد أن يجرب مكتبي لندن ونيويورك.

ويستطيع بعض سائقي الحافلات التعرف إلى المسافرين الأشباح، لأنهم هم الأشخاص الوحيدون، خلافاً لعمال المطار، الذين ينزلون في الصالة رقم 3. يقول أغستين، وهو سائق يقود 10 رحلات على الطريق نفسه كل يوم، إنه يستطيع التعرف إليهم في المرة الثالثة التي يراهم فيها. ومن الصالة رقم 3، يقطع المسافرون الأشباح كيلومترين للوصول إلى مدينة باراجاس، لشراء أغراض من محال السوبرماركت بأسعار معقولة. وإذا تمكنوا من جمع 27 يورو، فإنهم يستطيعون قضاء الليل بغرفة مع حمام في نزل متواضع.

نقطة تجمع هادئة

يعتبر مطعم «ماكدونالد»، في الصالة رقم 4، نقطة التقاء لمجتمع المسافرين الأشباح، حيث إن هذا المطعم يقدم وجبات رخيصة نسبياً، ويخدم المطعم مجموعات كبيرة من الزبائن، ولا أحد يزعجهم هناك. ديفيد، وهو أحد المسافرين الأشباح، يرتدي سترة ذات لون بني فاتح وقميصاً وقبعة ذات علامة حمراء (باعها لاحقاً مقابل 30 يورو)، كان جالساً على طاولة خارج المطعم لمدة ثلاثة أيام متتالية. وظل يدعي أمام محدثيه أنه أخطأ رحلته إلى تل أبيب، وكان ينتظر من أحد أفراد العائلة أن يرسل له الرمز الخاص بالحصول على تذكرة جديدة. يقول إنه ينام قليلاً، وهذا هو السبب في أنه أكثر عصبية من المعتاد، ويشعر بأنه قد تقطعت به السبل، يقول مبتسماً: «نعم، مثل توم هانكس في فيلم تيرمنال».

الياباني

أحد المسافرين الأشباح، الذي يبدو أكثر غموضاً، هو شاب يبلغ من العمر 56 عاماً، يعرف باسم الياباني، لأنه يتقن اللغة اليابانية. أو ديل تشيلسيا (ابن تشلسي)، بعد أن ظهر في بدلة رياضية خاصة بفريق لندن لكرة القدم، تشلسي. بدأ العيش في المطار قبل ثماني سنوات، بعد أن اتخذ سلسلة من القرارات التجارية الفاشلة، وظل هناك منذ ذلك الحين. في فترة ما بعد الظهر، يجلس الياباني على طاولة «ماكدونالد»، ليشبك جهازه اللوحي بشبكة «واي فاي»، التي يقول إنها ليست جيدة جداً، ويستخدمها لمشاهدة مقاطع فيديو الكونغ فو والأفلام والبرامج الوثائقية على «يوتيوب»، وفي الليل ينام على الأرض في زاوية من الصالة، بجانب نافذة تطل على المدارج. ويستيقظ كل صباح في السادسة صباحاً، ويذهب مباشرة إلى الحمام ليغسل وجهه وأسنانه. وبعد ذلك، يذهب إلى مكان يستطيع أن يجد فيه عادة صناديق الإفطار، التي تضعها الفنادق للضيوف الذين يغادرون قبل فتح البوفيه. بعد الإفطار، يحاول أن يكسب رزقه الذي لا يتضمن «سرقة أو طلباً أو تهديداً»، إنه يعمل كدليل. ويبحث عن ركاب في عجلة من أمرهم، ويحملون حقائب سفر كبيرة الحجم، ويقدم لهم واحداً من أكياس التسوق الكبيرة التي يحملها معه. حتى إنه يعرض عليهم لف حقائب السفر بالبلاستيك لحمايتها. ويساعد أيضاً في الترجمة لشرطة المطار، عندما يجد المسافرون اليابانيون أنفسهم في ورطة.

لم يخطُ الياباني خارج الصالة لمدة عام ونصف العام. ويقول المسافرون الأشباح الآخرون إن لديه اتصالات خارجية، لأن عمال المتاجر غالباً يقدمون له القهوة والطعام مجاناً. إنه يشكو حقيقة أن شركة الطيران الإسبانية (آيبيريا) ألغت اشتراكها في صحيفة فايننشال تايمز، وهي صحيفة يحب قراءتها، رغم اعترافه بأنها تظهر رؤية للعالم تختلف اختلافاً كبيراً عن بلده. لقد فكر في مغادرة المطار في الماضي، لكنه فقد الاهتمام بهذه الفكرة منذ ذلك الحين. وعندما سئل عما إذا كان يستطيع أن يرى نفسه يقضي بقية حياته في المطار، أجاب: «نعم، لِمَ لا؟! قد يحدث ذلك!».

مسافر يقضي في المطار 18 عاماً

عام 1988، هبط الإيراني مهران كريمي ناصري في مطار شارل ديغول الدولي في باريس، ليستقر هناك لفترة طويلة، وكان في طريقه إلى المملكة المتحدة ليستقر هناك، مدعياً أنه يستحق الجنسية الاسكتلندية، لأن والدته اسكتلندية الأصل، إلا أن أوراق هويته تعرضت للسرقة، بما في ذلك وثيقة تمنحه صفة لاجئ، استصدرها من المفوضية العليا للاجئين التابعة للأمم المتحدة، بعد احتجاجاته ضد الشاه. إلا أن البريطانيين أعادوه إلى فرنسا، ولم يكن لدى الفرنسيين أي فكرة عما يجب فعله معه. لكن كان له كل الحق في البقاء بالمطار، لأنه ليس لديه بلد منشأ يُعاد إليه. وتم اعتقاله لفترة وجيزة إلا أن المحكمة وجدت أن وجوده في المطار كان قانونياً، فأطلقت سراحه، وسمحت له بالإقامة هناك لكن دون مغادرة.

وظل ناصري يقيم في المطار بجانب حقائبه، وقضى وقته في القراءة، ودراسة الاقتصاد، وتسجيل تجربته في مذكرات بلغ عدد صفحاتها 1000 صفحة. وأقام ناصري في غرفة الرجال، وكان يتصف بسلوك جيد خلال إقامته هناك. وفي هذه الأثناء، نال وضع ناصري اهتماماً دولياً حيث زاره صحافيون لمقابلته. وأرسل له مواطنون عاديون رسائل مشجعة، وقال له أحدهم: «إننا نأمل أن تتمتع بمستقبل آمن ومريح وسعيد، مع خالص تحياتي، مواطن أميركي مهتم». وكان الخطاب مرفقاً بأمر مالي بقيمة 100 دولار، والتي ساعده كبير المسؤولين الطبيين في المطار، الدكتور فيليب بارجين، في صرفها. ونال ناصري، أيضاً، اهتمام محامي حقوق الإنسان الفرنسي، كريستيان بورغو، الذي أصبح محاميه لفترة طويلة.

واستمر في هذا المأزق لمدة 18 عاماً، حتى مرض عام 2006، لأنه ظل يعيش على نظام غذائي يتكون من دجاج ماكدونالدز وفيليه السمك، والنوم على مقعد بلاستيكي، ومن المدهش أنه استمر لفترة طويلة دون أن يدخل المستشفى.

تم نقل ناصري إلى المستشفى بسبب مرض لم يُكشف عنه، حيث أنهى إقامته الطويلة في مطار شارل ديغول الدولي. وبحسب ما ورد تم إخراجه من المستشفى عام 2007، ووضع في فندق بالقرب من المطار. ورغم أنه لم يحصل على رحلة إلى لندن، فإنه مُنح الحرية في فرنسا. واعتباراً من عام 2008، ظل يعيش في ملجأ بالضواحي الباريسية. وقد ألهمت قصة ناصري المخرج العالمي ستيفن سبيلبيرغ لإخراج فيلم «تيرمنال»، بطولة النجم توم هانكس، وهي قصة طبق الأصل من قصة كريمي. ترجمة: ع- خ عن «ذي هندو بيزنس»

مجتمع المشرَّدين في مطار مدريد

يعيش ما بين 20 إلى 30 شخصاً حالياً في مطار باراخاس أدولفو سواريز، وفقاً لتقديرات صحيفة البايس، خلال الأيام الأربعة التي زارت فيها المطار. وتحدد الشرطة الوطنية، المسؤولة عن أمن المطارات، هؤلاء الأشخاص المشردين، لكن دائرة الصحافة التابعة لها لا تريد تقديم المزيد من التفاصيل عن أنشطتهم. ويقول الضباط إن هؤلاء لا يمثلون أي تهديد للسلامة العامة. وتقول سلطة المطار الإسبانية إن الأشخاص المشردين يمكنهم الدخول إلى الصالات، لأنها أماكن عامة. وتوضح أن المطار يعمل مع الخدمات الاجتماعية في قاعة المدينة «بأكبر قدر ممكن من الكفاءة»، لمعالجة حالات الاستبعاد الاجتماعي. وعلى الرغم من أن سلطة المطار لم تقدم أي أرقام رسمية، فإنها تقول إن عدداً متزايداً من الأشخاص يختارون الذهاب إلى مراكز الرعاية الاجتماعية. أمضى مسافر شبح عرف اسمه «من دون اسم» ثمانية أشهر في مبنى المطار. وروى الرجل، الذي يقول إنه من إسرائيل، قصته لامرأة من لندن، سألته عن الوجهة التي يريد أن يذهب إليها، وأخبرها بأنه يريد أن يعمل كصياد في جزيرة الكناري في لانزاروت، فاشترت له تذكرة على رحلات شركة «ريانير» وأرسلتها إليه، لكن من غير المعروف ما إذا كان سافر على متن الطائرة أم لا!


- يعتبر أناستاسيوس

أشهر مسافر شبح

في مطار مدريد.

ويبلغ من العمر نحو

50 عاماً، ويرتدي

سترة جلدية سوداء،

وقميصاً أسود،

ويحمل حقيبة جديدة

تماماً، تحمل اسمه

على أحد جوانبها.

- أحد المسافرين الأشباح، والذي يبدو أكثر غموضاً،

يبلغ من العمر 56 عاماً، ويعرف باسم الياباني، لأنه

يتقن اللغة اليابانية. أو ديل تشيلسيا (ابن تشلسي)،

بعد أن ظهر في بدلة رياضية خاصة بفريق

لندن لكرة القدم، تشلسي. بدأ العيش في المطار

قبل ثماني سنوات، وظل هناك منذ ذلك الحين.

طباعة