فرض الرسوم على الدخول لن يحل المشكلة

موت البندقية.. تدفق السياح والفيضانات يهدّدان المدينة العــائمة

صورة

تكتظ محطة «سانتا لوسيا» للقطارات في البندقية بالمسافرين، بينما يتنقل السياح نحو محطات الحافلات المائية. وصل سيرو إسبوزيتو وزوجته لتوهما، والتقطا صورة مع خلفية القناة الكبرى، ولم يتفاجآ بالرسوم التي فرضتها سلطات المدينة العريقة، الأمر يتعلق برسم دخول إلى المدينة، ما بين 5 و10 يورو خلال فترات الذروة.

إنه ثمن كوب من القهوة، ولكن بالنسبة لهما فهو «أمر في غاية الخطورة». ويقول إسبوزيتو «إنهم يتعاملون مع الناس كآلة سحب نقدي»، متابعاً «نحن في أوروبا ويمكننا السفر بحرية عبر الحدود، في حين علينا أن ندفع لدخول مدينة أوروبية».

في أوقات سابقة كانت الحقائب ذات العجلات التي يجُرها السياح فوق الطرقات العتيقة قد أثارت غضب أهالي البندقية، لدرجة أن السلطات تعهدت بتغريم أي شخص يتم ضبطه، وهو يستخدم هذا النوع من الحقائب، بمبلغ يصل إلى 500 يورو، لم يحدث ذلك أبداً، لكن الآن هناك عقوبة معقولة أكثر، ولإدارة تدفق 30 مليون شخص يزورون المدينة العائمة، كل عام، فإن عشاق البندقية الذين يأتون لالتقاط الصور سيضطرون إلى الدفع، على الرغم من أنه من غير الواضح متى سيتم البدء في تطبيق الضريبة أو كيف يمكن فرضها.

قد يكون للبندقية تاريخ طويل من الجذب السياحي، بفعاليات عالمية مثل الكرنفال السنوي، ومعرض الفن الدولي، والمهرجان السينمائي الذي يحضره النجوم، لكن ظهور السياحة الجماعية جعلها تكافح في كيفية التعامل مع حشود ثابتة تتجوّل في مواقعها الثمينة، بما في ذلك كاتدرائية تعود إلى القرن الـ11، وجسر «ريالتو» الشهير، ومتاهة «كالي» المتعرجة، التدفق قد يكون نعمة بالنسبة لخزينة المجلس المحلي، لكنه آفة المعالم والبيئة الهشة بالمدينة.

ويتعرض عمدة مدينة البندقية، لويجي بروجنارو، الذي يهاجم بانتظام السياح، لضغط متزايد للتحرك، فهو لا يواجه فقط الانتخابات المحلية في العام المقبل، ولكن في يوليو، ستقرّر منظمة اليونيسكو ما إذا كانت ستضع المدينة الهشة، التي تضرّرت جراء الفيضانات المتكررة على نحو متزايد، إلى جانب حديقة «إيفرجليدز» الوطنية في الولايات المتحدة، والغابات المطيرة في مدغشقر، ضمن قائمة المواقع التراثية المهدّدة بالانقراض في العالم.

أعداد الزوّار

بالنسبة للكثير من الإيطاليين، فإن توجيه التهم ليس هو الحل، حتى أولئك الذين يرحبون بالرسوم الجديدة يشككون في أنها ستحدث فرقاً حقيقياً، لن تنطبق رسوم الدخول على أولئك الذين حجزوا غرف الفنادق، إذ يدفع الزوّار بالفعل ضريبة سياحية تصل إلى ستة يورو، كل ليلة، عند الإقامة في المدينة.

تقول كليليا تنزاريلي، وهي زائرة من روما «إذا أراد الناس المجيء، فعليهم أن يدفعوا الرسوم،»، متابعة «البندقية مدينة حساسة للغاية ويجب أن يكون هناك بعض الخطط، ولكن إذا كانت مجرد ضريبة إضافية، فلن تحل المشكلة، أفضل حل هو الحد من أعداد الزائرين».

كما هي الحال مع الحقائب ذات العجلات، فإن المعضلة تتمثل في كيفية تحويل الخطة إلى سياسة قابلة للتطبيق. كانت هناك اقتراحات بأن الرسوم يمكن أن تضاف إلى كُلفة الوصول إلى المدينة إما عن طريق القطار أو الحافلة أو السفن السياحية، على أن تقوم شركات النقل المعنية بتحويل العائدات إلى سلطات البندقية.

في حين أنه من غير الممكن قيادة السيارة في البندقية، يمكن للأشخاص الوصول إلى منطقة البر الرئيس للبحيرة، وركن سياراتهم بكُلفة بين 12 و29 يورو في اليوم، في حين يبدو تحصيل الرسوم من ركاب السفن السياحية سهلاً إلى حد ما، إذ يمكنهم الدفع على متن القارب أو عند نزولهم، لكن تطبيق الضريبة على وسائل النقل الأخرى وكيفية التمييز بين سكان البندقية والزوّار سيكون أكثر تحدياً.

خطر بيئي

وقال دومينيك ستانديش، وهو أكاديمي بريطاني ومؤلف كتاب «البندقية تواجه خطراً بيئياً»: «يبدو أن الإعلان عن الرسوم الجديدة لم يكن مدروساً بشكل جيد»، متابعاً «لكن المفارقة في هذا الإجراء هي أن السلطات تتذمر من السياحة، وتقول إن مدينة البندقية أصبحت مثل (ديزني لاند)، ولكن إذا تمكنت من تنفيذ الخطة، فستجعل المدينة أشبه بملاهي (ديزني لاند) فعلاً».

كما أن فكرة الرسوم قد تأتي بنتائج عكسية، إذ نظم سكان البندقية العديد من الاحتجاجات، في السنوات الأخيرة، ضد صناعة السياحة التي يزعمون أنها أدت إلى تدمير نمط حياتهم، وألحقت الضرر بالبيئة ودفعت السكان إلى النزوح، وقد تضاءل عدد السكان الحاليين البالغ 55 ألف نسمة «بعد أن كانوا أكثر من 175 ألفاً في سنوات ما بعد الحرب العالمية الثانية»، بسبب توافد السياح.

ويقول بروجنارو، إن بعض الأموال الإضافية من الرسوم ستساعد في تمويل عملية تنظيف القمامة التي يتركها الزوّار وراءهم وتحسين حياة السكان المحليين، لكن الكثير من هؤلاء السكان المحليين يشعرون بالغضب بسبب فكرة أنهم سيدفعون الرسوم، أيضاً، في حال غادروا المدينة ثم عادوا إليها.

تعامل صارم

أمّا ماركو جاسبارينتي، الذي يقود ناشطين في «مجموعة 25 أبريل»، فيقول إن «الأمر يشبه إضافة إهانة للمشكلة»، متابعاً «بعد أن أجبر الآلاف من الناس على مغادرة المدينة، فإن السلطات تجبرهم الآن على الدفع لزيارة عائلاتهم»، وستكون الضريبة منطقية، يوضح الناشط «إذا كانت وسيلة لتعويض الأثر البيئي للسفن السياحية، كما هي الحال بالنسبة للركاب المسافرين، وما عدا ذلك فمن الصعب للغاية تطبيقها».

وفي تحرك لتهدئة المخاوف البيئية، أخبر بروجنارو - عمدة المدينة، منظمة اليونيسكو، في أواخر عام 2017، أن سلطات البندقية أصبحت صارمة في التعامل مع سفن الرحلات البحرية التي تزن أكثر من 96 ألف طن، وتنزل آلاف المسافرين في قلب المدينة، ولم يعد بإمكانها الإبحار عبر ساحة سانت مارك، كما أعلن، وستتخذ بدلاً من ذلك مساراً عبر منطقة «مارغيرا» الصناعية.

الأمواج هي السبب

يزعم أنصار البيئة أن الأمواج التي تسببها السفن السياحية قد أدت إلى تآكل أساسات المباني التاريخية وتلوث المياه، لكن لم يتم بعد الموافقة على الخطة من قبل الحكومة الإيطالية، وإلى أن تأتي هذه الموافقة، فإن العمل على المسار الجديد، الذي يتطلب حفر القنوات وبناء ميناء جديد، سيستغرق نحو أربع سنوات. وفي حين أن تحويل السفن من شأنه أن يحافظ بشكل أفضل على المركز التاريخي، إلا أن هذه الخطوة لن تفعل الكثير لمعالجة المخاوف من التلوث.

مشكلات مختلفة

مشكلات البندقية لا تقتصر على السياحة، إذ تتعرض المدينة لخطر ارتفاع منسوب المياه، ففي 29 أكتوبر من العام الماضي، تعرض ثلاثة أرباع المدينة لأسوأ فيضان خلال 10 سنوات، لقد تساقطت الأمطار لمدة 24 ساعة تقريباً، رافقتها رياح عاتية رفعت المياه إلى 156 سنتيمتراً فوق مستوى سطح البحر، وهو رقم قياسي وصل إلى خمس مرات فقط في تاريخ المدينة. وبينما كان السيّاح يكافحون لقضاء عطلاتهم وهم يخوضون المياه ويغامرون بالذهاب إلى المحال التجارية والمطاعم، كان السكان المحليون يقيّمون الأضرار.

وأشارت صحيفة محلية إلى فيضان الخريف باعتباره يوماً لا يُنسى بالنسبة لأهالي البندقية، للمرة الثانية، منذ عام 2000، غمرت المياه كنيسة «سانت مارك»، ما تسبب في أضرار بالأرضيات الرخامية والأبواب المصنوعة من البرونز المعدني، والأرضيات الفسيفسائية للكنيسة التي يبلغ عمرها أكثر من 1000 عام. وبعد بضعة أيام من الفيضان، قال مسؤولو الكاتدرائية إن الضرر قد تسبب في أذى كبير. وتكلفت الإصلاحات المبدئية 2.2 مليون يورو، لكن ماركو بيانا، وهو مسؤول إداري، قال إن مصدر القلق الرئيس هو الأثر الطويل الأجل للضرر.

وقال المسؤولون إن الضرر كان من الممكن تجنبه لو كان المشروع الذي تبلغ كلفته مليارات عدة المصمم لمنع الفيضانات في بحيرة البندقية، قد تم تنفيذه. وبدأ العمل على حاجز الفيضان في عام 2003، لكنه تأثر بالتأخير والمشكلات المختلفة، بما في ذلك فضيحة الفساد التي ظهرت في 2014، إذ اتهم العمدة السابق جورجيو أورسوني، بتلقي رِشى مقابل منح العقود.

وآخر موعد لاستكمال الأعمال في المشروع هو عام 2022، وقد حث المسؤولون في البندقية الحكومة على إكماله في أقرب وقت ممكن.

وتم إنجاز 96٪ من العمل، لذا لا يبقى سوى القليل، لكن السلطات تستمر في تأخير الإنجاز. كما تضرّرت أرضية مقهى «كافيه فلوريان» القريب، وهو أحد أقدم المقاهي في إيطاليا وأكثرها شهرة، بسبب الفيضانات، وكذلك العديد من المتاجر.

البنية التحتية

معظم السكان المحليين يتعاملون مع ارتفاع منسوب المياه عند حدوثه، وفي ذلك يقول ميشيل ليفوراتو، الذي يدير متجراً صغيراً بجوار جسر «ريالتو»، «إنه يزعجنا عندما يحدث، لكننا اعتدناه، والسياح يستمتعون به»، متابعاً «معظم السكان المحليين تعلموا العيش جنباً إلى جنب مع السياح، على الرغم من رغبتهم في رؤية (نوعية أفضل) من الزائرين»، مشيراً إلى أن «كثيرين لا يحترمون المدينة».

وقبل الموعد النهائي الذي حددته منظمة اليونيسكو، قامت السلطات بمبادرات أخرى لتحسين إدارة السياحة، مثل تركيب الأبواب الدوّارة عند نقطتي دخول إلى البحيرة خلال فترات الذروة في محاولة للسيطرة على الحشود المتجهة نحو ساحة «سان ماركو» و«ريالتو». كما أنهم يحاولون تشجيع الناس على زيارة مناطق أخرى أقل شهرة على ضفاف بحيرة البندقية، أو إحدى جزرها الأخرى مثل «مورانو» و«بورانو».

لكن جاذبية البندقية الفريدة يحدّ من فاعلية هذه التدابير اليائسة، ويقول ستانديش - الأكاديمي البريطاني «إذا أرادوا تحسين المدينة، فإنهم بحاجة إلى الاستثمار في بنية تحتية أفضل من أجل حركة أفضل في أرجاء المدينة»، متابعاً «نظام قطار مترو الأنفاق تمت مناقشته منذ عقود، لكن الإدارة الحالية غير راغبة في النظر فيه، هذه هي المشكلة جزئياً، فهي لا تبدو مستعدة لجعل الأشياء أفضل، لديهم فقط هذا الانحياز ضد السياحة».


- في أوقات سابقة كانت الحقائب ذات العجلات

التي يجُرها السياح فوق الطرقات العتيقة

قد أثارت غضب أهالي البندقية، لدرجة أن السلطات

تعهدت بتغريم أي شخص يتم ضبطه، وهو

يستخدم هذا النوع من الحقائب، بمبلغ يصل

إلى 500 يورو.

طباعة