خشية اصطدام أميركي - روسي أو حدوث صراع كبير في الشرق الأوسط

العـالم بحـاجة إلى نظـام دولي جديد قبل حدوث الكارثة

صورة

نظام عالمي مستقر أمر نادر. عندما ينشأ نظام عالمي، فإنه يميل إلى أن يأتي بعد اضطراب كبير يخلق كلاً من الظروف والرغبة في شيء جديد. إنه يتطلب توزيعاً مستقراً للسلطة، وقبولاً واسعاً للقواعد التي تحكم سلوك العلاقات الدولية. كما يحتاج، أيضاً إلى فن قيادة مهني، نظراً لأن النظام تتم صياغته، ولا يولد. وبغض النظر عن مدى نضج شروط البداية أو الرغبة القوية، فإن الحفاظ عليه يتطلب دبلوماسية مبدعة ومؤسسات فاعلة وعملاً فعالاً، لتعديله عندما تتغير الظروف، وتدعمه عندما تنشأ التحديات.

في نهاية المطاف، من الحتمي أن ينتهي حتى النظام الأفضل إدارة، لأن توازن القوى، الذي يقوم عليه يصبح غير متوازن. فالمؤسسات التي تدعمه تفشل في التكيف مع الظروف الجديدة. وبعض البلدان تسقط، والبعض الآخر يرتفع، نتيجة تغير القدرات، وتعثر الإرادة، وتنامي الطموحات. أولئك المسؤولون عن إدارة النظام الدولي يرتكبون الأخطاء، سواء في ما يختارون القيام به، أو عدم القيام به.

كيفية تطور التدهور

ولكن إذا كانت نهاية كل نظام عالمي لا مفرَّ منها، فإن التوقيت وطريقة نهايته ليسا كذلك، أو ما يأتي في أعقابه. تستمر صلاحية النظام الدولي لفترة طويلة بدلاً من الانهيار المفاجئ. وكما أن الحفاظ على النظام يعتمد على أسلوب فعال في الإدارة الفعالة والعمل الفعال، فيمكن للسياسة الجيدة والدبلوماسية الاستباقية أن تساعد في تحديد كيفية تطور هذا التدهور وما يجلبه. لكن حتى يحدث ذلك، يجب أن يأتي شيء آخر أولاً: الاعتراف بأن النظام القديم لن يعود أبداً، وأن الجهود لإعادة إحيائه ستذهب سدى.

خلال البحث عن أوجه الشبه مع عالم اليوم، نظر الباحثون إلى حضارات بعيدة مثل اليونان القديمة، حيث أدى صعود قوة جديدة إلى نشوب حرب بين أثينا وسبارتا؛ والفترة التي تلت الحرب العالمية الأولى، عندما خضعت الولايات المتحدة الانعزالية والكثير من أوروبا لإرادة الآخرين، في وقت تجاهلت فيه ألمانيا واليابان الاتفاقيات وغزتا جيرانهما. لكن أكثر المقاربات توازناً في الوقت الحاضر هو «اتفاق أوروبا» في القرن التاسع عشر، وهو أهم وأكمل محاولة لبناء نظام عالمي، والحفاظ عليه حتى عصرنا. منذ عام 1815، وحتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، عرّف النظام الذي وُضع في مؤتمر فيينا العديد من العلاقات الدولية، وحدد القواعد الأساسية للسلوك الدولي، حتى وإن فشلت في كثير من الأحيان. لقد وفر نموذجاً لكيفية إدارة الأمن بشكل جماعي في عالم متعدد الأقطاب.

خيار مختلف

انبثق النظام العالمي في النصف الثاني من القرن العشرين، والجزء الأول من القرن الحادي والعشرين، من حطام حربين عالميتين. بعد هزيمة نابليون وجيوشه، اجتمع الحلفاء المنتصرون - النمسا وبروسيا وروسيا والمملكة المتحدة، القوى العظمى حينها - في النمسا عام 1814. وفي مؤتمر فيينا، شرعوا لضمان عدم تهديد جيش فرنسا دولهم مرة أخرى، وكي لا تهدد الحركات الثورية ممالكها. لقد رأت القوى المنتصرة من الحكمة، أيضاً، دمج فرنسا المهزومة، وهو خيار اختلف كثيراً عن ذلك الذي اتخذ مع ألمانيا، في أعقاب الحرب العالمية الأولى.

وأسفر المؤتمر عن نظام معروف باسم «اتفاق أوروبا». رغم أنه كان مُركزاً في أوروبا، إلا أنه شكل النظام الدولي في حينها، نظراً للموقف المهيمن لأوروبا والأوروبيين في العالم. وكانت هناك مجموعة من التفاهمات المشتركة حول العلاقات بين الدول، وأهمها اتفاقية استبعاد غزو بلد آخر، أو التدخل في الشؤون الداخلية لآخر دون إذنه.

التقى وزراء الخارجية، في ما أصبح يسمى «المؤتمرات»، كلما نشأت قضية رئيسة. أدخلت معاهدة فيينا العديد من التعديلات الإقليمية ثم أبقت حدود أوروبا على حالها، ولم تسمح بإجراء تغييرات إلا إذا وافق جميع الموقعين على الاتفاقية. كما أنها فعلت ما في وسعها لدعم الأنظمة الملكية، وتشجيع الآخرين على تقديم المساعدة (كما فعلت فرنسا مع إسبانيا عام 1823)، عندما كانت الأخيرة مهددة بالثورة الشعبية.

استغرقت المعاهدة من الناحية الفنية قرناً من الزمن، حتى عشية الحرب العالمية الأولى، لكنها توقفت عن لعب دور مجدٍ قبل ذلك بفترة طويلة. كشفت الموجات الثورية التي اجتاحت أوروبا بين 1830 و1848، عن حدود ما سيفعله الأعضاء للحفاظ على النظام القائم داخل البلدان في مواجهة الضغوط الشعبية. ثم جاءت حرب القرم. حاربوا ظاهرياً من أجل مصير المسيحيين الذين يعيشون داخل الإمبراطورية العثمانية، لكن في واقع الأمر كانوا مهتمين أكثر بالسيطرة على الأراضي، بعد أن تآكلت تلك الإمبراطورية.

تراجع تدريجي

ما الدروس التي يمكن استخلاصها من هذا التاريخ؟.. صعود وسقوط القوى الكبرى يحددان مدى صلاحية النظام السائد، لأن التغيرات في القوة الاقتصادية والتماسك السياسي والقوة العسكرية، تشكل ما تستطيع الدول القيام به بما يتجاوز حدودها. على مدار النصف الثاني من القرن الـ19، وبداية القرن الـ20، شهدت ألمانيا الموحدة القوية، واليابان الحديثة، تراجع الإمبراطورية العثمانية وروسيا القيصرية، وزادت قوة فرنسا والمملكة المتحدة، لكن لم تكن قوية بما فيه الكفاية. هذه التغييرات أفضت إلى توازن القوى، الذي كان أساس الاتفاقية. نظرت ألمانيا، على وجه الخصوص، إلى الوضع الراهن على أنه لا يتفق مع مصالحها.

كما أثرت التغييرات في السياق التكنولوجي والسياسي عن ذلك التوازن الأساسي. وفي ظل المعاهدة الدولية، تزايدت المطالب الشعبية بالمشاركة الديمقراطية بالتزامن مع اندفاع القومية داخل الدول، في حين أدت الأشكال الجديدة للنقل والاتصالات إلى تحويل السياسة والاقتصاد والحرب. الشروط التي ساعدت على إحياء الاتفاقية الأوروبية كانت تتراجع تدريجياً.

ومع ذلك، سيكون من الحتمية المفرطة أن نعزو التاريخ إلى الظروف وحدها. ولاتزال مهمة الاتفاقية العالمية مهمة. الدبلوماسيون الذين صاغوها، وهم: ماترنيخ النمساوي، وتاليراند الفرنسي، وكاسلريه البريطاني؛ كانوا أشخاصاً استثنائيين. إن حقيقة أن الاتفاقية التي تحافظ على السلام، رغم الفجوة بين بلدين ليبراليين نسبياً: فرنسا والمملكة المتحدة، وشركائهما الأكثر تحفظاً، تُظهر أن الدول ذات الأنظمة والتفضيلات السياسية المختلفة، يمكن أن تعمل معاً للحفاظ على النظام الدولي.

ربما كان من الممكن تجنب حرب القرم، لو كان هناك قادة أكثر قدرة وحذراً على الساحة. ومن غير الواضح على الإطلاق أن الإجراءات الروسية تبرر رداً عسكرياً من فرنسا والمملكة المتحدة، على الطبيعة وعلى النطاق الذي حدث. ويؤكد ما فعلته الدول، أيضاً، قوة ومخاطر القومية. لقد اندلعت الحرب العالمية الأولى جزئياً، لأن خلفاء المستشار الألماني أوتو فون بسمارك لم يكونوا قادرين على ضبط سلطة الدولة الألمانية الحديثة، التي عمل كثيراً لتحقيقها.

هناك درسان آخران بارزان: أولاً: ليست القضايا الأساسية فقط هي التي يمكن أن تتسبب في تدهور النظام العالمي. لم تنتهِ قوّة الاتفاقية الأوروبية بسبب الخلافات حول النظام الاجتماعي والسياسي في أوروبا، ولكن بسبب التنافس على الأطراف. ثانياً لأن النظام العالمي يميل إلى أن ينتهي بانحناء بدلاً من انفجار، فإن عملية التدهور غالباً تكون غير واضحة لصناع القرار إلى أن تستفحل بشكل كبير. وقبيل اندلاع الحرب العالمية الأولى، عندما أصبح من الواضح أن «اتفاق أوروبا» لم يعد صامداً، كان الأوان قد فات لإنقاذه، أو حتى إدارة حله.

ريتشارد هاس رئيس مجلس العلاقات الخارجية بالولايات المتحدة الأميركية


نظامان متوازيان

تألف النظام العالمي، الذي بني في أعقاب الحرب العالمية الثانية، من نظامين متوازيين في معظم الأوقات. نشأت الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. في جوهرها كان هناك توازن تقريبي للقوة العسكرية في أوروبا وآسيا، مدعوم بالردع النووي. وأظهر الجانبان درجة من ضبط النفس في التنافس. «التراجع» مصطلح الحرب الباردة لما يسمى اليوم «تغيير النظام»، رُفض لأنه غير مجدٍ ومتهور. وقد اتبع كلا الجانبين قواعد غير رسمية، تتضمن احتراماً جيداً للأفنية الخلفية وحلفاء بعضهما بعضاً. في نهاية المطاف، توصلوا إلى تفاهم حول النظام السياسي في أوروبا، الساحة الرئيسة لمنافسة الحرب الباردة. وفي عام 1975، تقنن ذلك التفاهم المتبادل في اتفاقيات هلسنكي. حتى في عالم مقسم، اتفق مركزا القوى على كيفية شن المنافسة؛ كان لهما نظام يعتمد على الوسائل بدلاً من الغايات. لم يكن هناك سوى مركزين للقوة، جعلا الوصول إلى مثل هذا الاتفاق سهلاً.

كان النظام الآخر لما بعد الحرب العالمية الثانية هو النظام الليبرالي، الذي عمل جنباً إلى جنب مع نظام الحرب الباردة. وكانت الديمقراطيات هي المشاركة الرئيسة في هذا الجهد، حيث استخدموا المساعدات والتجارة، لتعزيز الروابط واحترام سيادة القانون داخل البلدان وفي ما بينها. وقد تم تصميم البعد الاقتصادي لهذا النظام لتحقيق عالم تحدده التجارة والتطوير والعمليات المالية. وكانت التجارة الحرة محركاً للنمو الاقتصادي، إذ ارتبطت البلدان ببعضها بعضاً، بحيث تُعتبر الحرب باهظة الكلفة للغاية؛ وتم قبول الدولار كعملة عالمية فعلية.

وأعطى البعد الدبلوماسي للنظام العالمي الأولوية للأمم المتحدة. وكانت الفكرة أن هذا المنتدى العالمي الدائم يمكن أن يمنع أو يحل النزاعات الدولية. إن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، الذي يضم خمسة أعضاء دائمين ذوي قوة عظمى ومقاعد إضافية لعضوية متناوبة، سينظم العلاقات الدولية. ومع ذلك، فإن الأمر كان يعتمد - إلى حد كبير - على رغبة العالم غير الشيوعي، وحلفاء الولايات المتحدة على وجه الخصوص، في قبول الصدارة الأميركية.

كلا النظامين يخدم مصالح الولايات المتحدة. وتم الحفاظ على السلام الأساسي في كلٍّ من أوروبا وآسيا، بثمن يمكن أن يتحمله الاقتصاد الأميركي المتنامي بسهولة. وأسهمت زيادة التجارة الدولية وفرص الاستثمار في النمو الاقتصادي الأميركي. بمرور الوقت، انضم المزيد من البلدان إلى صف الديمقراطيات. لم يعكس أيٌّ من النظامين إجماعاً مثالياً. بدلاً من ذلك، حاز كل منهما اتفاقاً كافياً، بحيث لم يتم تحدي أي منهما بشكل مباشر. ودخلت السياسة الخارجية الأميركية في مشكلات - كما هي الحال في فيتنام والعراق - ولم يكن ذلك بسبب التزامات التحالف أو اعتبارات النظام، وإنما بسبب قرارات غير حكيمة، وشن حروب اختيارية مكلفة.

كان النظام الآخر لما بعد الحرب العالمية الثانية، هو النظام الليبرالي الذي عمل جنباً إلى جنب مع نظام الحرب الباردة. وكانت الديمقراطيات هي المشاركة الرئيسة في هذا الجهد، حيث استخدموا المساعدات والتجارة، لتعزيز الروابط واحترام سيادة القانون داخل البلدان.. وفي ما بينها.

أعطى البعد الدبلوماسي للنظام العالمي الأولوية للأمم المتحدة. وكانت الفكرة أن هذا المنتدى العالمي الدائم يمكن أن يمنع أو يحل النزاعات الدولية.

طباعة