كما حدث في الأساطير القديمة

ماتيس.. المسؤول الأميركي الوحيــــد الذي خالف علانيّة «الإمبراطور ترامـــب»

صورة

تحدثت الأنباء الخميس الماضي عن استقالة وزير الدفاع الأميركي، الجنرال جيمس ماتيس، بعد شعوره بالغضب من قرار الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، المفاجئ بشأن انسحابه من سورية وعزمه الانسحاب من أفغانستان. ويمثل ماتيس واحداً من فريقين من المسؤولين في إدارة ترامب، أحدهما يقدر التحالفات والالتزامات الدولية للولايات المتحدة، وفريق آخر، مثل ترامب، لا يأبه بذلك. وأشار ماتيس لهذه النقطة بشكل واضح في رسالة استقالته: «لأنك تملك الحق في أن يكون لك وزير دفاع تتماشى رؤيته بشكل أفضل مع رؤيتك بشأن هذه القضايا وغيرها، لذا أعتقد أنه من الصواب أن أتنحّى عن منصبي». فمن هو ماتيس؟

هو من المسؤولين الأميركيين القلائل الذين عيّنهم ترامب في مناصب رفيعة ليتخلوا عن مناصبهم طواعية، بعد اختلافهم مع الادارة، دون أن يخدش ترامب كرامتهم. وتجدر الإشارة إلى أن العلاقة بين ترامب وماتيس بدأت بشكل جيد، التقيا أول مرة في نادي ترامب للغولف في بدمينستر بولاية نيو جيرسي في منتصف نوفمبر 2016، للتباحث بشأن وظيفة وزير الدفاع. وعندما اختاره ترامب لهذا المنصب علّق قائلاً: «هذه هي الصفقة الرابحة، وهذا هو الجندي الحقيقي».

الكلب المسعور وألقاب أخرى

بسبب شغفه بساحات المعارك، وعدم تهاونه مع أعداء أميركا، لقّب البعض ماتيس بـ«الكلب المسعور»، وخلال تدرّجه في الرتب، ولأنه نذر نفسه للحياة العسكرية ولم يتزوج ولم ينجب أولاداً، أطلق عليه البعض الآخر أيضاً لقب «ناسك الحرب».

في عام 2003 أثناء حرب العراق، أوضح ماتيس في رسالة إلكترونية إلى أحد زملائه الضباط أن القراءة المتعمقة حول تاريخ الحروب تستطيع أن تنقذ حياة الأميركيين في ساحة المعركة. وكتب يقول: «من خلال القراءة، تتعلم من تجربة الآخرين، وبشكل عام فإن القراءة أفضل طريقة لإنجاز المهام، خصوصاً في مجال عملنا، حيث تكون عواقب عدم الكفاءة أمراً قاتلاً بالنسبة للشباب». ولهذا السبب نصح ماتيس الجنود الاميركيين إبان الحرب على العراق، قائلاً لهم: «كونوا مهذبين ومهنيين، لكن ينبغي أن تكون لديكم خطة لتقتلوا أي شخص يواجهكم».

الحياة العسكرية

انضم ماتيس لقائمة الاحتياط في سلاح مشاة البحرية عام 1969عندما كان عمره 18 عاماً فقط في أوج حرب فيتنام. وتخرّج في الكلية الحربية برتبة ملازم ثانٍ عام 1971. وبعد سنوات عدة، ظهر لأول مرة في الأشهر التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر، وقاد مشاة البحرية في أشرس هجوم جوي في تاريخ القتال الأميركي بالقرب من العاصمة الفعلية لحركة «طالبان»، قندهار، في جنوب أفغانستان، التي استولى فيها جنود البحرية على مطار قندهار الرئيس.

تولى ماتيس مهام القيادة المركزية الأميركية خلال إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، للإشراف على العمليات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط. وسعى للقيام بعمل عسكري ضد أهداف في إيران، بعد أن قتلت القوات الإيرانية جنوداً أميركيين في العراق عام 2011، ما أثار جدلاً ولغطاً في البيت الأبيض، لأن أوباما كان يسعى لإكمال المفاوضات حول صفقة نووية مع إيران، ومن المؤكد أن أي هجوم على الأراضي الإيرانية سيؤثر في ذلك. كان أشد المنتقدين لإيران، ووصف النظام الإيراني بأنه «التهديد الدائم الوحيد للاستقرار والسلام في الشرق الأوسط».

قاد الجنرال ماتيس كتيبة هجومية خلال حرب الخليج الأولى في عام 1991، وقاد قوة مهام في جنوب أفغانستان في عام 2001. كما قاد فرقة من مشاة البحرية خلال غزو العراق في عام 2003، ولعب دوراً رئيساً بعد عام من ذلك في معركة الفلوجة. وشارك في تأليف دليل لمكافحة التمرد، والذي كان له الفضل في تخفيف العنف الطائفي في العراق، قبل الانسحاب الأميركي في ديسمبر 2011.

عبارات جريئة

في عام 2005، تعرض الجنرال ماتيس لانتقادات بسبب التعليقات التي أدلى بها أثناء حديثه مع أفراد القوة في سان دييغو، حيث قال في حلقة نقاش: «من الممتع إطلاق النار على بعض الناس، سأكون معكم هناك، أحب القتال»، ويمضي قائلاً: «عندما تذهبون إلى أفغانستان ستجدون رجالاً يجلدون النساء منذ خمس سنوات لأنهن لا يرتدين الحجاب»، ويسترسل «إنكم تعلمون أن رجالاً مثل هؤلاء لم يتبقّ لديهم أي رجولة، لهذا فإنه من الممتع أن تطلق النار عليهم».

وتقول قيادة سلاح مشاة البحرية في ذلك الوقت الذي تحدّث فيه: «إن على الجنرال أن ينتقي ملاحظاته ويختار عباراته بعناية أكبر». ودافع عن ضربة عسكرية أسفرت عن مقتل 42 شخصاً في العراق عام 2004 زعمت الولايات المتحدة إنها استهدفت مقر أمن للمسلحين، لكن الناجين وعدداً كبيراً من التقارير أكدت أنه حفل زفاف. ونقل عنه قوله في ذلك الوقت: «إن كثيراً من الأمور السيئة تحدث في الحروب، لا يتعين عليّ الاعتذار عن تصرف رجالي».

وبصرف النظر عن عباراته القاسية، فإن آرائه ومعتقداته في السياسة الخارجية تختلف في بعض المجالات عن آراء الإدارة الأميركية. وذكر ترامب لصحيفة نيويورك تايمز إنه «فوجئ» باكتشاف أن الجنرال ماتيس لا يحب وسيلة الإيهام بالغرق، التي يستخدمها المحققون للضغط على المتهمين. ونقل ترامب عنه قوله إنه «لا يرى قط أن هذه الوسيلة مفيدة»، ويمكن أن «يكون من الأفضل تقديم مشروب للمتهم مع السجائر». وانتقد بشدة الصفقة النووية الإيرانية، ولكن في خطاب ألقاه أمام مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في أبريل، قال إنه «لا يجب النكوص عن الاتفاق»، الذي نقضه ترامب في ما بعد، وقال إن الولايات المتحدة ستكون لوحدها على مستوى العالم إذا حاولت أن تمزق أو تخرج من الصفقة، بل يجب أن تركز بدلاً من ذلك على إنفاذ الصفقة، والاستعداد لمزيد من التهديدات.

الممارسات الخارجية

حذّر ماتيس من أن واشنطن لم تأخذ بجدية التحركات العسكرية الروسية ضد جيرانها، حيث ضمت شبه جزيرة القرم ودعمت الانفصاليين في أوكرانيا، كما انتقد وجهة نظر ترامب بأن حلف شمال الأطلسي (ناتو) «عفا عليه الزمن»، وتحدى اقتراحه بأن بعض حلفاء الناتو لا يدفعون حصتهم العادلة، لكنه حذر، مثل ترامب، من الإفصاح عن معلومات حول الاستراتيجية ضد الأعداء مثل «داعش»، وتحديداً في القول إنه لن يكون هناك «جنود على الأرض».

استفاد من الدرس

أجبرت إدارة أوباما ماتيس على التقاعد من الجيش قبل خمسة أشهر من انتهاء خدمته نتيجة عدائه لإيران، وعلم ماتيس عن قرار إحالته للتقاعد عندما أعطاه أحد مساعديه مذكرة مفادها أن وزارة الدفاع الأميركية (بنتاغون) أعلنت عن بديله في القيادة المركزية الأميركية. ولم يكلف البيت الأبيض أو البنتاغون نفسيهما بتقديم إشعار له بإنهاء خدماته. ومن المؤكد أن هذه التجربة ساعدته في أن يكون حذراً مع إدارة ترامب، وأن يتركها وفقاً لشروطه الخاصة بدلاً من إقالته. وبعد كل شيء، فإن حليف ماتيس الوثيق، وزير الخارجية السابق، ريكس تيلرسون، علم بخبر إقالته خلال رحلة إلى إفريقيا، وعندما عاد إلى البلاد أبلغه ترامب بإقالته عن طريق تغريدة بأنه أصبح خارج الخدمة.

ماتيس كان صفقة رابحة لترامب لكنه خسر الصفقة. أ.ب

بعض أقوال ماتيس

■ «لا يصيبني الأرق ليلاً بشأن أي فشل محتمل، حتى إنني لا أستطيع تهجئة كلمة فشل».

■ «عندما تطلق النار على أي شخص للمرة الأولى فإن هذه اللحظة ليست حدثاً عابراً، وإنما تدل على أن هناك غبياً في هذا العالم ينبغي القضاء عليه».

■ «إن أهم ست بوصات في ساحة المعركة هي بين أذنيك».

■ «لا يوجد شيء أفضل من أن يطلق أحدهم النار عليك، ولكن لا تصاب. إنه أمر رائع حقاً».

• انتقد ماتيس بشدة الصفقة النووية الإيرانية.. لكنه طالب في ما بعد بعدم «النكوص عــــــن الاتفاق».

طباعة