انفجار في قرية أفغانية نائية يغيّر حياة أسرة بكاملها إلى الأبد - الإمارات اليوم

قصة إنسانية مُحزنة تروي مآسي الحرب

انفجار في قرية أفغانية نائية يغيّر حياة أسرة بكاملها إلى الأبد

صورة

تجمّع أحد عشر شخصاً من عائلة ميرزا غول، 10 منهم أطفال، حول جسم غريب كان مُلقى على الأرض خارج منزلهم. كانت الساعة السادسة من صباح يوم 29 أبريل. في الليلة السابقة اشتبكت حركة «طالبان» في قتال مرير مع جنود الحكومة قريباً من القرية. حمل اثنان من الأطفال الجسم الغريب داخل المنزل، وأدرك أحد الأطفال، واسمه جليل، يبلغ من العمر 16 سنة، أنه شيء خطر، صاروخ لم ينفجر خلال المعركة في الليلة السابقة. حاول انتزاعه بعيداً عنهم، إلا أن هذا الجسم سقط وانفجر خلال صراعهم مع جليل. لقد كان يوماً قاسياً، حتى بمعايير حرب أفغانستان الطويلة.

وبحلول الليل، لقي أربعة أشخاص مصرعهم في المستشفى، بمن فيهم جليل، الذي حاول إنقاذهم جميعاً. وفقدت إحدى الفتيات، وهي مروة، البالغة من العمر أربع سنوات، شقيقتها التوأم صفوى، وأمهما بريخنا، التي كانت قريبة منهن تعد الحطب للطبخ. كما قُتل في الانفجار واحدة من بنات أخ بريخنا تبلغ من العمر ست سنوات.

ما قبل الحادث المؤلم

أمضت عائلة ميرزا غول ليلة 28 أبريل دون أن يغمض لها جفن جراء صوت الرصاص وانفجارات الصواريخ وأزيز المدافع خارج منزلهم. وظل راعي الأسرة الممتدة، يتوجس خيفة من أن تصاب أسرته الكبيرة، التي يبلغ تعدادها 24 شخصاً، بسوء، ولا يتبقى منها فرد واحد على قيد الحياة حتى الصباح، ولكن لم يكن الأطفال خائفين، فقد اعتادوا أصوات الانفجارات وجلبة الحرب في قريتهم «سعيد طوبا» الصغيرة شرق أفغانستان.

وبحلول الساعة السادسة صباحاً، توقّف القتال وبدأ بعض الأطفال يشقّون طريقهم في حقول القمح الجافة إلى المدرسة. فجأة عثر أحدهم على شيء يبدو جميلاً في ظاهره، أخضر اللون في حجم هراوة الشرطة، حمله وذهب به للمنزل ليراه الآخرون.

وتختلف رواية ما حدث بعد ذلك من طفل لآخر، فبعد أن تجمّع ما يقرب من 12 طفلاً حول هذا الجسم، الذي هو في الأصل صاروخ من نوع آر بي جي، انفجر وسط الأطفال جراء سقوطه على الأرض، وسمع ميرزا غول، البالغ من العمر 60 عاماً، صوت الانفجار على بعد نصف ميل عندما كان يقود جراره، وتحول الانفجار الى سحابة من الغبار خارج منزله.

الأطفال ضحايا الصراع

بعد 17 سنة من الحرب بين حركة «طالبان» والقوات الأفغانية المدعومة بقوات أجنبية، ظل العنف يتخذ إيقاعاً ثابتاً، حيث قضى المقاتلون، الذين استهدفوا الانتخابات التشريعية التي جرت في 20 - 21 أكتوبر، على العشرات من السكان. وقبل ثلاثة أيام من ذلك قضى المقاتلون على قيادة قندهار بكاملها تقريباً، في هجوم أوشك على القضاء على قائد الحرب الأميركي، الجنرال أوستن إس ميلر. ودفع المدنيون ثمناً باهظاً في هذا النزاع الذي دام لسنوات، ولقي كثيرون مصرعهم بسبب عبوات ناسفة أو تفجيرات انتحارية، أو غارات جوية. ومن بين أكثر من 8050 من غير المقاتلين، الذين قتلوا أو جرحوا حتى الآن هذا العام، وفقاً لتقارير الأمم المتحدة، قضى 337 شخصاً بسبب العبوات الناسفة غير المنفجرة، التي ظلت متروكة في ساحة المعركة، ويمثل الأطفال 90٪ منهم.

ومن بين هؤلاء أفراد عائلة ميرزا غول، الذين أحاطوا بقذيفة الآر بي جي غير المنفجرة، حيث قطعت شظاياها أجسادهم من أصابع القدم حتى الفخذين. وفقد خمسة منهم أجزاءً من سيقانهم، وفقد اثنان معظم هذه الأجزاء، وفقد ثلاثة أطفال، وشخص بالغ كان معهم، حياتهم قبل وصولهم للمستشفى. والسؤال هو من هي الجهة المسؤولة عن ذلك، هل هم الجنود أم المقاتلون، لم يكن غول متأكداً بالضبط، وبالنسبة للضحايا لا يشعرون بأي فرق بشأن الجهة الملامة.

في عام 2008، نقل ميرزا غول عائلته من منطقة مجاورة تسيطر عليها حركة «طالبان» إلى هذه القرية، لكي يتمكن أطفاله من الالتحاق بالمدارس. وروى أن «صبية يبلغون من العمر ثمانية أعوام كانوا يحملون أسلحة ويتوشحون بأحزمة الرصاص»، يتجولون خارج منزله في مايو. وخشي أنه في حالة عدم مغادرة هؤلاء الصبية المكان، فإن أولاده سيقعون تحت سيطرة المقاتلين.

بحلول عام 2014، عادت الحرب إلى المكان من جديد، وأصبحت قريتهم، الواقعة في منطقة «سُرْد رود» أرضاً محصورة بين طريق سريع تسيطر عليه الحكومة والجبل الأسود الذي يسيطر عليه «طالبان»، وسمّي بهذا الاسم لأن الثلوج لا تسقط أبداً هناك.

وفي ذلك العام، سلمت القوات الدولية مسؤولية أمن البلاد للحكومة الأفغانية، وبدأت بمطاردة المقاتلين الأفغان المتمركزين على الطريق السريع. وناشد شيوخ محليون الجانبين الابتعاد عن منازل القرية، ووافق المتقاتلون، ولكن لم يتغير شيء.

في 29 أبريل، وصل الأطفال السبعة الذين نجوا من انفجار الآر بي جي - وجميعهم من عائلة ميرزا غول - إلى مستشفى نانجارهار الإقليمي في جلال آباد عند الساعة 7 صباحاً. وقال جراح العظام بالمستشفى، واسمه بلال سيد ميخيل: «كانت العضلات والأوتار تتدلى من أرجلهم». واسترسل «كانت إصاباتهم كبيرة لدرجة أنه لم يكن هناك علاج سوى بتر الأطراف لوقف النزيف».

وفقدت مروة (أربع سنوات)، والتي قُتلت والدتها وشقيقتها التوأم في الانفجار، جزءاً من ساقها اليمنى. وكذلك الأمر مع أمان (خمس سنوات)، وربيع (سبع سنوات) ومانجال (ثماني سنوات)، أما بشير (تسع سنوات)، فقد فقد ساقه اليسرى من تحت الركبة، وفقد أخوه التوأم عبدالرشيد كلا ساقيه من تحت الركبة. وفقد شفيق الله (12 عاماً) ساقيه اللتين بُترتا من فوق الركبة. أربعة من هؤلاء الاطفال هم أبناء ميرزا غول، أما أمان فهو حفيده. ولمدة شهر بأكمله ظل ميرزا غول ينام على أرضية الجناح الذي كان يتعالج فيه أطفاله بالمستشفى. وبقيت حفيدته وابنة أخته في الطابق العلوي في جناح النساء. كان ميرزا غول يتنقل من فراش لآخر في محاولة منه لتهدئة الأطفال، الذين ظلت صرخاتهم تتردد داخل المستشفى خلال معالجة جروحهم.

أيام بطيئة

مرت الأيام ببطء وبدأت جروحهم تلتئم، وجلب ميرزا غول ألعاباً من البازار ليلعب بها الأطفال في أسِرَّتهم بالمستشفى. وكان شفيق الله، حريص على عدم التراجع عن الدراسة. وفي نهاية المطاف حان وقت مغادرة المستشفى، وكان عبدالرشيد آخر من خرج منها إلى منزله في 31 مايو، حيث تحدث إلى شقيقه التوأم بسعادة غامرة «نحن قادمون الآن».

بعد مغادرة المستشفى ظلت العائلة الممتدة تسافر بانتظام بسيارات الأجرة إلى مركز تقويم العظام التابع للجنة الدولية للصليب الأحمر في جلال آباد، لكي يتعلم المصابون كيفية استخدام العكازات، وأيضاً لتركيب أطراف اصطناعية. وبحلول أغسطس، تم تزويدهم بأطراف اصطناعية، وكل زوج من هذه الأطراف يأتي مع أحذية رياضية. يقول رئيس برنامج تقويم العظام باللجنة الدولية للصليب الأحمر، ألبيرتو كايرو، إنه «أمر استثنائي للغاية» أن يرى العديد من الجرحى من عائلة واحدة. ومنذ ذلك الحين، أصبح للأفراد السبعة أطراف اصطناعية، بعضها تبرعت به منظمة غير حكومية. ويقول ميرزا غول: «بما أن لديهم أرجلاً يمشون بها، فإنهم أكثر سعادة، وصاروا يأكلون أكثر مما كان عليه الحال قبل تركيب هذه الأطراف».

استمر تأهيلهم خلال الخريف، وكانوا يدرسون معاً في الصباح ويلعبون في الخارج في فترة بعد الظهر. ويدرك هؤلاء الأطفال الآن أن تعليمهم أصبح أكثر أهمية من أي وقت مضى. ويقول ميرزا غول بصراحة أكثر: «من دون تعليم فإنهم لا شيء».

انحسار القتال

بعد هذه الحادثة مباشرة أخبر كبار القرية جماعة «طالبان» بما حدث، ولهذا السبب انحسر القتال حول منازل القرية منذ ذلك الحين، لكنه لم يتوقف تماماً. فبعد شهرين من الانفجار الذي أصاب عائلة ميرزا غول فجّر فريق من الجيش الافغاني صاروخاً مماثلاً لذلك الذي أصاب عائلة خيل سقط خلف منزلهم مباشرة، وقبل أن يغادر الفريق مكانه ظهر ميرزا غول من مكان ما كان يراقب فيه الفريق، وقدّم لهم بحذر شديد قنبلة يدوية عثر عليها في طريقة إلى القرية.

• بعد 17 سنة من الحرب بين حركة «طالبان» والقوات الأفغانية المدعومة بقوات أجنبية، ظل العنف يتخذ إيقاعاً ثابتاً، حيث قضى المقاتلون، الذين استهدفوا الانتخابات التشريعية التي جرت في 20 - 21 أكتوبر، على العشرات من السكان.

طباعة