كندا تشرّع استهلاك «الماريغــوانــا» رغم المحاذير الصحية والأخلاقية - الإمارات اليوم

خبراء أكّدوا أثرها السلبي وخطرها على الأطفال والمراهقين

كندا تشرّع استهلاك «الماريغــوانــا» رغم المحاذير الصحية والأخلاقية

صورة

أصبحت كندا ثاني بلد في العالم يشرع تعاطي الماريغوانا، بعد الأوروغواي. في حين أن بعض الولايات الأميركية قد تحركت لإضفاء الشرعية على هذا المخدر، في السنوات الأخيرة، إلا أن هذه القضية المسيسة إلى حد كبير كانت موضوعاً للنقاش والانقسام لعقود عدة. ويرى المعارضون لتشريع استهلاك الماريغوانا أن العقار خطر، ما يزيد من خطر تعرض الشخص للمرض العقلي، وإلحاق الضرر بالذاكرة على المدى الطويل. وسهولة الوصول إليها بشكل قانوني، سيزيد من استخدامها من قبل الناس، كما سيقبل مزيد من الأطفال على تدخينها، مع تزايد الإدراك العام بأن «الدواء» آمن، لأنه قانوني.

- «الجمعية الطبية

الكندية» تشير إلى

أن البلاد مُقبلة على

تجربة غير

خاضعة للرقابة، إذ تم

إعطاء الأولوية لأرباح

منتجي القنّب

وعائدات الضرائب

بشكل مباشر،

على حساب صحة

الكنديين.

في المقابل، يشير الفريق المؤيد لتشريع الماريغوانا، في كندا، إلى أن الإيجابيات تفوق بكثير السلبيات. وحجتهم هي أن التقنين سيقلل من الجريمة، ويقضي على السوق السوداء للمخدرات، ويدعم الحكومة بمئات الملايين من الدولارات الضريبية الجديدة، كل عام. كما يشير المدافعون عن إضفاء الشرعية على عدم وجود دليل على أن استخدام الماريغوانا سيزداد بعد الموافقة على القانون.

إنها «تجربة اجتماعية» عملاقة، لم يشهدها العالم من قبل، وقد بدأت في كندا، ومن المتوقع أن تقدم نظرة واضحة على إيجابيات وسلبيات هذه المادة المخدرة التي باتت «قانونية» منذ أسبوع. وخلال السنوات القليلة المقبلة، من المؤكد أن الأكاديميين وصانعي القوانين والحكومات في جميع أنحاء العالم يراقبون هذا البلد عن كثب. ولاشك أن إضفاء الشرعية القانونية على هذا العقّار، على هذا النطاق الواسع، سيقدم بعض الإجابات الواضحة عن أسئلة كانت محل جدل كبير في الغرب لسنوات عدة.

مخاوف كبيرة

ومن بين المخاوف الكبيرة التي تثار في كثير من الأحيان حول إضفاء الشرعية على القنب أو الماريغوانا، هو أنه عن طريق إزالة المحرمات من وضعها غير المشروع، سيدفع المزيد من الناس لاختبارها وتجربة تعاطيها، بمن في ذلك المزيد من الأطفال والمراهقين. وتم خلط البيانات حتى الآن حول هذه المسألة، ففي الولايات المتحدة، تقدم ولاية كولورادو أفضل مؤشر إلى مدى تأثير التشريع على معدلات الاستخدام العامة. وكانت الولاية من الأوائل التي أدخلت تقنيناً ترفيهياً كاملاً في عام 2013، وكانت النتائج حتى الآن مثيرة للجدل، على أقل تقدير.

وخلصت إحدى الدراسات إلى أن استخدام البالغين للماريغوانا في ولاية كولورادو، في الشهر الماضي، ارتفع بنسبة 63% في المتوسط، بعد سنتين، مقارنة مع متوسط عامين قبل التقنين. وفي الفترة نفسها، زاد استخدام الماريغوانا بين الشباب بنسبة 20٪.

وذكر مسح آخر، أجري حديثاً، أنه في حين أن استخدام الكبار للعقّار قد ارتفع بشكل طفيف منذ إضفاء الشرعية، فقد ظل استخدام الشباب دون تغيير. وعلى الصعيد العالمي، هناك أدلة واضحة تشير إلى عدم وجود صلة بين قوانين المخدرات المخففة وزيادة الاستخدام. والبرتغال هي أكثر حالة مقنعة للعالم بالنسبة لتأثيرات إلغاء التجريم الجماعي للمخدرات.

ففي عام 2001، اتخذت البرتغال قراراً بعدم تجريم تعاطي جميع العقاقير. ونقل القانون الاستخدام الشخصي وحيازة العقاقير الترفيهية من جريمة جنائية إلى قضية «رعاية صحية». وكانت المخدرات لاتزال غير قانونية، لكن إذا تم ضبط شخص ما بكميات صغيرة، فلن يذهب إلى المحكمة، بل يمثل أمام «لجنة إدمان المخدرات». وتضم هذه اللجان أخصائيين اجتماعيين وأطباء نفسيين ومحامين، لتحويل المتعاطين من قضية جنائية إلى برامج إعادة التأهيل أو الرعاية الاجتماعية.

ومع ذلك، يمكن أن تندمج البيانات في مجموعة متنوعة من الاستنتاجات، وقد اكتسبت التجربة البرتغالية انطباعات متباينة حول ما إذا كان إلغاء التجريم على مستوى البلد أمراً مفيداً. هل ستقدم كندا بعض الإيضاحات في قضية «الاستخدام مقابل إضفاء الشرعية؟»، فقط الوقت كفيل بإثبات ذلك.

ممارسة الضغط

قبل يومين من ممارسة الضغط في البرلمان الكندي للموافقة على تشريع الماريغوانا، نُشرت مقالة افتتاحية شديدة اللهجة في مجلة «الجمعية الطبية الكندية»، تشير إلى أن البلاد مُقبلة على «تجربة وطنية غير خاضعة للرقابة، إذ تم إعطاء الأولوية لأرباح منتجي القنب وعائدات الضرائب بشكل مباشر، على حساب صحة الكنديين»، كما انضمت الجمعية الكندية للطب النفسي إلى مجموعة من المهنيين الطبيين المهتمين بالتشريع الجديد، إذ أصدرت بياناً يشير إلى أنه نظراً لآثار العقار على الأدمغة في طور النمو، فيجب أن يكون أكثر تقييداً لأولئك الذين تقل أعمارهم عن 25 عاماً.

يقول رئيس الجمعية الكندية للطب النفسي، الدكتور ويي سونغ: «هناك أدلة قوية تثبت أن استخدام الحشيش في وقت مبكر ومنتظم يمكن أن يؤثر في الإدراك، بما في ذلك الذاكرة والانتباه والذكاء والقدرة على معالجة الأفكار والخبرات»، موضحاً «كما يمكن أن يزيد من خطر الإصابة باضطراب ذهني أولي، بالإضافة إلى مشكلات الصحة العقلية الأخرى، مثل الاكتئاب لدى الأشخاص المعرضين».

من الواضح أنه بالنسبة لأولئك المعرضين لمشكلات الصحة العقلية، يمكن للماريغوانا تضخيم تلك المشكلات. ومع ذلك، فإن تأثير التشريع، أو إلغاء التجريم، في هذه العوامل من منظور مجتمعي شامل، يبقى غير واضح. وبعد أربع أو خمس سنوات من التقنين في أجزاء من الولايات المتحدة، لا نعرف ما إذا كانت معدلات مشكلات الصحة العقلية آخذة في الارتفاع أم لا. ربما يكون من المنطقي افتراض أنه إذا لم ترتفع معدلات الاستخدام بشكل ملحوظ، فإنه لا ينبغي أن تكون معدلات مشكلات الصحة العقلية قد ارتفعت، أيضاً.

وركزت دراسة واحدة، فقط، على معدلات الانتحار والقبول في مراكز العلاج من تعاطي المخدرات، في جميع أنحاء ولايتي كولورادو وواشنطن، خلال أول عامين من تقنين الماريغوانا. وكانت معدلات الانتحار تشهد ارتفاعاً طفيفاً، ولكن التقرير خلُص إلى أنه من الهامشي للغاية أن ترتبط مع تقنين العقّار المُخدر.

دراستان

العلاقة بين استخدام الماريغوانا وحوادث المرور لاتزال رهن البيانات المتناقضة. ووصل هذا الخلاف إلى ذروته عندما تم إصدار دراستين، في أسبوع واحد، العام الماضي. وقيّمت كلتا الدراستين تأثير السماح باستخدام الماريغوانا في الحوادث المرورية، وخلُصت الدراستان إلى استنتاجات متعاكسة. وأشارت الدراسة الأكثر سلبية إلى أن ارتفاع متوسط معدل الاصطدامات المرورية بلغ 3%، وذلك بسبب تقنين العقّار عبر ولايات كولورادو وواشنطن وأوريغون. ووجدت الدراسة الأخرى، التي فحصت معدلات الوفيات الناجمة عن الاصطدام، أنه لم يحدث أي ارتفاع على الإطلاق في كل من كولورادو وواشنطن مقارنة ببقية البلاد.

الحد المسموح

يؤكّد مسؤولو الصحة العامة الكندية أن تدخين الحشيش ضار مثل التبغ، لكنهم يرحبون بالتشريعات القانونية التي تتيح لهم الحوار المفتوح. وفي الوقت نفسه، تكافح الشرطة للتحضير لارتفاع متوقع في القيادة تحت تأثير المخدرات، وهي غير مستعدة بعد لفرض رسوم جديدة، والتي تتطلب اختبارات الدم في غضون ساعتين من سحب العينات لتظهر مستويات أعلى من الحد المسموح به من المخدرات. وفي ذلك يقول أنطونيو فيغانو، المتخصص بمختبر الماريغوانا الطبي ومدير الأبحاث في عيادة «سانتي كانابيس» في مونتريال: «كطبيب وكأب، لا أوافق على تشريع القنّب الترفيهي (الماريغوانا)»، مشيراً إلى خطر ارتفاع الاستهلاك بين الشباب. من جهتها، أوضحت جيليان كونيلي، من وكالة الصحة العامة في أوتاوا، أن «هناك مخاوف صحية، لكن التشريع يخلق فرصة لإجراء مناقشات حول استهلاك الحشيش»، متابعة «على سبيل المثال، سيبدأ الآباء في التحدث مع أطفالهم حول هذا الموضوع، إذ إننا على مدى عقود كنا نقول فقط (لا تستخدم)، ولكن هذا لم ينجح».

الكنديون من أكثر المستهلكين للقنّب في العالم، إذ استهلك 4.6 ملايين شخص هذا المخدر، أي واحد من أصل ثمانية أشخاص هذا العام، بما في ذلك 18% من الشباب في أوتاوا. وتقول الحكومة إن هناك جهداً منسقاً لإيصال معلومات إلى الناس حول أضرار القنّب، وسيكون لدى الناس أيضاً معلومات حول ما يستهلكونه، مع وجود مستويات المواد المخدرة على العبوة، من أجل اتخاذ قرارات صحيحة بشأن الكمية المناسبة التي يمكنهم تناولها.

وأرسلت الحكومة رسالة عبر البريد الإلكتروني إلى 14 مليون أسرة تحدّد الأساسيات، بما في ذلك التحذيرات الصحية، وضرورة إبقاء الحشيش بعيداً عن الأطفال والحيوانات الأليفة. إلى ذلك، اشتركت منظمة «أمهات ضد القيادة في حالة سكر» و«أوبر» ومزارعو القنّب في حملة ضد القيادة تحت تأثير مخدّر القنّب.

هبوط كبير

إن إضفاء الشرعية على الماريغوانا يعد تغييراً كبيراً للمجتمع، ويمكن أن يؤدي أيضاً إلى عدد من التأثيرات غير المتوقعة، الإيجابية منها والسلبية. ونظر الباحثون إلى فعالية تطبيق القانون في تشريعات الولايات الأميركية، بافتراض أنه بمجرد أن يتم إعفاء الشرطة من عبء جرائم الماريغوانا، سيكون لديهم المزيد من الوقت لحل الجرائم الأخرى وبشكل أفضل.

ويقول مؤلفو الدراسة: «لا تظهر نماذجنا أي آثار سلبية للتشريع، وبدلاً من ذلك، تشير إلى أن معدلات معالجة بعض أنواع الجرائم الأخرى تزداد بوتيرة أسرع في الولايات (الأميركية) التي تم إضفاء الصفة القانونية فيها على العقّار المُخدر، مقارنة بالولايات التي لم تفعل ذلك».

وكانت هناك أيضاً بعض الادعاءات بأن الولايات الصديقة للماريغوانا الطبية أو الترفيهية شهدت هبوطاً كبيراً في استهلاك الأفيون واستخدامه. ولكن يثير ذلك أسئلة مهمة حول الدور الذي يمكن أن يلعبه تشريع الماريغوانا، خصوصاً في بلد مثل الولايات المتحدة، الذي يعاني وباء استخدام المواد الأفيونية.

ومن الآثار الجانبية الأخرى لتشريح هذا العقّار احتمال انخفاض تناول الكحول بشكل عام. واستنتجت إحدى الدراسات التي أجريت في جامعة ولاية جورجيا أن مبيعات الكحول انخفضت بشكل ملحوظ في الولايات التي أقرت قوانين الماريغوانا الطبية. ويشير البحث إلى احتمال حدوث انخفاض في مبيعات الكحول بنسبة 15%، خلال السنوات العشر المقبلة.

طباعة