نظريات المؤامرة حاضرة بعد 50 عـاماً من حادثة اغتيال روبرت كينيدي

صورة

بعد خمس سنوات من مقتل شقيقه، الرئيس الأميركي، جون كينيدي، بالرصاص في دالاس، لقي السيناتور، روبرت كينيدي، مصرعه في لوس أنجلوس، بعد فوزه في الانتخابات التمهيدية الديمقراطية بكاليفورنيا، في الخامس من يونيو 1968. وبعد 50 عاماً من الاغتيال يدعو أحد أبنائه إلى إجراء تحقيق جديد، في وقت لايزال سرحان بشارة سرحان، الرجل الذي دين بقتل والده، يقضي عقوبة السجن مدى الحياة.

ليلة الاغتيال

وصف المتهم سرحان بشارة سرحان الذهاب إلى فندق «أمباسدور» بأنه يريد حضور حفل سياسي مختلف، وشرب الكثير من الكحول. ولأنه لم يشعر بالراحة بما فيه الكفاية لقيادة سيارته، عاد إلى الفندق بحثاً عن القهوة، وصادفته امرأة جذابة في ثوب منقط، كانت تجلس قريباً منه، ولاحظها من كانوا في الحانة ليلتها، قال سرحان إنه يتذكر التحديق في المرأة الجذابة، والشيء التالي الذي يتذكره أنه ضُرب من قبل الرجال الذين أسروه.


في عام 2006، صرّح صانع الأفلام، شين أوسوليفان، بأنه اكتشف «فيديو جديداً وأدلة فوتوغرافية» يشيران إلى أن ثلاثة من كبار عملاء وكالة الاستخبارات المركزية كانوا وراء القتل.


واحدة من القوى الدافعة، وراء الاعتقاد بأن هناك مسلحاً ثانياً، هي شهادة مِن محقِّق في مقاطعة لوس أنجلوس، يُدعى توماس نوغوشي.

وفي العام الماضي، التقى روبرت فرانسيس كينيدي جونيور مع سرحان «وجهاً لوجه»، وفقاً لمصادر صحافية. وغادر هذا الاجتماع معتقداً أن المسلح «متهم زوراً». وقال كينيدي الابن لصحيفة «واشنطن بوست» إنه بمجرد أن رأى تقرير تشريح الجثة، «لم أشعر أنه شيء يمكن استبعاده، لقد انزعجت من أن الشخص الخطأ ربما دين بقتل والدي»، إذاً ما النظريات التي تحيط بموت روبرت كينيدي؟

لقد دانت هيئة محلفين أميركية سرحان بارتكاب جريمة قتل من الدرجة الأولى، وحكمت عليه بالإعدام في عام 1969. وخفف هذا الحكم إلى السجن مدى الحياة، في عام 1972. ورُفضت طلبات العفو التي قدمها سرحان على كل المستويات القضائية. وكان آخرها قبل عامين، إذ نظرت محاكم أميركية في أدلة جديدة ظهرت خلال تلك السنين، بأن ما يصل إلى 13 طلقة قد أطلقت، في حين لم يكن في مخزن سلاح سرحان سوى ثماني رصاصات.

هناك الكثير من «الأدلة الدامغة» ضد سرحان، ويشمل هذا اعترافه خلال المحاكمة، وساعات التدريب بمسدسه في وقت سابق من اليوم، وأخذه السلاح إلى فندق «أمباسدور» في تلك الليلة. وفور إلقاء القبض عليه، عقب إطلاق النار، أخبر سرحان الشرطة أنه اتخذ قراراً بقتل كينيدي قبل ثلاثة أسابيع فقط. وكان قد استمع إلى خطاب ألقاه المرشح خلال زيارة لإحدى الكنائس، عبر موجات الراديو، حيث وعد السيناتور روبرت كينيدي بتسليح إسرائيل بعشرات من الطائرات الحربية، واصفاً ذلك بالدرس الذي تعلمه من حرب يونيو 1967 مع إسرائيل. ويبلغ سرحان الآن 74 عاماً.

متهم ثانٍ

واحدة من القوى الدافعة وراء الاعتقاد بأن هناك مسلحاً ثانياً هو شهادة من محقق في مقاطعة لوس أنجلوس، يدعى توماس نوغوشي، الذي قال منذ البداية إن كينيدي أُطلق عليه النار من الخلف ومن مسافة أقرب، الأمر الذي أكده شهود عيان أن سرحان لم يكن بإمكانه فعله.

ونشرت صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» تقريراً عن نتائج تحقيق نوغوشي في عام 2005، جاء فيه «أكد شهود عيان وجود سرحان على مسافة 18 بوصة من كنيدي، لكن نوغوشي قال إنه عندما وقعت الإصابة المميتة كان السلاح على بعد بوصة إلى بوصتين ونصف البوصة من رأس السيناتور، وهذه الشهادة تغذي نظريات المؤامرة بأن سرحان لم يتصرف بمفرده».

وقال الشاهد، بول شريد، الذي يدعم استئناف سرحان: «أنا مهتم بمعرفة كيف دان المدعي العام سرحان من دون دليل، مع العلم أنه كان هناك مسلح ثانٍ».

وقالت الشاهدة نينا رودس هيوز لشبكة «سي إن إن» التلفزيونية في عام 2012: «ما أعتقده أنه كان هناك مُطلق نار آخر إلى يميني».

حارس أمن

كان حارس الأمن، ثاين يوجين سيزار، هو الذي يقف خلف المرشح الرئاسي: «كانت هناك عشرات المقالات التي نُشرت تقول إنني حملت مسدساً آخر»، ويتابع الحارس: «إن من الممكن أن أكون الشخص الذي أطلق النار على كينيدي، لأن الرصاصة دخلت مؤخرة رأسه».

كان سيزار يقف خلف كينيدي مباشرة، وأدلى بـ«شهادات مختلفة لردة فعله»، وروايات مختلفة عن الفترة التي استغرقها لاستخدام سلاحه. وكان الحارس الأمني مؤيداً للمرشح الرئاسي عن الحزب المستقل، جورج والاس، لعام 1968، و«لم يخفِ كراهيته» لسياسة كل من الرئيس جون كينيدي وشقيقه روبرت. ورأى شهود عديدون أن سيزار «سحب سلاحه، لكن واحداً فقط اتهمه بإطلاق النار، وهو ما نفاه سيزار طوال تلك السنوات»، وفقاً لمجلة «هيفي ماغزين».

تنويم مغناطيسي

على الرغم من أن سرحان اعترف في محاكمته عام 1969 بأنه أطلق النار على كينيدي، إلا أنه ادعى منذ البداية أنه لا يتذكر كيف قام بذلك. وفي الآونة الأخيرة حقق محامو سرحان في احتمال «تنويمه مغناطيسياً لإطلاق النار من مسدسه عندما يتم إعطاؤه إشارة معينة». واستعانوا بخبير في التنويم المغناطيسي من جامعة هارفارد لمقابلته، وفي عام 2016 رفض القاضي الأميركي، أندرو جي فيستريتش، هذا الطرح.

وفي عام 2006، صرح صانع الأفلام، شين أوسوليفان، بأنه أثناء بحثه عن سيناريو يستند إلى نظرية التنويم المغناطيسي لاغتيال روبرت كينيدي، اكتشف «فيديو جديداً وأدلة فوتوغرافية» تشيران إلى أن ثلاثة من كبار عملاء وكالة الاستخبارات المركزية كانوا وراء القتل.

وقال أوسوليفان لصحيفة «الغارديان»: «لم أقتنع بالحكم الرسمي الذي أكد أن سرحان تصرف بمفرده، وبدأت الغوص في العالم السفلي من (تحقيقات الاغتيال)، وقطعت أشواطاً مع ديفيد سانشيز موراليس (أحد عملاء وكالة الاستخبارات المركزية الذي توفي عام 1978)». ويروي أوسوليفان «عندما تم التطرق إلى الرئيس، جون كينيدي، بجلسة في وقت متأخر من الليل مع الأصدقاء في عام 1973، قال موراليس: كنت في دالاس عندما قضينا على الشخص المقيت، وكنت في لوس أنجلوس عندما أكملنا النذل الصغير»، في إشارة إلى الشقيقين كينيدي.

ومنذ عام 2006، شكّك عدد من الأشخاص في نظرية أوسوليفان، بمن فيهم ديفيد تالبوت الذي كتب كتاب «براذرز» عن الشقيقين، واكتشف تالبوت أن واحداً من ثلاثة من كبار عملاء وكالة المخابرات المركزية الذين يفترض أنهم وراء الاغتيال، قد ماتوا قبل ست سنوات، من الحادث.


 غرفة احتجاز محصنة

في قاعة المحكمة، حظي المتهم بالاغتيال، سرحان بشارة سرحان، بحماية استثنائية. وتذكر السلطات جيداً أن قاتل الرئيس جون كينيدي، لي هارفي أوزوالد، قُتل على يد جاك روبي أثناء احتجازه. وكان سرحان، وهو لاجئ من الأردن، يبلغ من العمر 24 عاماً، يعيش في باسادينا، قد كتب بياناً رسمياً قبل ثلاثة أسابيع.

كان هناك تخوف من أن يُغتال سرحان قبل المحاكمة، وتمت تغطية نوافذ غرفة احتجاز المتهم بألواح فولاذية. وقيل إن المحققين خضعوا لتفتيش جسدي قبل دخول غرفته، وإن كل شيء أكله سرحان من المعلبات، وكانت السلطات في لوس أنجلوس تخشى من أن يدخل أحدهم ويطلق النار عليه «ليصنع اسماً لنفسه».

وُلد سرحان لأسرة مسيحية في القدس عام 1944، وفي الوقت الذي بلغ الثالثة من عمره، شهدت فلسطين اشتباكات عنيفة عقب الاحتلال الإسرائيلي. وتروي أمه (ماري) أن سرحان رأى رجلاً ممزقاً بفعل قنبلة أثناء هجوم على حيِّه، كانت الصورة تطارد ابنها، كما قالت، و«لن يكون كما كان أبداً».

عندما كان عمره 12 سنة، هاجرت عائلته إلى الولايات المتحدة بتأشيرة خاصة تُمنح للاجئين الفلسطينيين، حيث بقيت الأسرة لفترة وجيزة في نيويورك ثم انتقلت إلى كاليفورنيا، حيث التحق سرحان بالمدرسة الإعدادية ثم الثانوية وبعدها الجامعة.

كان سرحان غاضباً من السيناتور، روبرت كينيدي، بسبب دعمه لإسرائيل، ودعمه بيع الولايات المتحدة مقاتلات نفاثة لإسرائيل، وقال إنه اتخذ قراراً بقتل كينيدي بعد أن سمعه يقول بخطاب ألقاه في ربيع عام 1968 إنه سيؤيد تزويد إسرائيل بالطائرات.


 مهاجر مكسيكي

كان المهاجر المكسيكي، خوان روميرو، يعمل سائق حافلة بفندق «أمباسدور»، قبل 50 عاماً، عندما حدث الاغتيال. كان روميرو، المراهق حينها، قد توقف للتو لمصافحة روبرت كينيدي ليلة انتصاره في الانتخابات الرئاسية بكاليفورنيا، في الخامس من يونيو 1968، ليطلق مسلح مجهول النار على سيناتور نيويورك ويصيبه في الرأس. وحاول روميرو أن يبقي رأس كينيدي الجريح إلى الأعلى، بينما كان الأخير مستلقياً على الأرض. على مدى نصف قرن تقريباً، ألقى روميرو باللوم على نفسه، متسائلاً عما إذا كان بإمكانه فعل المزيد، وماذا لو لم يتوقف كينيدي عند تلك اللحظة الوجيزة لمصافحة يده؟ شعر روميرو بذنب كبير لدرجة أنه غادر لوس أنجلوس واستقر في عزلته بولاية وايومنغ.

اليوم، بعد خمسة عقود من ذلك الصباح المأساوي، لا يحمل روميرو البالغ من العمر 67 عاماً الشعور نفسه بالذنب، ويرجع الفضل في جزء منه إلى دعم مشجعي السيناتور المغتال، الذين قالوا إن سائق الحافلة السابق كان مثالًا للأشخاص الذين سعى كينيدي لمساعدتهم من خلال جعل المساواة العرقية والحقوق المدنية حجر الزاوية في حياته المهنية.

وافق روميرو على إجراء عدد قليل من المقابلات الصحافية، في السابق، إلا أنه سجل في الآونة الأخيرة حضوراً في برنامج وثائقي تحت عنوان «بوبي كينيدي رئيساً»، وغيره من البرامج، للحديث عن الأمل الذي ألهمه إياه السيناتور الراحل، والذي بقي معه بعد 50 عاماً.