أقوى مجموعة ضغط فلسطينية في العالم

فلسطينيو تشيلي متعلقون بجذورهم رغم النجاح والاندمـــاج

صورة

تعيش أكبر جالية فلسطينية خارج العالم العربي في تشيلي. فقد هاجر الآلاف من الفلسطينيين إلى هذا البلد في أقصى جنوب القارة الأميركية منذ فترة طويلة. واكتسب المهاجرون الفلسطينيون مع مرور الوقت مكانة مرموقة في البلد الناطق بالإسبانية، وللجالية نفوذ لافت في شتى مجالات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية. وعلى الرغم من هذا النجاح والاندماج إلا أن فلسطينيي تشيلي لم ينسوا أرض أجدادهم وظل أغلبهم يتابع أخبار الأراضي المحتلة منذ النكبة في عام 1948.

نفوذ متزايد
تمكنت الجالية الفلسطينية من الاندماج بشكل كامل، إذ أصبح لها نفوذ في مؤسسات الدولة، ويوجد العديد من النواب من أصول فلسطينية ينتمون إلى أحزاب مختلفة في البرلمان، ويمثلون نحو 10% من الكونغرس و11% من غرفة النواب، كما يرأسون تسع بلديات، في حين يوجد 26 مسؤولاً محلياً. يذكر أن عائلة نائب وزير الداخلية، محمود علوي، تنحدر من فلسطين. ويؤكد المسؤول في وزارة الرياضة موريس أبوغوش، أن هناك «لوبي» مناهضاً للقضية الفلسطينية في تشيلي، وذلك بسبب النجاح الكبير للجالية الفلسطينية. وفي 2008 استقبلت تشيلي 130 لاجئاً فلسطينياً قادمين من العراق، وتم استقبالهم من قبل الرئيسة ميشيل باشليه في يوم يصادف ذكرى النكبة. في المقابل، رفضت باشليه حضور حفل أقامته السفارة الإسرائيلية في سانتياغو بمناسبة ذكرى قيام دولة إسرائيل. وفي 2011 زار الرئيس اليميني سيباستيان بينيرا فلسطين، وأعلن دعمه لقيام دولة فلسطين.

في حي «بتروناتو» الشعبي في العاصة التشيلية سانتياغو، يتجمع الفلسطينيون في مقهى «بيت جالا» بشكل دائم ولا يخلو المقهى من الرواد طوال أوقات العمل. وعلى بعد أمتار من المقهى توجد الكنيسة الأرثوذكسية القديمة التي أسسها المهاجرون الفلسطينيون الأوائل في العام 1917. ويتناول رواد المقهى القهوة والكعك العربي. ويتزين جدار المقهى بصور جميلة ونادرة لبيت جالا، القرية التي جاءت منها كثير من العائلات التي تعيش حالياً في تشيلي.

يقول صاحب المقهى، خوان بشارة، «أنا من الجيل الفلسطيني الثالث الذي يعيش في تشيلي». ووصل جد خوان إلى سانتياغو بواسطة الباخرة في خمسينيات القرن الماضي، ويتحدث مع زبائنه باللغة العربية، إلا أنه يفضل الإسبانية مع الشباب لأنهم لا يتقنون العربية على الرغم من فهمهم لما يدور من حديث بين الكبار في المقهى. وتوجد في العاصمة مدرستين ابتدائيتين وأخرى للتعليم الثانوي للمنحدرين من أصول فلسطينية، ويقول خوان، «يعرف حينا بالحي العربي، حتى وإن تغيرت ملامحه بعض الشيء في السنوات الأخيرة فقد جاء الكثير من المهاجرين من كوريا وبيرو، وفتحوا محلات تجارية هنا».

وتستضيف تشيلي أكبر جالية فلسطينية خارج العالم العربي، إلا أن غياب الإحصاءات الرسمية جعل من الصعب تحديد عدد هذه الجالية ويقدرها البعض ما بين 150 و400 ألف نسمة، ويشمل العدد المولودين في فلسطين وأطفال المهاجرين وأحفادهم الذين ولدوا في تشيلي. وأغلبهم مسيحيون (95%) الأمر الذي سهل اندماجهم في المجتمع التشيلي. وهاجر 80% في الفترة ما بين 1900 و1930، قادمين أساساً من أربع قرى وهي بيت جالا وبيلين وبيت ساحور وبيت صفافا. في حين جاء والدا المؤرخ (المعروف في تشيلي)، خوان سقالا، في 1915، قادمين من قرية طيبة المسيحية الواقعة على بعد 12 كيلومتر من رام الله. وكانت رحلة والدا سقالة شاقة للغاية ومحفوفة بالمخاطر، قطعوا خلالها آلاف الأميال، فقد بدأت من بيروت ثم مرسيليا ليتوجها بعد ذلك إلى بنما في أميركا الوسطى ثم ساو باولو وبيونس أيرس. وبعد رحلة بحرية شاقة اضطر الزوجان قطع جبال الأنديز على ظهر الحمار.

مركز فلسطيني

أغلب المهاجرين إلى تشيلي كانوا مزارعين أو حرفيين، يعرفون القراءة والكتابة، واستقر كثير منهم في العاصمة وآخرون فضلوا الذهاب إلى مدن داخلية. وحسب مقولة شائعة في تشيلي، «لا توجد قرية واحدة ليس فيها راهب وصياد وفلسطيني». وتدل المقولة على أن الفلسطينيين انتشروا في جميع أنحاء البلاد. وفي سانتياغو، اختار الفلسطينيون حي «بتروناتو» لقربه من السوق المركزي وإيجاراته المعقولة. وفي تقاطع شارع «بتروناتو» مع شارع «فيلومينا»، يوجد محل كبير يمتلكه جورج شهران، الذي افتتح في 1910، ويعتبر مركزاً فلسطينياً بامتياز، إذ يلتقي فيه كبار المهاجرين الذين يولون الثقافة الفلسطينية أهمية كبيرة ويعملون على الحفاظ عليها. ويسترجع هؤلاء المهاجرين ذكرياتهم في فلسطين كما يتابعون أخبار وطنهم الأم، وفي هذا المركز يجد القادمون الجدد المساعدة لبداية حياتهم في بلاد المهجر. ومنذ العام 1912، تنشر الجالية الفلسطينية صحيفة خصوصاً بها بعنوان «المرشد».

أما الفخر الكبير فهو نادي كرة القدم «بالستينو» الذي تأسس في 1920، وهو النادي المحترف الوحيد في العالم الذي يلعب بألوان علم فلسطين. وفي يناير الماضي، لعب الفريق ببدلات حملت على ظهرها خريطة فلسطين، الأمر الذي ربما جلب لهم الحظ فقد فازوا في ثلاث مباريات. إلا أن الجالية اليهودية في تشيلي احتجت ضد ما أسمته «تسييس كرة القدم» واتهمت الجالية الفلسطينية ب«جلب الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى تشيلي». وبالفعل فقد استدعت فيدرالية كرة القدم رئيس النادي موريس خميس ماسو، الذي يمتلك ملعبا في سانتياغو، وقضت بتغريمه 15 ألف دولار. واحتج اللاعبون على القرار ورسموا خريطة فلسطين على أذرعهم في المباراة التي تلت تغريم النادي. واجتاحت صور اللاعبين مواقع التواصل الاجتماعي، في حين بيعت أعداد كبيرة من قمصان تحمل خريطة لفلسطين عوض الرقم 1. ويقول رئيس النادي، «كل فوز يحققه النادي يجلب البهجة للشعب الفلسطيني الذي يعاني،» مضيفا، أن «أحداث غزة الأخيرة زادت من قوة علاقاتنا بفلسطين ومع أصولنا».

كان عمر خميس ماسو ثلاث سنوات عندما هاجرت عائلته إلى تشيلي «بعد إعلان قيام إسرائيل في 1948». وهو عضو في مؤسسة «بيلين 2000» التي تقدم منحا دراسية للأطفال الفلسطينيين وترسل أدوية إلى فلسطين. ومن الأمور الذي أثلجت صدر خميس ماسو، قرار اتحاد الفيدراليات الأوروبية رفض ترشيح إسرائيل لاستضافة البطولة الأوروبية في 2020.


إنجازات كبيرة

يقول أحد المهاجرين القدامى ويدعى نسيم علامو (70 عاماً): «هناك فلسطينيون في كل القطاعات».

ويدير علامو مع شقيقه شفيق شركة لصنع الملابس في حي بتروناتو في العاصمة التشيلية سانتياغو، وهو الحي الذي احتضن أوائل المهاجرين العرب لينافسهم اليوم المهاجرون الصينيون والكوريون وغيرهم، لكن بفضل التجارة التي امتهنها أكثر المهاجرين الفلسطينيين تمكن هؤلاء من جمع ثروات ضخمة في تشيلي.

وفي هذا يقول علامو «في البداية كانوا يبيعون كل شيء، كانوا يجوبون الأرياف حيث لم تكن هناك متاجر، وبما أنهم ما كانوا يتقنون اللغة الإسبانية كانوا يعرضون ما لديهم ويقطعون مئات الأميال سيراً على الاقدام». ووصل أوائل المهاجرين العرب إلى تشيلي في أواسط القرن الـ19، لكن موجة الهجرة الرئيسة للعرب، وغالبيتهم من المسيحيين، تعود إلى أوائل القرن الـ20. ويقول مدير مركز الدراسات العربية في جامعة تشيلي، اوجينيو شهوان، إن الفلسطينيين وصلوا إلى تشيلي «عن طريق الصدفة نوعاً ما»، لكن سرعان ما تحولت إلى هجرة على دفعات «متتالية»، مضيفاً أنه «كان يأتي أحدهم ثم يبدأ بجلب عائلته وأصدقائه، وهو الحال، خصوصاً في كل المجتمعات الأبوية، حيث العلاقات الأسرية قوية جداً». يشار إلى أن عائلتين من أثرى العائلات في تشيلي تتحدران من أصول فلسطينية، هما عائلتا يارور وسعيد.

شعور بالفخر

يقول عمدة مقاطعة ريكوليتا في العاصمة سانتياغو، دانيال جحود «أنا من تشيلي، وأنا فلسطيني وشيوعي». وانتخب جحود (47 عاماً) في 2012 بعد ثلاث إخفاقات متتالية خلال الـ12 عاماً الماضية. ويقول العمدة إنه يشعر بالفخر لأن الرئيس الاشتراكي الراحل سلفادور الليندي مدفون في مقاطعته. ويضيف جحود «تاريخياً كانت الأطياف الدينية المختلفة تعيش بسلام إلى غاية إنشاء دولة إسرائيل من قبل الأوروبيين». ويؤكد أن «الصراع ليس دينياً». ويقول «العلاقات سيئة، ليس مع اليهود لكن مع الصهاينة الذين يمثلون الحكومة الإسرائيلية في تشيلي». ويرى مدير مركز الدراسات العربية في جامعة تشيلي، أوجينيو شهوان، أن «النزاع ليس مع اليهود بل مع قيام دولة إسرائيل». وفي 2011 اعترفت تشيلي بفلسطين «دولة حرة وذات سيادة ومستقلة».

طباعة