يتأثر بها الأطفال والأجيال اللاحقة

«واشنطن بوست»: أميركا مسؤولة «أخلاقياً» أمام العالم لإرسالها قنابل عنقودية إلى أوكرانيا

صورة

خلال الأسبوع الماضي، أطلقت أوكرانيا ذخائر عنقودية قدمتها الولايات المتحدة على أهداف روسية. هذه القنابل محظورة في 123 دولة، بما في ذلك الجزء الأكبر من دول أعضاء حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلا أن الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا ليست من الدول الموقعة على هذه الاتفاقية التي دعمتها الأمم المتحدة عام 2008، والتي تحظر استخدام الذخائر العنقودية أو إنتاجها أو تخزينها أو نقلها.

ويأتي استخدامها في لحظة مشحونة وحرجة بشكل خاص في هذه الحرب، تتمثل في الهجوم المضاد لأوكرانيا لاستعادة الأراضي المفقودة، والذي يسير بشكل أبطأ مما يرغب فيه بعض المسؤولين الغربيين، وفي وقت اختار فيه الكرملين الأسبوع الماضي إلغاء المشاركة في صفقة الحبوب التي تدعمها الأمم المتحدة وتسمح بتصدير السلع الزراعية الأوكرانية - وهي ربما كانت المبادرة الدبلوماسية الرئيسة والوحيدة الناجحة في هذا الصراع - تم تكثيف الضربات الروسية على المدن الأوكرانية بما في ذلك أوديسا، القناة الرئيسة لتصدير الحبوب الأوكرانية على البحر الأسود. وطوال الوقت، ظلت أولويات الجيش الأوكراني المدعوم بمدرعات غربية، تتمثل في كسر الخطوط الروسية الراسخة.

ويقول مسؤول أوكراني لصحيفة «واشنطن بوست»، إن «معاقل روسيا في الشرق والجنوب مزروعة بكثافة بالألغام المضادة للدبابات والأفراد وأسلاك التعثر في مناطق يبلغ عمقها ثلاثة إلى عشرة أميال». ويمضي قائلاً: «لقد نجحت الدفاعات الروسية في تعطيل هجوم أوكرانيا المضاد الذي بدأ منذ نحو شهر». ويضيف أن الذخائر العنقودية أطلقت على مواقع روسية لتفكيك الخنادق.

تنفجر الذخائر العنقودية في الهواء قبل إطلاقها العشرات إلى المئات من القنيبلات الصغيرة عبر مساحة واسعة من الأرض، وأحياناً بحجم ملعب كرة قدم. ويضيف هذا المسؤول: «يقول زملائي إن الجيش الأوكراني يستخدم ترسانات الحرب الباردة كأسلحة ضد تشكيلات الدبابات والمشاة، وإن الذخائر التي تم إرسالها إلى أوكرانيا هي قذائف مدفعية يمكن إطلاقها من مدافع (الهاوتزر) التي بدأت الدول الغربية تزويد أوكرانيا بها العام الماضي».

أمضت إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، أشهراً في مداولات داخلية بشأن إرسال الذخائر العنقودية قبل أن توافق أخيراً على القيام بذلك في وقت سابق من هذا الشهر. وتذرع بايدن بأسباب خاصة بالأمن القومي لتجاوز القانون الأميركي الذي يمنع نقل القنابل العنقودية البالغ معدل القنيبلات التي قد تبقى منها في الأرض لتنفجر لاحقاً أكثر من 1%. (الشحنات الحالية يبلغ معدلها أكثر من 2.35%، على الرغم من أن بعض الخبراء يعتقدون أن المعدل الحقيقي أعلى من ذلك بكثير). لقد بذل المسؤولون الأميركيون جهوداً مضنية لتأكيد أنهم يساعدون الأوكرانيين أيضاً في جهودهم لإزالة الألغام وتطهير المناطق الملوثة بالذخائر العنقودية.

وقال وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن أخيراً: «سوف يحددون هذه المناطق، وسيعطون الأولوية لجهود إزالة الألغام، وسنساعدهم على القيام بذلك في تلك الأماكن»، مضيفاً أن أوكرانيا التزمت بعدم نشر القنابل في المراكز السكانية. ومع ذلك أدى القرار إلى انتقادات من الحكومات الأوروبية وحلفاء الولايات المتحدة، وجماعات حقوق الإنسان، وكذلك بعض الديمقراطيين الأميركيين، ففي يونيو أرسل تحالف من 38 منظمة، بما في ذلك «هيومن رايتس ووتش» والمكتب الأميركي لليونيسيف، خطاباً إلى البيت الأبيض يحث بايدن على إلغاء عمليات إرسال الذخائر العنقودية.

وقال التحالف في رسالته: «تعد الذخائر العنقودية من بين الأسلحة الأكثر ضرراً على المدنيين، لأنها مصممة لتنتشر بشكل عشوائي عبر منطقة واسعة وغالباً ما تفشل في الانفجار عند الاستخدام الأولي، ما يؤدي إلى تلويث المجتمعات بالذخائر غير المنفجرة والتسبب في أضرار مدمرة للمدنيين خصوصاً الأطفال، بعد سنوات من انتهاء النزاع».

وللولايات المتحدة تاريخ طويل ومخزٍ في استخدام الأسلحة تجلى في حملات القصف التي قادتها الولايات المتحدة في العراق وصربيا، وفي حرب فيتنام. وفي لاوس لا تزال الذخائر غير المنفجرة التي ألقتها الولايات المتحدة منذ أكثر من نصف قرن، تقتل المدنيين حتى يومنا هذا. ويقول طبيب في مستشفى النجف التعليمي في العراق لـ«هيومن رايتس ووتش» في عام 2003: «تبدو القنابل العنقودية أحياناً وكأنها أشياء جميلة. يحب الأطفال اللعب بها هنا وهناك، في كل مكان في الأراضي الزراعية».

أصبحت أوكرانيا البلد الأكثر تلغيماً في العالم، ويُعتقد الآن أن نحو 70 ألف ميل مربع من الأراضي (أكبر من فلوريدا) ملوثة بالذخائر غير المنفجرة. قد يستغرق تنظيف كل ذلك عقوداً من العمل وإنفاق مليارات الدولارات، ولن تؤدي جولات جديدة من الذخائر العنقودية إلا إلى تعميق المشكلة.

وكتب المحلل المقيم في أوديسا، مايكل بوسيوركيو: «يمكن للذخائر العنقودية أن تجلب لكييف ميزة مؤقتة في ساحة المعركة». ويسترسل: «ومع ذلك وبمجرد انتهاء الحرب، سيظل الإرث القاتل المحتمل لهذه الأسلحة العشوائية راسخاً في الأراضي الأوكرانية لسنوات قادمة».

ويجادل النقاد أيضاً بأن تسليم هذه الأسلحة يقوض التزام بايدن المعلن بالنظام الدولي «القائم على القواعد. لقد سعت الدول في النظام الدولي القائم على القواعد بشكل متزايد إلى رسم خط أحمر ضد استخدام أسلحة الدمار الشامل، أو الأسلحة التي تشكل خطراً شديداً ومستمراً على غير المقاتلين». وأشارت افتتاحية صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن «الذخائر العنقودية تندرج بوضوح في الفئة الثانية». وتلوح شبه جزيرة القرم في مرمى النيران، بينما يتعثر الهجوم المضاد في أوكرانيا.

ومع ذلك فإن الحكومة الأوكرانية نفسها هي التي طلبت هذه الذخائر. وتحرق أوكرانيا وروسيا ترساناتهما، وقد لجأتا إلى نشر ذخائر عنقودية من الحقبة السوفييتية على مدار الحرب. ووثق المراقبون الدوليون استخدام روسيا للقنابل العنقودية على أهداف مدنية في وقت مبكر من الشهر الأول بعد بدء الحرب العام الماضي.

كما يكافح الغرب لمواكبة الطلب الأوكراني لقذائف المدفعية والذخائر الأخرى اللازمة لدعم الجيش الأوكراني الذي يتفوق عليه الجنود الروس في العدد. ويعتقد البيت الأبيض أن القنابل العنقودية تساعد كييف على الصمود في الوقت الحاضر.

وفي حديثه مع المراسلين حول استخدامها، عارض مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض جيك سوليفان القول إن عمليات إرسال القنابل العنقودية قد أضر بالحجة «الأخلاقية» التي تتذرع بها إدارة بايدن في دعمها لأوكرانيا ضد العدوان الروسي.

وقال سوليفان: «إن التزاماتنا الأخلاقية لأوكرانيا في هذا الصراع تأتي من حقيقة أننا ندعم دولة تتعرض لهجوم من جارتها بالصواريخ والقنابل». ويسترسل: «الفكرة القائلة إن تزويد أوكرانيا بالسلاح من أجل أن تكون قادرة على الدفاع عن نفسها وحماية المدنيين، تتعارض مع مبادئنا الأخلاقية وهي فكرة مشكوك فيها».

• أصبحت أوكرانيا البلد الأكثر تلغيماً في العالم، ويُعتقد الآن أن نحو 70 ألف ميل مربع من الأراضي (أكبر من فلوريدا) ملوثة بالذخائر غير المنفجرة.

• تعد الذخائر العنقودية من بين الأسلحة الأكثر ضرراً على المدنيين، لأنها مصممة لتنتشر بشكل عشوائي عبر منطقة واسعة، وغالباً ما تفشل في الانفجار عند الاستخدام الأولي، ما يؤدي إلى تلويث المجتمعات بالذخائر غير المنفجرة، والتسبب في أضرار مدمرة للمدنيين، خصوصاً الأطفال، بعد سنوات من انتهاء النزاع.

إيشان سرور ■ كاتب عمود في «واشنطن بوست»

تويتر