فلسطيني ثمانيني يفلح الأرض ويرعى الأغنام بمفرده تنفيذاً لوصية والده

«أبوخلف».. حارس «خربة مكحول» وحيداً في وجه 6 مستوطنات و4 معسكرات

صورة

يومياً، ومع إشراقة شمس الصباح الباكر، يغادر الثمانيني الفلسطيني أحمد بني عودة «أبوخلف» منزله في خربة مكحول بالأغوار الشمالية الفلسطينية، ليتجه وحيداً يفلح أرضه المجاورة لمنزله البدائي، ويرعى أغنامه داخل دونماتها البالغة مساحتها 400 دونم.

بني عودة البالغ من العمر (85 عاماً)، يتشبث بأرضه، لا يبرحها لحظة واحدة منذ عشرات الأعوام، رغم قرارات المحاكم الإسرائيلية الهادفة لسلبها، فقد رفض الانكسار أمامها، متحدياً اعتداءات الاحتلال والاستيطان بحقه، ومصادرة أغنامه، وإطلاق النار عليه مرات عدة، حتى لا تقع أرض الآباء والأجداد فريسة جديدة لست مستوطنات، تلتهم معظمها، وتحاصر بقيتها من كل الاتجاهات، أبرزها، مستوطنتا «روعي»، و«حمدات».

المنطقة التي يقطنها الحاج بني عودة، تُعد من الخرب البدوية التي تشهد مخططات التهجير الإسرائيلية، إذ يحاصرها أيضاً أربعة مواقع عسكرية للجيش الإسرائيلي، أبرزها «الحمرا»، و«زوكح»، و«سعوارة» الخاص بوحدة الجيش الإسرائيلي المسماة «كفير»، فيما تُعد أراضي أهالي «خربة مكحول» منطقة تدريب مفتوحة لجنود الاحتلال.

حارس خربة مكحول

شقت «الإمارات اليوم» طريقاً طويلاً، في سبيل الولوج إلى مكان إقامة الحاج بني عودة، حيث الانطلاق من قرية «واد المالح» الواقعة في قلب الأغوار الفلسطينية الشمالية، تحديداً شرق محافظة طوباس شمال الضفة الغربية، ومن ثم الاتجاه نحو الجنوب الشرقي، عبر طرق وعرة متعرجة انحداراً وارتفاعاً، وصولاً إلى منطقة شبه سهلية، تقع بين تلال جبلية متباينة الارتفاع.

هنا، ومنذ أن كان طفلاً، يعيش الحاج الثمانيني، ليكنى بـ«حارس خربة مكحول»، بعد تهجير الاحتلال أغلبية سكانها، فجميع عائلات هذا التجمع البدوي، التي تعتمد في مصدر رزقها على الزراعة وتربية الماشية، طالتها قرارات وقف البناء أو الهدم والإخلاء، ومنها من أزال الاحتلال كامل منازلها، وشردها من داخل أرضها.

ويقول الفلسطيني بني عودة لـ«الإمارات اليوم»، بلهجة بدوية خالصة «من نابلس وطوباس وأريحا حتى نهر الأردن، اسأل عن أبوخلف بني عودة، سيخبرك الجميع بأنه حارس (خربة مكحول) منذ 75 عاماً».

ويواصل أبوخلف حديثه، قائلاً «في عام 1945 رحلت والدتي إلى جوار خالقها، وبعد عامين لحق بها والدي، لأصبح يتيماً وأنا في سن العاشرة من عمري، لأشق طريق والدي على الفور، حيث اصطحبت الأغنام والأمتعة، لأجوب الأغوار كاملة أرعى الماشية، انطلاقاً من خربة مكحول حتى نهر الأردن».

وداخل خربة التجمعات البدوية توالت سنوات حارسها أبوخلف، ليتزوج وينجب الأولاد والبنات داخل أرضه التي ما زال منذ نعومة أظافره يحرثها حتى اليوم، ويزرع بداخلها شتى أنواع الأشجار والثمار.

ويشير الحاج الفلسطيني إلى أن خربة مكحول تتعرض لهجمة استيلاء وتهجير شرسة على مدار 56 عاماً، ففي عام 1967 كان يعيش فوق أرضها 170 عائلة فلسطينية، وبعد عام تراجع هذا العدد إلى 60 عائلة، وفي عام 1970 بلغ عدد عائلات التجمع البدوي 25، وبات هذا العدد في تناقص مستمر حتى عام 2013، حيث هجرت القوات الإسرائيلية السكان، ودمرت الخربة، ولم يتبقَّ بداخلها سوى خمس عائلات فقط.

الصمود في وجه الاعتداءات

داخل منزل من الصفيح والخشب والأقمشة، كالخيام تحديداً، يقضي أبوخلف تتابع الأيام ليلاً ونهاراً، لا يكترث ببرد الشتاء القارس والأمطار الغزيرة، فمنذ ساعات شروق الشمس حتى غروبها يشد عضده بماشية يرعاها فوق أرض جبلت بعرق جبينه منذ عشرات السنين، وداخلها يعتمد في توفير قوت يومه على ما تزرعه يداه من ثمار ومحاصيل.

صور الكد والكفاح هذه لصاحب العقود الثمانية، تجد من يشوهها، فلم يسلم أبوخلف، ورؤوس ماشيته، ومحاصيل أرضه، يوماً واحداً من اعتداءات ينفذها المستوطنون على مدار الساعة دون انقطاع، بحماية أمنية مطلقة من قوات الجيش الإسرائيلي المتمركزة داخل المواقع العسكرية.

وبينما يراقب حركة أغنامه خشية تعرضها لضرر استيطاني، يقول الحاج الفلسطيني «واجهت معاناة قاسية من اعتداءات قوات الاحتلال، وأطماع التمدد الاستيطاني ومواقع التدريب العسكري، وأصبحت أنا الشاهد الوحيد حتى اليوم على عمليات هدم منازل عائلات الخربة، وتهجيرهم من أراضيهم قسراً».

تنفيذ وصية والده

ويمضي بني عودة بالقول «إن الاعتداءات الإسرائيلية بحق خربة مكحول قاسية جداً، وتطال جميع ممتلكاتنا، من هدم للمنازل، وبيوت الماشية، وتجريف الأراضي الزراعية، إلى جانب رش المبيدات السامة على المحاصيل، وهدم شبكات المياه المستخدمة في الري الزراعي، وسقاية الماشية، ولكن ذلك لن يضعف إرادتي، وسأبقى هنا في أرضي وأرض والدي، كما أوصاني، حتى اللحظة الأخيرة من عمري».

ويضيف «في عام 1995 انتقل أولادي للعيش في بلدة طمون بطوباس، نتيجة حدة الاعتداءات المتصاعدة، وعنف الاستيطان المتواصل، واستقرت إلى جانبي زوجتي، تساعدني في تربية الماشية، وصناعة الأجبان، حتى عام 2015، حيث لم تسمح لها حالتها الصحية العيش في الخربة، لتنتقل إلى منزل أولادي، وبقيت أنا هنا كشوكة في حلق الاحتلال، ومستوطناته».

• خربة مكحول تتعرض لهجمة استيلاء وتهجير شرسة على مدار 56 عاماً، ففي عام 1967 كان يعيش فوق أرضها 170 عائلة فلسطينية، وبعد عام تراجع هذا العدد إلى 60 عائلة، وفي عام 1970 بلغ عدد عائلات التجمع البدوي 25، وبات هذا العدد في تناقص مستمر حتى عام 2013، حيث هجرت القوات الإسرائيلية السكان، ودمرت الخربة، ولم يتبقَّ بداخلها سوى خمس عائلات فقط.

• بني عودة البالغ من العمر (85 عاماً)، يتشبث بأرضه، لا يبرحها لحظة واحدة منذ عشرات الأعوام، رغم قرارات المحاكم الإسرائيلية الهادفة لمصادرتها، إذ رفض الانكسار أمامها، متحدياً اعتداءات الاحتلال وتغول الاستيطان بحقه، ومصادرة أغنامه، وإطلاق النار عليه مرات عدة.

طباعة