السلطات تعتبره ابتعاداً عن الموروث الثقافي والأيديولوجي.. والشباب يعتبرونه إثباتاً للذات

الوشم في الصين بين القديم والحديث

صورة

أمرت محكمة في مقاطعة شنشي الصينية، في سبتمبر، فنان وشم بتقديم اعتذار عن ممارسته الوشم على أجساد المراهقين، وصاغت الاعتذار، وأمرته بترديده على النحو التالي: «لقد انتهكت مبادئ الصحة البدنية والعقلية للقصر، وإنني أدرك تماما أخطائي».

أصبح هذا الرجل، الذي اعترف بأنه نقش وشماً على أجساد 43 قاصراً، أول متهم بموجب القانون الجديد الذي يعرف بـ«تحديد السن»، والذي دخل حيز التنفيذ في يونيو. وبينما تفرض الدول عدة قواعد مماثلة تحظر ممارسة الوشم على الشباب، أشارت التغطية الإعلامية الحكومية الصينية إلى أن حماية القاصرين تتعلق بالأيديولوجية بقدر ما تتعلق بالنواحي الطبية.

وعلّقت صحيفة غلوبال تايمز بأن الوشم «يبعد القاصرين عن القيم الأساسية الاشتراكية»، وأنه ينقل «الأفكار الضارة»، مثل «الخرافات الإقطاعية» و«ثقافة العصابات» و«الثقافة الخارجية». وفي الوقت نفسه، ذكرت مقالة افتتاحية في صحيفة «بكين يوث ديلي» أن ثقافة الوشم «تتعارض» مع التيار الأساسي للدولة.

ارتباطه بالفجور والثقافة الغربية

ويحظر هذا التشريع أيضاً تشجيع الأشخاص الذين تقل أعمارهم عن 18 عاماً على الوشم، ويعتبر التشريع مجرد خطوة أحدث في حملة موسعة ضد فن الرسم على الجسد في الصين. وفي الوقت الذي تعمل فيه الأجندة القومية للحزب الشيوعي الحاكم على إعادة تشكيل كل شيء من الأفلام إلى الهندسة المعمارية، فليس من المستغرب أن يربط المسؤولون في البلاد بشكل متزايد الوشم بالفجور والتأثير الغربي.

في عام 2017، أصدرت إدارة الفضاء الإلكتروني الحكومية تعليمات تعتبر فيها أنه من غير القانوني إظهار الوشم على الأجساد أثناء البث المباشر، أو في مقاطع الفيديو المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي. وفي العام التالي، أمرت الجهة المنظمة لوسائل الإعلام في الصين المحطات التلفزيونية بأن «لا تعرض ممثلين لديهم وشوم، أو الذين يستعرضون ثقافة الهيب هوب، والثقافة المستوردة، وغير الأخلاقية»، وفقاً لوسائل الإعلام الحكومية. وفي الآونة الأخيرة، مُنع لاعبو كرة قدم يمثلون الصين من رسم وشم جديد، وتأمر السلطات الرياضية اللاعبين الذين أقدموا على وضع رسومات على أجسادهم بإزالتها في الحال أو تغطيتها، ليكونوا «نموذجاً جيداً للمجتمع».

إعادة توصيف

وأقدمت العديد من مؤسسات القطاع العام على إعادة توصيفها للوظائف لتشمل بأن الأشخاص الموشومين غير مؤهلين لأدوار معينة، بما في ذلك ضباط الشرطة ورجال الإطفاء وحتى جامعي رسوم الطرق السريعة. وفي عام 2020، أمر المسؤولون في مدينة لانتشو الشمالية الغربية سائقي سيارات الأجرة بإزالة «الوشوم الكبيرة» على أساس أنها «قد تتسبب في شعور النساء والأطفال والركاب الآخرين بعدم الراحة النفسية».

ارتباط الوشم بالمجرمين

وتتجذر القوالب النمطية المحيطة بالوشم جزئياً من علاقة الوشم التاريخية بالإجرام. في الصين القديمة، كان تعليم وجوه الجناة بالحبر الدائم يعتبر من «العقوبات الخمس»، إلى جانب الإعدام والبتر. وأوضح الأستاذ الزائر في جامعة يونان نورمال الصينية، جاريث ديفي، الذي يدرس ثقافة الوشم في البلاد، أن وصمة العار تنبع أيضاً من القيم الكونفوشيوسية. ويقول «في الكونفوشيوسية، كان الحفاظ على الجلد والجسد الموروث من الوالدين نموذجاً لتقوى الأبناء، ويعتُبر ضرورياً لمجتمع متحضر»، بينما يشير الوشم إلى ممارسة غير حضارية وابتعاد عن الواجبات الأسرية. وأضاف أن الوشم يعتبر وصمة عار في الصين أكثر من الغرب، لأن «الناس هنا يسعون للقيام بما هو أفضل للمجتمع والوفاء بالالتزامات في العلاقات الاجتماعية».

التعبير عن الذات

على الرغم من الازدراء الرسمي للوشم، يقبل عليه عدد أكبر من الشباب اليوم أكثر من أي وقت مضى، وفقاً لتشن جي، التي أسست استوديو الوشم الخاص بها في بكين في عام 2005. وبينما كان زبائنها في السابق من الذكور، فإنها ترى الآن عدداً متزايداً من النساء الصينيات في الاستوديو الخاص بها في حي سانليتون الصاخب بالعاصمة.

وتقول في مقابلة عبر الهاتف: «المجتمع الصيني أصبح أكثر انفتاحاً، مع توافر الكثير من المعلومات الجديدة لنا الآن بفضل الإنترنت»، وتضيف «اعتاد الناس على ربط الوشم بالبلطجية والعصابات، لكنها أصبحت الآن ثقافة مرتبطة بكونك رائعاً». وتعتبر تشن من رواد أسلوب الوشم «بالألوان المائية» المستوحى من رسومات فرشاة الحبر التقليدية. وغالباً ما ترسم مشاهد طبيعية على الجلد باستخدام التلوين الدقيق والتظليل التدريجي، مثل الخيزران والرافعات والمناظر الطبيعية.

ويختار فنانون آخرون مناظر جمالية أكثر وواقعية، مثل فيكتوريا لي، التي أصبحت فنانة للوشم بعد وقت قصير من إكمال دراستها في أكاديمية الفنون والتصميم الشهيرة في جامعة تسينغهوا في بكين. ويعكس أسلوبها الواقعي صور تفصيلية، تراوح من أقارب العملاء والحيوانات الأليفة إلى نجوم البوب والشخصيات التاريخية.

وقالت خلال مقابلة عبر الهاتف كيف بدأت عملها في هذه الصناعة: «أردت أن أحصل على وشم لصورة أحد أفراد العائلة المهمين، لكنني لم أجد أي شخص يشاركني قيمي الفنية»، وتمضي قائلة «ظللت اعتقد أن الوشم رائع حقاً وفكرت: لماذا لا أجربه بنفسي؟».

ويقول باحث ما بعد الدكتوراه في جامعة أوريبرو السويدية، اسمه تشاو شيانغ، الذي درس على نطاق واسع ثقافة الوشم الصينية، إن شباب اليوم هم أكثر عرضة الوشم كشكل من أشكال التعبير عن الذات. وقال عبر الهاتف: «اليوم، يريد الناس رؤية المزيد من التنوع والتفرد»، ويضيف «إنهم يحبون روح الفردية وليس الروح الجماعية».

عدم اليقين القانوني

لا يوجد نظام ترخيص رسمي لفناني الوشم في الصين. وعلى هذا النحو، توجد هذه الصناعة في منطقة رمادية قانونية، حيث تعمل الاستوديوهات دون إشراف أو تفتيش في ما يتعلق بممارسات السلامة أو النظافة أو الرعاية اللاحقة. وتقول سونغ جياين، التي تمتلك استوديو وشم خاصاً بالنساء في بكين «لايزال الوضع نوعاً ما نصف سري».

• تتجذر القوالب النمطية المحيطة بالوشم جزئياً من علاقة الوشم التاريخية بالإجرام، ففي الصين القديمة، كان تعليم وجوه الجناة بالحبر الدائم يعتبر من «العقوبات الخمس»، إلى جانب الإعدام والبتر.

طباعة