نتيجة فقدان الذاكرة البريطانية حول الحروب الفاشلة في أفغانستان والعراق

ضجّة أثارها الأمير هاري حول مقتل 25 «طالبانياً» تفضح منتقديه أكثر

صورة

تكشف الضجة التي أثارها الأمير البريطاني، هاري ويندسور، الذي تعرّض لانتقادات شديدة بسببها، لدوره كقائد مروحية في حرب أفغانستان عام 2012 الكثير عن منتقديه، أكثر مما تكشف عنه. والكثير من الانتهاكات كانت هستيرية أو لافتة للانتباه، لكنها ناجمة عن فقدان الذاكرة البريطانية حول الحروب الفاشلة في أفغانستان والعراق.

وقال هاري في كتابه إن «أفغانستان كانت حرب الأخطاء، وهي حرب اتسمت بالكثير من الأضرار الجانبية، حيث قتل الآلاف من الأبرياء وتعرضوا للتشويه، وهذا ما سيظل يلاحقنا دوماً».

وفي الواقع، يجب أن تؤثر هذه الأخطاء بصورة أكبر على البريطانيين في الديار، حيث يتلاشى التدخل البريطاني العبثي في أفغانستان، ومعظمه في إقليم هلمند، سريعاً من الذاكرة الجماعية.

مرض قومي مدمّر للذات

ويبدو أنه ليس هناك أي دولة ترغب في التفكير في إخفاقاتها، ولكن الرفض في بريطانيا للاعتراف والتعلم من أخطاء الماضي، أصبح مرضاً وطنياً مدمراً. وأسوأ أعراضه هو التفاخر الضحل، والتظاهر بأن بريطانيا تحمل الأوراق الرابحة في أيديها، وتعرف كيف تلعب بها، وهذا الأمر قد تزايد إلى ذروته خلال سنوات رئيس الحكومة السابق بوريس جونسون، وخلفه، ليز تراس، العام الماضي. ولكن السموم التي عولجت بها تعليقات هاري المنطقية، إلى حد ما، حول حربه في أفغانستان، أظهرت قوة المحظورات في وجه أي تقييم حقيقي لقدرة بريطانيا على شن حرب.

وثمة لمسات من السذاجة في وصف هاري لطائرة أباتشي تطير في مهمات قتالية، ولكن ثمة أفكار مثيرة للانتباه حول ما كان يفعله، وكتب قائلاً: «كان هدفي من اليوم الأول لوصولي إلى أفغانستان عدم الذهاب إلى النوم، وأنا متشكك في أني لم أفعل الأمر الصحيح، وأن أهدافي كانت صحيحة، وأني كنت أطلق النار على عناصر (طالبان) فقط، دون إيذاء أي مدنيين».

تجربة مريرة

ولكن تجربة أفغانستان والعراق أظهرت مراراً وتكراراً أن الأشخاص الذين تم استهدافهم من قبل القوات الجوية، سواء كانت طائرات حربية بجناح ثابت، أو مروحيات، أو طائرات درون، والصواريخ أرض - أرض، لم يكونوا في الغالب الأشخاص المطلوبين الذين اعتقد الطيارون بأنهم استهدفوهم. وبدلاً من استهداف «طالبان»، ومقاتلي تنظيم «داعش» يتضح بأنهم الأعداء القبليون لحاكم الإقليم أو ربما هم مزارعون يحاولون مقاومة المسلحين اللصوص، الذين أرسلهم قائد الشرطة المحلي. وكان الدافع الرئيس للتطوع مع «طالبان» هو الخسائر الكبيرة وسط المدنيين، التي سببتها الضربات الجوية الخاطئة.

معلومات استخباراتية غير مؤكدة

ويقول هاري إنه قتل 25 مسلحاً من «طالبان»، ولكني أشك بذلك كثيراً. وعندما تم التحقيق في تأثير الضربات الجوية على المدنيين في شمال العراق، حيث كانت الحرب الجوية مماثلة لتلك التي وقعت في أفغانستان، من قبل الصحافيين الأميركيين عزمت خان، وأناند غوبال، في الفترة ما بين 2016-2017، اكتشفا وجود تباين هائل بين ما يدعيه الجيش وبين الحقيقة. وفي دراسة لـ150 غارة جوية، تم نشرها في صحيفة نيويورك تايمز في 16 نوفمبر 2017، تم اكتشاف أن «غارة من كل خمس غارات قام بها الائتلاف، أدت إلى مقتل مدنيين».

ويعتمد الغرب لإثبات ادعائه القدرة على التمييز بين الجندي والمدني في الحملات الجوية المعاصرة، كما هي الحال في الماضي، على معلومات استخباراتية غير مؤكدة عن الأهداف. وفي أحد الأماكن السكنية خارج مدينة الموصل، ادعت القوات الجوية الغربية بأنها قتلت مدنياً واحداً فقط بالقرب من بلدة القيارة، وقالت القوات العراقية إنها لم تقتل أي شخص، واتضح أنه كان هناك نحو 40 غارة جوية على المنطقة أدت إلى مقتل 43 مدنياً، منهم 19 رجلاً، وثماني نساء، و16 طفلاً أصغر من عمر 14 عاماً. وفي ثلث هذه الغارات كان مقاتلو «داعش» بالقرب من المدنيين، ولكن في نصف الحالات لم يكن هناك أحد من المسلحين في المنطقة.

وركزت إساءة استخدام هاري، في بعض الأحيان، في ادعائه الكاذب بأنه يتباهى بقتل 25 من عناصر «طالبان»، على أنه انتهك بعض القواعد العسكرية بإعطاء رقم لأفراد العدو القتلى. ومن الواضح أنه في عصر مروحيات الأباشي والكمبيوتر المحمول، فإنه يستطيع إحصاء الأشخاص الذين قتلهم، وفق ما يقول.

العراق

وفي الواقع، فإن هاري ربما لا يستطيع القيام بذلك، حتى وإن كانت الأسلحة الحديثة دقيقة، إلا أنها لاتزال تعتمد على تحديد الهدف الصحيح. وإذا كان قول هاري صحيحاً حول كل أهدافه بأنها كانت عناصر من «طالبان»، فإن ذلك يتضمن مستوى استثنائياً من المعلومات الاستخباراتية الصحيحة. ومع ذلك، فإنه على الأقل فكر في ما كان يقوم به، رغم أنه في «حرارة وضباب القتال، لم أفكر بهؤلاء الأشخاص الـ25»، وقام بالتشبيه السيئ بين مقاتلي «طالبان» القتلى وحجارة الشطرنج، الذين تتم إزالتهم من على رقعة الشطرنج.

وهو مُحق تماماً في ذلك، وإن ليس بالطريقة التي يعنيها. فالجيوش تكذب عادة أو تخدع نفسها بشأن عدد المدنيين، مقارنة بمقاتلي العدو الذين تقتلهم. وهي نادراً ما تعترف لنفسها أو للآخرين، بالأسباب التي أدت إلى بروز مقاومة للاحتلال العسكري. وخلال التحضير لوصول الجيش البريطاني إلى هلمند عام 2006، قال أحد ضباط الاستخبارات وهو على ثقة «لا توجد حرب في هلمند الآن، ولكن ستحدث هذه الحرب إذا ذهب الجيش البريطاني إلى هناك».

وبالطبع فإن الحقائق الكئيبة عن التدخل المباشر للجيش البريطاني في العراق، وأفغانستان، ليست سراً. وقال أحد السفراء البريطانيين المتقاعدين، إن أسوأ خطأ من جانب الحكومة البريطانية التي شاهدها خلال فترة عمله الدبلوماسي برمتها هو التدخل البريطاني في العراق، ويأتي في المرتبة الثانية في السوء التدخل البريطاني في هلمند. وكان السبب الأساسي لكل من هذه التدخلات هو إقناع الولايات المتحدة بأن البريطانيين هم الحليف الذي تستطيع الولايات المتحدة الاعتماد عليه.

الأفغان الذين قتلهم هاري

هذا يقدم على الأقل حافزاً عقلانياً لإرسال جيوش صغيرة وغير كافية إلى البصرة وهلمند، حيث واجهوا شعباً معادياً، ومدرباً على الأسلحة بصورة جيدة.

وتم التحقيق في معظم الأخطاء التي تم ارتكابها في حرب بريطانيا في العراق وأفغانستان، من قبل تقارير حكومية أو برلمانية. وعلى الرغم من أن التقارير تعتبر جيدة بالنسبة للمؤرخين، إلا أن الدروس المستقاة منها يتم تجاهلها بصورة روتينية. وأهم هذه الدروس هي الخاتمة التي خلصت إليها بريطانيا والولايات المتحدة، ومفادها أن شن الحروب بالاعتماد على القوة الجوية إلى حد كبير، لا تنجح. ولو أنها نجحت لما كانت «طالبان» الآن في كابول.

وربما أن الوصف الذي قدّمه هاري لما يقوم به في أفغانستان سيثير جدلاً مفيداً حول سجل الجيش البريطاني في العراق، وأفغانستان. ولو أنه ليس هناك ما يدل على ذلك في ظل الاندفاع نحو شيطنة هاري لأنه أساء لعائلته.

وثمة سؤالان مهمان ربما سيظلان بلا جواب، من هم الأشخاص الذين قتلهم هاري؟ وكيف انضم الكثير من الأفغان إلى حركة «طالبان» لأن أقرباءهم وأصدقاءهم قتلوا؟

• الرفض في بريطانيا للاعتراف والتعلم من أخطاء الماضي، أصبح مرضاً وطنياً مدمراً. وأسوأ أعراضه هو التفاخر الضحل، والتظاهر بأن بريطانيا تحمل الأوراق الرابحة في أيديها، وتعرف كيف تلعب بها، وهذا الأمر قد تزايد إلى ذروته خلال سنوات رئيس الحكومة السابق بوريس جونسون، وخلفه ليز تراس، العام الماضي.

• تجربة أفغانستان والعراق أظهرت مراراً وتكراراً أن الأشخاص الذين تم استهدافهم من قبل القوات الجوية، سواء كانت طائرات حربية بجناح ثابت، أو مروحيات، أو طائرات درون، والصواريخ أرض - أرض، لم يكونوا في الغالب الأشخاص المطلوبين الذين اعتقد الطيارون بأنهم استهدفوهم.

• الحقائق الكئيبة عن التدخل المباشر للجيش البريطاني في العراق وأفغانستان ليست سراً.

باتريك كوكبيرن ■ صحافي بريطاني مهتم بالشرق الأوسط

طباعة