كان يمثّل السلام ضد الاحتلال الإسرائيلي

اغتيـال شيريــن أبـــوعاقلــــة.. لإسكـات صوتها

صورة

2022 عام تفجّر الصراعات.. ومحاولة إعادة «رسم الخرائط»

قد يكون من باب التسطيح وتجاهل الحقائق لو اعتبرنا أن عام 2022 كان عاماً عادياً، لأن الأحداث التي وقعت في هذا العام كانت استثنائية بحق، وانعكست بتبعاتها وآثارها، وربما بخصوصيتها، على العالم كله، لأن بعضها كان محاولة لإعادة «رسم الخرائط».

ونظراً إلى أن أحداث العالم كثيرة، ولا يمكننا أن نعرج عليها كلها، فإننا سنحاول التطرق لأهمها، مثل التظاهرات المتفجّرة في إيران منذ بضعة أشهر، والتي هزت النظام الإيراني من الداخل، وأثارت ردود فعل متباينة عبر العالم، وحرب أوكرانيا وما خلّفته من آثار اقتصادية وجيوسياسية على دول العالم، وبالذات القارة الأوروبية، ورحيل الملكة إليزابيث، التي شكلت جزءاً كبيراً من تاريخ بريطانيا الحديث، وحظيت بشعبية كبيرة عبر العالم، وزيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، إلى تايوان وتحدّي الصين، وزيارة الرئيس جو بايدن إلى الشرق الأوسط، وما أثارته من ردود أفعال، وزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى السعودية، وعقده أكثر من قمة، فيما يمكن اعتباره إعادة تموضع لبكين جهة الشرق الأوسط، وإعادة توجه من قبل بعض الدول العربية تجاه بكين.


إعداد: حسن عبده حسن / العديد من الرصاصات انطلقت بسرعة بصورة متكررة قاطعة صفاء صباح ربيعي في مدينة جنين في الضفة الغربية يوم الأربعاء 11 مايو من العام الجاري. وتراجع المصور أثناء تصويره هذا المشهد ليختبئ خلف جدار أسمنتي صغير. وبعد ذلك سُمعت صرخات رجل يقول: «إنها جريحة، شيرين، شيرين، يا ناس شيرين، أحضروا سيارة الإسعاف».

بهذه الكلمات وصف مراسل محطة «سي إن إن» التلفزيونية مشهد استشهاد الصحافية شيرين أبوعاقلة، البالغة من العمر 51 عاماً، في الساعة السادسة والنصف صباحاً برصاص قيل منذ البداية إنه جاء من جهة الجيش الإسرائيلي. وأظهر التصوير أن شيرين كانت ملقاة بلا حراك ووجهها يلامس الأرض، في حين كانت صحافية فلسطينية أخرى هي، شذى حنايشة، تجثم على الأرض إلى جانبها مختبئة خلف جذع شجرة، وكلتاهما ترتديان خوذة كتب عليها «صحافة».

وفي اللحظات التي تلت ذلك، ظهر رجل قام بمحاولات عدة كي ينقل شيرين، ولكنه كان يضطر للاختباء بسبب العيارات النارية المتلاحقة، وتمكن في النهاية من سحب جثتها من الشارع.

وقال شهود عيان لمراسل «سي إن إن» إنهم يعتقدون بأن القوات الإسرائيلية الموجودة في الشارع ذاته، الذي كانت فيه شيرين، قد أطلقوا النار عمداً على الصحافيين، إذ إن جميع الصحافيين كانوا يرتدون ملابس واقية من الرصاص زرقاء اللون تحددهم باعتبارهم عاملين في الصحافة. وقالت الصحافية حنايشة: «عندما سقطت شيرين لم أستوعب، وبصدق، أنها أصيبت بطلق ناري، وكنت أسمع صوت الرصاص، ولكني لم أقتنع بأن الرصاصات موجهة علينا. فأنا لا أصدق حتى الآن ما حدث. واعتقدت أنهم كانوا يطلقون النار بالقرب منا كي نبقى بعيدين عنهم، ولم أتصور أنهم كانوا يحاولون قتلنا».

رصاص طائش

وفي يوم الحادث، أبلغ المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، ران كوشاف، راديو الجيش، أن أبوعاقلة كانت «تصور وتعمل وسط فلسطينيين مسلحين»، وقالت صحيفة «ذي تايمز أوف إسرائيل» معلقة على كوشاف: «يبدو أنهم كانوا مسلحين بالكاميرات، إذا سمحتم لي بقول ذلك». وقال التلفزيون الإسرائيلي إنه من غير الواضح من الذي أطلق النار على شيرين. وفي بداية التحقيق، قال الجيش إنه من المحتمل أن شيرين أصيبت برصاص طائش أطلقه فلسطينيون، أو من قبل قناص إسرائيلي يرابط على بعد 200 متر بعيداً عن مكان تبادل الرصاص، على الرغم من أنه لا إسرائيل ولا أي شخص آخر تمكن من تقديم أية أدلة على ظهور مسلحين فلسطينيين في خط إطلاق النار على شيرين.

ولكن التحقيق الذي أجرته محطة «سي إن إن» قدم دليلاً جديداً، على شكل مقطعَي فيديو لمكان إطلاق النار، يظهر إنه لم يكن هناك قتال نشط، ولا أي مسلحين فلسطينيين، بالقرب من شيرين في اللحظات التي أدت إلى وفاتها. ويشير الفيديو الذي حصلت عليه «سي إن إن»، والمدعوم بشهادات من ثمانية شهود عيان، ومحلل صوتي، وخبير متفجرات، إلى أن شيرين قُتلت نتيجة هجوم مستهدف من قبل قوات إسرائيلية.

ورفض أحد كبار المسؤولين الأمنيين الإسرائيليين صراحة نتيجة تحقيق «سي إن إن»، في 18 مايو، أن الجيش الإسرائيلي قتل شيرين متعمداً. وقال بعد رفض الكشف عن اسمه، لـ«سي إن إن»: «لم يستهدف الجيش الإسرائيلي بأي حال من الأحوال أي مدني، خصوصاً العاملين في الصحافة»، وأضاف أن الجنود الإسرائيليين لا يطلقون النار رشاً من بنادق إم 16، وإنما كل رصاصة على حدة.

لم تكن رصاصات عشوائية

وقال المستشار الأمني والعسكري المخضرم البريطاني، كوب سميث، إن شيرين لم تُقتل بزخة من الرصاص ببندقية أوتوماتيكية، وإنما برصاص متقطع. وتوصل إلى هذا الاستنتاج لأنه شاهد العلامات التي تركتها الرصاصات على جذع الشجرة، حيث سقطت شيرين. وأضاف «عدد العلامات على الشجرة يثبت أنها لم تكن رشات عشوائية، بل تم استهدافها».

من جهتها، فتحت وزارة العدل الأميركية تحقيقاً في قضية مقتل شيرين، باعتبارها صحافية أميركية، في الضفة الغربية المحتلة. وأكد ذلك وزير الدفاع الإسرائيلي، بيني غانتز، الذي قال إن إسرائيل لن تشارك فيه. وجاء هذا الإعلان بعد ستة أشهر من مقتل شيرين بينما كانت تغطي اقتحاماً قام به الجيش الإسرائيلي لمدينة جنين.

وعلى الرغم من أن إسرائيل قالت بداية إن شيرين على الأرجح قُتلت على يد مسلح فلسطيني أثناء الاشتباكات مع الجنود الإسرائيليين، قبل أن تتراجع في سبتمبر الماضي، وتقر بأنه «ثمة احتمال كبير» بأن شيرين قُتلت على يد جندي إسرائيلي، إلا أنها استبعدت إجراء تحقيق جنائي، وفق ما ذكرته صحيفة «نيويورك تايمز».

جنازة شيرين

وخلال فترة ما بعد الظهر من يوم الجمعة 13 مايو كانت مراسم جنازة شيرين، حيث تجمع الآلاف في القدس الشرقية، من أجل واحدة من أضخم الجنازات الفلسطينية في الفترة الأخيرة. وقامت كتيبة من الشرطة الإسرائيلية بمهاجمة المشيعين الذين يحملون نعش شيرين. ولكن الشرطة الإسرائيلية قالت لاحقاً إنها تدخلت لأن المشيعين الذين أرادوا حمل النعش مشياً على الأقدام، رفضوا أن يضعوه في سيارة وفق الترتيبات التي تم الاتفاق عليها مع عائلة شيرين، وفق ما ذكرته صحيفة «نيويورك تايمز».

ولكن تدخل الشرطة أثار الصدمة لكثيرين داخل إسرائيل وخارجها، حيث اعتبر الهجوم على المشيعين فظيعاً بغض النظر عن المحفز لذلك. وحدث الهجوم خارج المستشفى في القدس الشرقية، حيث كان جثمان شيرين، بينما تجمّع المئات من أجل المشاركة في الجنازة.

وهاجمت الشرطة المشيعين عندما رفضوا حمل النعش في سيارة، وقاموا بحمله على أكتافهم إلى الكنيسة، وفق ممثل الاتحاد الأوروبي في الضفة الغربية، سفن كون بيرغزدورف.

ووصفت السكرتيرة الصحافية للبيت الأبيض، جين ساكي، مقطع الفيديو الذي يظهر اشتباك الشرطة الإسرائيلية مع المشيعين بأنه «مقلق للغاية»، وأضافت «نشعر بالأسف على الاعتداء على الجنازة التي يجب أن تكون سلمية».

اشتباكات لا حاجة لها

وقال وزير التعاون الإقليمي الإسرائيلي، عيساوي فريج، وهو العربي الوحيد الذي عمل وزيراً في إسرائيل، على موقع «تويتر»، إن قوات الشرطة «دنست» ذكرى وجنازة شيرين، ما أدى إلى اشتباكات لا حاجة لها، وأضاف «لم تُظهر قوات الشرطة أي احترام للمشيعين، كما أنها لم تفهم ما هو دورها كمؤسسة مسؤولة عن الحفاظ على النظام، وليس إثارة العنف».

وعلى صعيد آخر، اتصل وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، بعائلة شيرين وقدّم لها أحر التعازي، والدعم، وفق ما ذكرته صحيفة «إسرائيل تايمز».

وكذلك التقى أنطون أبوعاقلة مع البابا فرانسيس، وكان لقاءً «عاطفياً مهماً» منحه مزيداً من القوة من أجل كفاحه للوصول إلى «الحقيقة والعدالة» لشقيقته شيرين، وفق صحيفة «آسيا نيوز». وقال أنطون إن هذه اللحظة المؤثرة هي مصدر للدعم في المعركة التي نقوم بها في فلسطين. وأكد أبوعاقلة أن «قضية السلام أساسية، خصوصاً من وجهة نظر السلام، لأنه لن يكون هناك سلام من دون عدالة»، وأضاف «شيرين كانت صوت السلام ضد الاحتلال، وعملت لإيصال صوت معاناة الفلسطينيين. ولهذا السبب كان يجب إسكاتها. وتم إطلاق النار عليها بصورة متعمدة».

• قال المستشار الأمني والعسكري المخضرم البريطاني، كوب سميث، إن شيرين لم تُقتل بزخة من الرصاص ببندقية أوتوماتيكية، وإنما برصاص متقطع. وتوصل إلى هذا الاستنتاج لأنه شاهد العلامات التي تركتها الرصاصات على جذع الشجرة، حيث سقطت شيرين. وأضاف «عدد العلامات على الشجرة يثبت أنها لم تكن رشات عشوائية، بل تم استهدافها».

• تحقيق أجرته محطة «سي إن إن» قدّم دليلاً على شكل مقطعَي فيديو لمكان إطلاق النار، يظهر أنه لم يكن هناك قتال نشط، ولا أي مسلحين فلسطينيين بالقرب من شيرين في اللحظات التي أدت إلى وفاتها. ويشير الفيديو الذي حصلت عليه «سي إن إن»، والمدعوم بشهادات من ثمانية شهود عيان، ومحلل صوتي، وخبير متفجرات، أن شيرين قُتلت نتيجة هجوم مستهدف من قبل قوات إسرائيلية.

طباعة