شهد رحيل الملكة إليزابيث واستقالة رئيسَين للوزراء

2022.. عام التقلبات السياسيـة والاقتصادية في بريطانيا

صورة

2022 عام تفجّر الصراعات.. ومحاولة إعادة «رسم الخرائط»

قد يكون من باب التسطيح وتجاهل الحقائق لو اعتبرنا أن عام 2022 كان عاماً عادياً، لأن الأحداث التي وقعت في هذا العام كانت استثنائية بحق وأثرت في تبعاتها وآثارها، وربما في خصوصيتها، على العالم كله، لأن بعضها كان محاولة لإعادة «رسم الخرائط».

ونظراً إلى أن أحداث العالم كثيرة ولا يمكننا أن نعرج عليها كلها، فإننا سنحاول التطرق لأهمها، مثل التظاهرات المتفجّرة في إيران منذ بضعة أشهر، والتي هزت النظام الإيراني من الداخل، وأثارت ردود فعل متباينة عبر العالم، وحرب أوكرانيا وما خلّفته من آثار اقتصادية وجيوسياسية على دول العالم، وبالذات القارة الأوروبية، ورحيل الملكة إليزابيث التي شكلت جزءاً كبيراً من تاريخ بريطانيا الحديث، وحظيت بشعبية كبيرة عبر العالم، وزيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، إلى تايوان وتحدّي الصين، وزيارة الرئيس جو بايدن إلى الشرق الأوسط وما أثارته من ردود أفعال، وزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى السعودية وعقده أكثر من قمة فيما يمكن اعتباره إعادة تموضع لبكين جهة الشرق الأوسط، وإعادة توجه من قبل بعض الدول العربية تجاه بكين.


شهدت بريطانيا حالة من عدم الاستقرار في عام 2022، فبعد سلسلة من المشكلات داخل الحكومة، استقال رئيس الوزراء المحافظ بوريس جونسون، وعيّنت الملكة إليزابيث الثانية، قبل رحيلها، ليز تراس رسمياً خلفاً له في داونينغ ستريت قبل يومين من وفاتها في 8 سبتمبر الماضي، بعد 70 عاماً من التربع على عرش المملكة المتحدة. وفي العاشر من الشهر ذاته تم إعلان تشارلز الثالث ملكاً خلفاً لوالدته الراحلة، وبقيت ليز تراس 44 يوماً فقط في منصبها قبل أن تستقيل هي الأخرى، ما تسبب في أزمتين سياسية ومالية مع برنامجها الاقتصادي الذي تضمّن تدابير جذرية، وخلفها ريشي سوناك ليصبح خامس رئيس وزراء لبريطانيا منذ الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في عام 2016.

وتنتظر سوناك، المصرفي ووزير المال السابق، البالغ 42 عاماً، تحديات هائلة، مع نسبة تضخم تبلغ أكثر من 10%، وإضرابات، وتدهور النظام الصحي. ولم تكن تلك التحديات خافية عن سوناك أو متهرباً منها، بل صارح بها حزبه والشعب البريطاني، وقال بعد توليه منصبه في أكتوبر الماضي، إنه سيتعين اتخاذ قرارات صعبة لوضع الاقتراض والاستدانة من الحكومة البريطانية على مسار مستدام، معرباً في الوقت ذاته عن ثقته بإصلاح الاقتصاد، وقال سوناك للصحافيين آنذاك: «نحن كدولة نواجه الكثير من التحديات، لكنني واثق بقدرتنا على إصلاح الاقتصاد».

سابقة

وبعدما أصبح ثالث رئيس للوزراء في بريطانيا خلال شهرين، أعاد ريشي سوناك الشخصيات الرئيسة في حزب المحافظين إلى الحكومة، في مسعى لإرساء استقرار يتيح إصلاح الأخطاء التي ارتكبت في عهد ليز تراس، وخلافاً للوضع السياسي والاقتصادي الذي تشهده بريطانيا فإن تولي سوناك رئاسة حكومتها كان سابقة هي الأولى من نوعها، نظراً لأصوله الهندية وكونه يعتنق الديانة الهندوسية، وأول رئيس وزراء من مستعمرة بريطانية سابقة.

وكان من أبرز التصريحات اللافتة التي أعلنها سوناك بعد توليه منصبه، تعهده بـ«توحيد البلاد ليس بالأقوال، بل بالأفعال»، وتأكيده أن إصلاح الوضع القائم يستدعي اتخاذ قرارات صعبة في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية خطيرة، وكون معدّل التضخّم في بلده هو الأعلى بين دول مجموعة السبع، بينما أسعار الطاقة آخذة في الارتفاع، وكذلك أسعار المواد الغذائية، خصوصاً بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا.

وأبقى سوناك على وزير المال، جيريمي هانت، في المنصب الذي عينته فيه ليز تراس على عجل منتصف أكتوبر لتهدئة العاصفة المالية الناجمة عن برنامجها الاقتصادي، وألغى هانت كل التخفيضات الضريبية التي أعلنتها حكومة تراس، وحذر هو الآخر بدوره من إجراءات صعبة آتية، ما أثار مخاوف من عودة التقشف.

كذلك عيّن سوناك حليفه المقرب دومينيك راب وزيراً للعدل ونائباً لرئيس الوزراء، وهما منصبان شغلهما في عهد جونسون، وأبقى على جيمس كليفرلي في منصبه وزيراً للخارجية، وبن والاس وزيراً للدفاع، وقام بتعيين سويلا برافرمان المحافظة المتشددة وزيرة للداخلية، بعد أقل من أسبوع على استقالتها من المنصب، والتي أسهمت في سقوط تراس.

انطباع بالهدوء والاستقرار

ورأى المراقبون أن تشكيلة الحكومة البريطانية الجديدة أعطت انطباعاً بالهدوء والاستقرار، وعكست حزباً موحداً، بما برهن على أن اختيارات الوزراء جاءت لإعادة الثقة بالحكومة كما تعهد سوناك.

وبالعودة إلى جزء من الأزمة التي تشهدها بريطانيا، وهو أسعار الطاقة والمواد الغذائية بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، فإن سوناك كان واضحاً في انحيازه إلى جانب أوكرانيا، حيث قام بزيارة مفاجئة إلى كييف، وأجرى محادثات مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، وأعلن أن لندن ستقدم حزمة دفاع جوي إلى كييف تشمل أسلحة مضادة للطائرات وتقنيات لمكافحة الطائرات المسيّرة، مع تكثيف الدعم الإنساني لمواجهة الشتاء القاسي.

وقال رئيس الوزراء البريطاني إن بلاده ستواصل دعم كييف في حربها مع روسيا حتى تحقق السلام.

إضرابات جديدة في 2023

تنتظر الحكومة البريطانية في بداية عام 2023 أزمة جديدة، مع إعلان عاملين في القطاع الصحي عن موجة جديدة من الإضرابات في يناير، بما يشير إلى أن خلافهم طويل الأمد مع الحكومة بشأن الأجور وظروف العمل سيستمر في العام الجديد.

وستضع مواعيد الإضرابات الجديدة المزيد من الضغوط على خدمة الصحة الوطنية الممولة من الحكومة، والتي تعاني بالفعل نقصاً في العمالة، وتأخيرات قياسية في تقديم الخدمات.

وأعلنت كلية التمريض الملكية أن آلافاً من أعضائها سيشاركون مجدداً في إضراب يومي 18 و19 يناير 2023 احتجاجاً على الأجور، كما حدد مسعفون، تمثّلهم نقابة «جي.إم.بي»، تاريخاً جديداً للإضراب في 11 يناير.

من جانبه، يشعر رئيس الوزراء البريطاني، ريشي سوناك، بخيبة أمل من العراقيل والتعطل الذي تتسبب فيه الإضرابات، وقال إنه يحاول «اتخاذ قرارات سليمة على الأجل الطويل للبلاد من أجل مصلحة الجميع».

وأكد سوناك أن حكومته تتصرف لمصلحة المملكة المتحدة برفض التفاوض في اتفاقات الأجور مع نقابات عمال الصحة، رغم أنه لم يستبعد احتمالية الإقدام على زيادة في الأجور لمرة واحدة فقط لإنهاء الأزمة.

• الحكومة البريطانية تواجه تحديات هائلة مع نسبة تضخم تبلغ أكثر من 10%، وإضرابات، وتدهور النظام الصحي.

• سوناك تعهد بـ«توحيد البلاد ليس بالأقوال، بل بالأفعال»، وأكد أن إصلاح الوضع القائم يستدعي اتخاذ قرارات صعبة في ظل أزمة اقتصادية واجتماعية خطيرة.

طباعة