يجب عليه معايرة مواقفه بدقة متناهية

الغرب يسير فوق حبل مشدود في تعامله مع روسيا

صورة

الأيام القليلة الماضية جلبت معها سلاحاً جديداً في الحرب المالية الغربية ضد روسيا، ومنذ بدء الحرب في أوكرانيا، سعت الدول الغربية لاستخدام الوسائل المالية، إضافة إلى العسكرية السرية، للضغط على روسيا وإضعافها.

وبدأت يوم الإثنين الماضي واحدة من أكثر التجارب تأثيراً على الحرب، والتي تتمثل في محاولة استخدام سلاح مالي من شأنه أن يشكل ضربة قوية لروسيا. لقد بدأت دول الغرب في محاولة وضع سقف سعري للنفط الروسي، مطالبة بألا تقوم أي دولة بشراء النفط الروسي بأعلى من السعر الذي تم وضعه. وحظرت أوروبا استيراد النفط من روسيا عبر البحر. ولفرض سقف سعري لن تقوم شركات التأمين الأوروبية والبريطانية، التي تهيمن على مجال تأمين ناقلات النفط، بتأمين ناقلات النفط التي تنقل النفط الروسي بأسعار أعلى من سقف السعر المحدد.

تأثير فوري

وبالفعل كان لسقف السعر تأثير فوري، وبعد ساعات من تطبيق سقف السعر كان هناك طوابير من ناقلات النفط القادمة من البحر الأسود، خارج مضيق البوسفور مقابل إسطنبول، حيث طالبت السلطات التركية بالتثبت من أن حمولاتهم من النفط مؤمنة قبل عبور المضيق.

وكالعديد من الدول الأخرى، لا تسمح تركيا لناقلات النفط بالعبور من خلال المجالات التابعة لها، مخافة حدوث تسريبات مفاجئة للنفط في مياهها، ولن تكون هناك أي شركة تأمين مستعدة لدفع الملايين المطلوبة لتنظيف هذه التسريبات.

وأظهرت الحرب في أوكرانيا، أكثر من أي صراع آخر، مدى الترابط في النظام المالي العالمي، وانسجامه مع مصالح ورغبات مدن ومؤسسات الغرب بالتأكيد، ولكن يتعين على الحكومات الغربية أن تقوم بالمعايرة الحذرة من أجل استخدام هذه الأسلحة.

سقف السعر المفروض

حتى الآن، لاتزال محاولات ضرب قدرة تصدير روسيا للنفط تنطوي على تأثير محدود، إذ إن العقوبات المتنوعة التي فرضها الغرب على روسيا أدت فقط إلى انخفاض تصدير النفط بنسبة 5% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وتدخل العديد من الدول لشراء النفط وبسرور.

ولذلك فإن محاولة فرض سقف سعري تهدف لتغيير هذا الوضع، ولكن ذلك يتطلب الحذر، وإذا زادت الضغوط باتجاه واحد فربما لن يتحمل الغرب نفسه الألم أو حتى حلفاؤه، وإذا كانت الضغوط في اتجاه آخر، فربما تسعى روسيا إلى طرق أخرى للتخلص من النظام العالمي، الأمر الذي ربما يقوض قوة الغرب في نهاية المطاف.

ولنأخذ على سبيل المثال القرار المتعلق بوضع سقف سعري، فطوال أسابيع أجرت مجموعة الدول السبع والاتحاد الأوروبي محادثات سرية، وبلغ السعر الذي تم التوصل إليه 60 دولاراً للبرميل الواحد، وهو سعر مشابه تقريباً بالسعر الذي يتم بيع النفط الروسي به، لكن الأوكرانيين أرادوا أن يكون السقف السعري أقل من ذلك بكثير، ربما أقل من 30 دولاراً للبرميل، وهذا من شأنه تخفيض كمية الأموال التي تحصل عليها روسيا، ويؤثر على قدرتها لشن الحرب فترة طويلة.

ولكن الدول الغربية كانت تشعر بالقلق من أن طرح مثل هذا السعر سيجعل روسيا لا تستفيد مطلقاً من ضخ النفط في الأساس، الأمر الذي سيقلل كمية النفط المطروحة في الأسواق، وبالتالي سيكون هناك نقص عالمي، ما سيؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط، وهو ما سيزيد من التضخم في دول الغرب.

وبدلاً من ذلك يجب معايرة السعر إلى حد لا يؤثر على قدرة روسيا في سد حاجاتها المالية، ولكن لا ينبغي تخفيض السعر إلى حد يدفع الروس إلى وقف بيع النفط، ولهذا وصف الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي السقف السعري بأنه «ضعيف».

ويبدو أن السعر الذي تم التوصل إليه سياسي بامتياز. وعن طريق اختيار رقم قريب من سعر السوق، فإن ذلك يعني أن روسيا يمكن أن تغضب من كونها تحت رحمة الغرب، ولكنها ربما لا تشعر بأن ثمة سبباً كافياً للرد بقوة في الحال، على نحو يمكن أن يؤذي الاقتصادات الغربية بصورة كبيرة، ولكن في ما بعد وإثر ترسيخ هذا المبدأ، يمكن أن يقوم الغرب بزيادة تخفيض سقف السعر، ويقوم بالضغط على القدرات المالية لروسيا، وقد تؤتي هذه العملية ثمارها. وجاء الرد الروسي السريع على السقف السعري باقتراح أنه سينفذ أرضية لسعر النفط، وهو رد أكثر لطفاً من وقف إنتاج النفط، وهو الأمر الذي سيضر بالاقتصادات الغربية، ولكن هناك مشكلة أكبر مع سلاح النفط الجديد لدى الغرب، وهو الذي سيتم مراقبته عن كثب في الشرق الأوسط.

فيصل اليافي كاتب وصحافي مستقل

«أوبك» تنتظر دورها

غالبية دول منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك» وهي الدول الـ13 التي تنتج معظم نفط العالم، والتي لديها أكبر احتياطات نفطية، هي من العرب، والأفارقة، والتي تتضمن دولاً مثل ليبيا، والعراق، وإيران، التي لا تربطها علاقات دافئة مع الغرب. وإذا نجح سلاح النفط الجديد في خنق الأرباح الروسية، فثمة احتمال قوي بأنه سيتم استخدامه مرة ثانية، وعلى الأرجح ضد دول «أوبك».

وستسعى دول منظمة أوبك إلى تقييم ذلك عن كثب، والتفاعل معه بحذر شديد. والتقت المجموعة يوم الأحد الماضي، وكانت ستعمل على إبطاء الإنتاج، وهو قرار من المؤكد أن يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، الأمر الذي سيجلب الإحباط لاقتصادات الغرب. ولكنهم وافقوا جميعاً على عدم تغيير أي شيء.

ومثل معظم دول العالم، سيراقب أعضاء «أوبك» استجابة كبار الزبائن الذين يشترون النفط الروسي، مثل الصين والهند، ويمكن أن تقرر الدولتان الآسيويتان العملاقتان معارضة الغرب على أساس أنهما لا تريدان التعرض للضغوط بصورة مشابهة في المستقبل، أو أنهما يمكن أن يستغلا الفرصة للتفاوض حول سعر أفضل من أجل النفط. وكلا الخياران ينطويان على عواقب، وما سيراقبه الجميع هو العواقب المترتبة على الإجراءات الغربية.

وبالنسبة للغرب، ما إذا كانت المعايرة لسلاح النفط كافية لإلحاق الأذى بروسيا دون التأثير على اقتصاداتهم، وأما بالنسبة للمستهلكين ما إذا كان احتمال الحصول على أسعار منخفضة للتعويض عن الإذعان للضغوط الغربية، وأما بالنسبة لمنتجي النفط، خصوصاً في الشرق الأوسط وإفريقيا، ما إذا كان التفاؤل بفشل سلاح النفط الجديد كافياً، أو أنه ينطوي على مخاطر كافية لهم تدفعهم للاستعداد للقيام بإجراءات مضادة في حالة تحول الأمر ضدهم في المستقبل.

أظهرت الحرب في أوكرانيا، أكثر من أي صراع آخر، مدى الترابط في النظام المالي العالمي، وانسجامه مع مصالح ورغبات مدن ومؤسسات الغرب، لكن يتعين على الحكومات الغربية أن تقوم بالمعايرة الحذرة من أجل استخدام هذه الأسلحة.

طباعة