المرصد

«ليلة القبض على منة شلبي»

احتجزت السلطات المصرية لساعات عدة الفنانة منة شلبي، بعد «الاشتباه» في حيازتها مواد «قد تكون مخدرات»، وتم التحقيق معها، ومن ثم إطلاق سراحها بكفالة على ذمة التحقيق، وإرسال المواد المضبوطة لمصلحة الطب الشرعي بغرض «فحصها وبيان طبيعتها، ومدى احتوائها على أيٍّ من المواد المخدرة».

الصيغة الأمينة البسيطة لخبر من هذا النوع هي: «توقيف الفنانة منة شلبي في مطار القاهرة بشبهة حيازتها مواد مخدرة»، لكن في ظل فوضى المواقع الخبرية، وسيادة صحافة الترند، سقطت كلمة «بشبهة» في كثير من الصياغات، ونزلت مع اسم الفنانة صورة جواز سفرها وعليه ختم وصولها لمطار القاهرة، وصورة لعلب وعبوات قيل إنها مخدرة، كل هذا، ومنة شلبي لم يصل توصيفها القانوني بعد إلى درجة «متهمة».

كذلك جاءت العناوين بعد ذلك متسقة مع ما ورد في الخبر من إدانة مسبقة للفنانة المعروفة، فعنونت صحف ومواقع «12 كيس ماريغوانا وسيجارتان، قصة القبض على منة شلبي..»، وعنونت أخرى «بحوزتها مخدرات، القبض على منة شلبي» وعنونت ثالثة «تفاصيل ما وجدوه في حقائب منة شلبي». أما التقارير الصحافية فقد استطلع بعضها «آراء الفنانين في الواقعة» مع محاولة استنطاقهم.

لقد أهملت مواقع وصحف في التغطية قواعد حقوقية، أبسطها أن «الإنسان بريء حتى تثبت إدانته»، وتركت صميم شغلها في إغناء الخبر، وكان أمامها فيض من المصادر: الافادات العلمية حول «المواد المخدرة المفترضة» التي يتردد ضبطها ومدى تعرّضها للحظر والإباحة في البلدان المختلفة، أو الافادة القانونية حول حدود فكرة الجهل بالقانون وعدم اعتبارها عذراً، أو مخاطر المواد المتاحة في المتاجر الأميركية والأوروبية، بغرض التهدئة النفسية والعصبية، وموقفها القانوني في البلدان المختلفة، وهي مسائل خطيرة أثارتها القضية، والتهمتها صفحات «فيس بوك»، وتحتاج لخدمة حقيقية، لا تستطيع أن تقوم بها إلا صحافة علمية محترفة ومسؤولة، تعزز صدقيتها بتوثيق وأدلة.

خطأ آخر في تغطية قضية منة شلبي، وقع فيه محبوها هذه المرة. فقد أعلن البعض على صفحاتهم على «فيس بوك»، ومنهم إعلاميون، عن تضامنهم الإنساني معها، وكتبوا عنها بوصفها فنانة موهوبة ومحبوبة ومتفوقة، وهو إعلان يليق بالكلام عن الفتاة المذكورة لو تعرضت لحادث إنساني بسيط، وليست موقوفة من قبل النائب العام للتحقيق في قضية مخدرات.

هذه السلوكيات جميعها، تصنع محكمة موازية، وتحوّل الجمهور إلى قضاة، وتشوش على الوصول إلى «الحقيقة»، وهي مهمة الإعلام الأولى والأخيرة.

لقد أهملت مواقع وصحف في التغطية قواعد حقوقية، أبسطها أن «الإنسان بريء حتى تثبت إدانته».

طباعة