لديها الموارد لتحقيق نهضة اقتصادية

إندونيسيا مرشحة لتغيير ميزان القوى العالمي في السنوات المقبلة

صورة

انعقد اجتماع مجموعة العشرين، قبل أيام قليلة في إندونيسيا، الدولة الأكثر أهمية التي يتجاهلها الناس بشكل روتيني. وكانت آخر مرة كان فيها اقتصادها وسياستها في دائرة الضوء العالمية، خلال الفوضى في التسعينات من القرن الماضي، عندما ضربت الأزمة المالية آسيا، ما تسبب في سقوط ديكتاتورية محمد سوهارتو التي استمرت 32 عاماً.

وبعد مرور ربع قرن، أصبحت إندونيسيا مهمة مرة أخرى. إنها أكبر دولة ذات أغلبية مسلمة في العالم، وثالث أكبر دولة ديمقراطية، ورابع أكبر دولة من حيث عدد السكان. ومع 276 مليون شخص منتشرين عبر آلاف الجزر الممتدة من المحيط الهندي إلى المحيط الهادئ، فإنها محاصرة في المنافسة الاستراتيجية بين أميركا والصين. ومثل الهند والأسواق الناشئة الأخرى، فإنها تتكيف مع نظام عالمي جديد تتراجع فيه العولمة والتفوق الغربي.

تزايد النفوذ

خلال ربع القرن المقبل، يمكن أن يزداد نفوذ الدولة بشكل مذهل؛ والاقتصاد هو أحد الأسباب. وإندونيسيا هي سادس أكبر سوق ناشئ من حيث الناتج المحلي الإجمالي، وقد نمت في العقد الماضي بشكل أسرع من أي اقتصاد آخر، باستثناء الصين والهند. ومصدر الديناميكية هو الخدمات الرقمية، التي تساعد في إنشاء سوق استهلاكية أكثر تكاملاً، حيث ينفق أكثر من 100 مليون شخص نحو 80 مليار دولار سنوياً.

هناك محفز اقتصادي آخر خاص بإندونيسيا، إذ مع خُمس الاحتياطيات العالمية من النيكل، المستخدم في البطاريات، تُعد الدولة رابطاً حيوياً في سلاسل توريد السيارات الكهربائية. ومع قيام الغرب والصين والهند بزيادة الإعانات لجذب الاستثمار في الداخل، اكتشفت إندونيسيا الفرصة.

وتنتهج جاكارتا سياسة «التكرير»، وحظر تصدير المواد الخام، لإجبار الشركات العالمية على بناء مصانع في إندونيسيا، وهذا غير تقليدي، لكنها ضمنت أكثر من 20 مليار دولار من الاستثمار حتى الآن. ويتم إيقاف محطات الطاقة التي تعمل بالفحم، ما يدفع هذه الصناعات الجديدة للعمل على الطاقة النظيفة.

السبب الثاني للآفاق القوية لإندونيسيا هو أنها وجدت طريقة للجمع بين الديمقراطية والإصلاح الاقتصادي. وانعكاساً لصدمات التسعينات، يطور البلد الآسيوي نظاماً سياسياً مثير للجدل، لكنه تعددي يشدد على التسوية والوئام الاجتماعي. والرئيس جوكو ويدودو، الموجود في السلطة منذ عام 2014، يحكم من خلال تحالف ضم العديد من خصومه. وتشمل التحسينات الإضافية البنية التحتية الجديدة، وتطوير الشركات الحكومية، وتحديث قوانين التعليم والعمل. ويظل الفساد مشكلة، لكن الاقتصاد أكثر انفتاحاً مما كان عليه قبل 10 سنوات.

مسرح رئيس

والسبب الأخير لنفوذ إندونيسيا المتنامي هو الجغرافيا السياسية، وموقعها وحجمها ومواردها التي تجعلها مسرحاً رئيساً في مسابقة القوى العظمى. وتعكس جاكرتا مبدأ عدم الانحياز الذي يعود إلى الخمسينات من القرن الماضي، وتريد أن تكون محايدة. وهي ساحة تتنافس فيها الشركات الرقمية، والمستثمرون الصينيون والأميركيون بشكل مباشر.

وفي مجال البطاريات، تستثمر شركة «كاتل» الصينية، في مشروع بقيمة ستة مليارات دولار، لكن ويدودو يسعى أيضاً، إلى استمالة شركة تسلا. وفي الدبلوماسية، سعى إلى أن يكون داعياً للسلام، وصانعه. وانتقدت إندونيسيا العقوبات الغربية على روسيا. وقد يكون الرئيس الإندونيسي هو الشخص الوحيد الذي التقى بالرؤساء جو بايدن، وشي جين بينغ، وفلاديمير بوتين، وفولوديمير زيلينسكي، هذا العام.

إذا بقيت إندونيسيا على هذا المسار خلال العقد المقبل، يمكن أن تصبح واحدة من أكبر 10 اقتصادات في العالم. وستظل مرنة إلى حد ما في مواجهة الصدمات؛ فقد تفوقت عملتها على العديد من العملات في العالم الغني، هذا العام، على الرغم من الاضطرابات المالية العالمية. وسترتفع مستويات المعيشة. إذ يعيش 4٪ فقط من الناس، الآن، على 2.15 دولار في اليوم أو أقل، أي أقل بثلاثة أرباع مما كان عليه في عام 2012. وعلى الرغم من أنه من غير المرجح أن تصبح إندونيسيا معجزة تصنيع على الطريقة الصينية، إلا أنه ستظهر طبقة وسطى كبيرة.

مخاطر

حتماً، هناك مخاطر؛ والأول هو الخلافة، إذ تنتهي ولاية ويدودو الأخيرة في عام 2024، وليس له خليفة واضح. ويريد بعض المؤيدين منه العبث بالدستور للبقاء في السلطة. ويمكن أن تصبح الخلافة منافسة لجذب الناخبين المتدينين، من خلال تبني سياسات متشددة. وبدلاً من ذلك، يمكن لرجال الأعمال والعشائر السياسية التي تشكل جزءاً من تحالف الرئيس، الفوز بالسلطة وقيادة الانزلاق إلى حكم الأوليغارشية. ومع أنه بنى الكثير من الطرق والمطارات، لكن ويدودو لم يعزز المؤسسات التي يمكن أن تضمن الاستمرارية بعد تركه لمنصبه.

الحمائية خطر آخر، إذ تتمتع البلاد بتاريخ طويل من تأميم الموارد، وقد ينطبق الأمر على النيكل. ولايزال يتعين على إندونيسيا جذب سلسلة التوريد الخاصة بشركة «أبل»، مع انتقالها من الصين إلى أجزاء أخرى من آسيا، ويرجع ذلك جزئياً إلى أن سوق العمل فيها لايزال جامداً للغاية. وإذا ضغطت إندونيسيا بشدة، فستحاول شركات السيارات الكهربائية إيجاد بدائل لمعادنها الخضراء.

تصاعد التوترات

الخطر الأكبر هو أن الجغرافيا السياسية تتسبب في تعثر إندونيسيا. وحتى في مسارها الحالي، يمكن أن تنجرف إلى مدار الصين. ومقابل كل دولار استثمرته الشركات الأميركية في إندونيسيا منذ عام 2020، استثمرت الشركات الصينية ما يقرب من أربعة أضعاف. وإذا تصاعدت التوترات، فإن التكاليف ستكون عالية؛ وقد تؤدي الحرب على تايوان إلى إغلاق الممرات البحرية التي تعتمد عليها إندونيسيا، بينما قد تضرب العقوبات الغربية الشركات الصينية التي تعتمد عليها إندونيسيا. ودبلوماسية إندونيسيا تلقى الترحيب من قبل بايدن وشي، لكن حتى الآن دول عدم الانحياز في العالم، بما في ذلك معظم أعضاء مجموعة جنوب شرق آسيا الآسيوية، مشتتة للغاية بحيث لم يعد لها تأثير كبير على القوى العظمى.

الهند وإندونيسيا هما نجمتا آسيا اللامعتان؛ وكلاهما يجب أن يرضي الناخبين في الداخل، وأن يجدا طريقة للنمو، حتى مع تراجع العولمة. وتختار الهند التنمية التي تقودها التكنولوجيا والصناعة، والتي تغذيها الإعانات والسياسات الوطنية، والانفصال عن الصين. وتعتمد إندونيسيا على الموارد والحمائية وسياسة الحياد. وكلاهما رهانات كبيرة. وستراقب القوى العظمى عن كثب ما يجري، كما تفعل العديد من البلدان الأخرى، التي تريد أن تصبح أكثر ثراءً، ولكنها تفضل عدم الانحياز إلى جانب واحد. وإذا نجحت، فإن إندونيسيا ستحسّن حياة ربع مليار شخص، وتحفز على نمو العالم المتعطش. بل يمكن أن تغير ميزان القوى العالمي.

إذا بقيت إندونيسيا على مسار النمو المتسارع خلال العقد المقبل، يمكن أن تصبح واحدة من أكبر 10 اقتصادات في العالم.

مع امتلاكها خُمس الاحتياطيات العالمية من النيكل، المستخدم في البطاريات، تُعد الدولة رابطا حيوياً في سلاسل توريد السيارات الكهربائية.

80

مليار دولار الإنفاق السنوي في إندونيسيا.

طباعة