طبّقت نهج إدارة أسرتها على مجلس النواب

نانسي بيلوسي ربة منزل درجة أولى.. قاسية مع أبنائها

صورة

أعلنت رئيسة مجلس النواب الأميركي، نانسي بيلوسي، نيتها التنحي عن دورها القيادي، منهية بذلك 20 عاماً من قيادة الديمقراطيين في مجلس النواب بقبضة من حديد، كسرت بها الحواجز كأول امرأة تتولى مثل هذا المنصب.

وقالت بيلوسي، التي ستظل عضواً في المجلس: «لقد حان الوقت كي يتسلم جيل جديد الراية».

وتُعتبر بيلوسي شخصية تاريخية، فعندما تولت منصب رئيس مجلس النواب في 2007 أصبحت أقوى امرأة منتخبة لهذا المنصب في تاريخ الولايات المتحدة، ثم كررت هذا الإنجاز مرة أخرى في عام 2019، بعد قضاء فترة طويلة في الأقلية، وهي ميزة مازالت تتمتع بها.

فمن هي هذه المرأة الحديدية؟

عائلة سياسية

لم تكن بيلوسي تفكر أبداً في دخول المعترك السياسي، وكانت تعتبر نفسها ربة منزل من الدرجة الأولى تعتني بأطفالها وتعدّهم للمستقبل. وتقول بيلوسي، وهي تتذكر اليوم الذي دخلت فيه مبنى الكابيتول للمرة الأولى «لم أفكر مطلقاً في أنني سأنتقل يوماً من الأيام من ربة منزل إلى رئيسة مجلس، وفي الواقع، لم أكن أنوي أبداً الترشح لمنصب عام».

نشأت بيلوسي في عائلة سياسية، وهي الأصغر من بين سبعة أطفال في مدينة بالتيمور الواقعة على الساحل الشرقي بولاية ماريلاند، حيث كان والدها يشغل منصب رئيس البلدية.

ذهبت إلى الكلية في واشنطن، حيث التقت بالممول بول بيلوسي وتزوجته في النهاية. وانتقل الاثنان أولاً إلى مانهاتن، ثم إلى سان فرانسيسكو، حيث بدأت حياتها العائلية كربة منزل. ولديها خمسة أطفال - أربع بنات وولد - أنجبتهم في غضون ست سنوات.

ربة منزل من طراز فريد

وبالفعل فقد كانت مجرد ربة منزل تشرف على تنشئة أطفالها الخمسة في سان فرانسيسكو، وتقول إنها ابتكرت شعاراً غير رسمي للعائلة وطبقته على أطفالها: «الإعداد السليم يحول دون الأداء الضعيف»، إلا أن هذا لا يعني أن الأمور كانت دائماً تحت السيطرة في منزل بيلوسي.

فقد حدث ذات مرة أن سألها حاكم كاليفورنيا الشاب، جيري براون، الذي تربطه علاقات صداقة مع الأسرة: «ما اسم قطتك؟» وحتى تلك اللحظة، لم تكن بيلوسي على علم بأن لديهم قطة في المنزل، ولم تكن تعلم أن أطفالها كانوا يحتفظون بقطة في مكان ما.

وتروي عن ذكرياتها في تلك الفترة التي هيمنت عليها متطلبات الرضع والأطفال الصغار: «في بعض الأيام لم يكن لدي الوقت حتى لأغسل وجهي». وعندما كانت تنقل أطفالها بالسيارة إلى المدرسة في الصباح، كانت من كثرة مشاغلها ترتدي أحياناً معطفاً فوق ثوب النوم الخاص بها أثناء القيادة.

نظام عسكري صارم لأبنائها

بعد سنوات من واقعة القطة، اكتشفت هي وزوجها، بشكل مثير للقلق، أن ابنتهما ألكسندرا عندما كانت في سن المراهقة تتسلل من المنزل في وقت متأخر من الليل للعب واللهو. ولهذا السبب فرضت بيلوسي نظاماً عسكرياً تقريباً في منزلها، حيث كانت كل صباح تطلب من أبنائها ترتيب أسرتهم، وتشجعهم على تنظيف غرفهم، قبل النزول لتناول الإفطار.

وكانت تعد وجبات الغداء المدرسية على طراز خط التجميع، ولم تكن تلبي لأطفالها أي طلبات خاصة، وكان الطعام يشتمل على خبز القمح، ولحوم الغداء، والتفاح، والمعجنات.

كانت الفتيات يقفن في صف ليضفرن شعرهن، لدرجة أن إحداهن نسيت المشط داخل شعرها وذهبت به إلى المدرسة، وعندما يحين وقت العشاء، كانت بيلوسي تدق جرساً نحاسياً ضخماً على الشرفة لتنبيه أطفالها.

تحدثت ابنتها كريستين عن والدتها في تلك الفترة قائلة: «كانت دائماً تخطط للمستقبل»، وتسترسل «لقد كانت منظمة للغاية شديدة التركيز، فقبل النوم كانت والدتي تصر على أن نرتدي قبل ذهابنا للمدرسة أنا وأخواتي الزي المدرسي الكاثوليكي، وكنا مسؤولين عن تلميع أحذيتنا المدرسية البيضاء»، وتضيف: «كانت أمي تجمع الغسيل، وتسحب الملابس من آلة التجفيف وتجعلنا نطويها ونعدها».

حتى عندما يخلع أطفالها زيهم المدرسي فإنها غالباً ما تجعلهم يلبسون الألوان نفسها لكي يسهل عليها تتبعهم.

وتقول الابنة كريستين: «تقول والدتي: حسناً ينبغي أن يرتدي الجميع بنطلوناً أبيض وياقة مستديرة صفراء».

عندما ترشحت للمنصب اكتشفت بيلوسي أن المهارات التنظيمية الضرورية التي تبنتها في تنظيم أسرتها كانت أيضاً ذات صلة بالمنصب. وتقول بيلوسي: «كان هذا تعليقاً من أحد أصدقائي عني ذات مرة عندما جاء إلى منزلي، ورأى هؤلاء الأطفال الصغار وهم يلفون ملابسهم وينظمونها في أكوام!».

أطوار غريبة

كانت بيلوسي صارمة، ولديها أيضاً جانب غريب الأطوار، لا يراه سوى المقربين منها جداً.

تقول كريستين إن والدتها كثيراً ما كانت ترقص على أنغام موسيقى الديسكو «كانت ترقص بعنف حول المطبخ، كانت ترقص دائماً، دائماً، دائماً، لكنها ليست مغنية جيدة، إنها راقصة رائعة».

ومن عاداتها أنها كانت تنام لفترة قصيرة، ولا تشرب القهوة، وتفضل الماء الساخن مع الليمون، وتحل الكلمات المتقاطعة في صحيفة نيويورك تايمز يومياً، وغالباً ما تتناول آيس كريم نيويورك سوبر فودج تشانك على الإفطار.

تطبيق نهج المنزل في العمل

كانت بيلوسي تدرك دائماً أوجه التشابه بين كونها أماً في المنزل ورئيسة للمجلس. وتقول: «لم يساعدني لكي أكون رئيسة لمجلس النواب، أكثر من القيم، والانضباط، والدبلوماسية، ومهارات التعامل مع الآخرين، وإتقان إدارة التموين، وهو ما كنت أفعله في المنزل لتربية أبنائي والاهتمام بهم».

وهذا هو الأسلوب الذي تتبعه أيضاً عند تجنيد النساء للترشح للكونغرس، خصوصاً اللاتي يقلن إنهن ليست لديهن خبرة سوى العمل كربات منازل، ويعتقدن أنهن غير مؤهلات للترشح للمنصب.

كانت تخبرهن أن المهارات التي جعلتها مشرِّعة بارعة تتمثل في القدرة على إدارة الفوضى وتحفيز أبنائها، وهي تلك المهارات التي شحذتها كأم. ومن خلال هذا الدور فهمت ما هي المتطلبات التي يحتاجها كل فرد.

اكتشف أطفالها أوجه الشبه أيضاً بين الأسلوبين.

تقول ابنتها نانسي كورين بيلوسي إنها تأكدت من ذلك عندما شاهدت المواجهات المبكرة بين والدتها والرئيس السابق دونالد ترامب، عندما استعاد الديمقراطيون السيطرة على مجلس النواب: «كنت أعرف وجه الشبه».

كان تعبير وجهها خلال مواجهتها لترامب يشبه التعبير الذي كانت تشاهده نانسي كورين وإخوتها يرتسم على وجه والدتهم عندما يهملون أعمالهم المنزلية، أو يتسللون لمشاهدة فيلم، «كأن وجهها يقول، أنتم أيها الأطفال لم تؤدوا واجبكم».

لا أحد يراهن على بيلوسي

كشفت بيلوسي عن ذلك الوجه في أول اجتماع للمكتب البيضاوي بعد انتخابات التجديد النصفي لعام 2018، وهي الجلسة التي أشار فيها ترامب إلى بيلوسي بأنها في موقف ضعيف سياسياً.

وردت عليه «سيدي الرئيس، إنك لا تدرك مدى القوة التي أشعر بها في هذا الاجتماع».

وفي مقابلة على شبكة «سي إن إن» بعد ذلك، سأل المذيع جون بيرمان ألكسندرا كيفية تعامل والدتها مع الرئيس خلال الاجتماعات، أجابت: «تستطيع أن تقطع رأسك دون أن تعرف أنك تنزف»، وتضيف ألكسندرا «هذا كل ما تحتاجه لمعرفتها، لا يستطيع أحد على الإطلاق أن يراهن على نانسي بيلوسي».

• ابتكرت شعاراً غير رسمي للعائلة وطبّقته على أطفالها: «الإعداد السليم يحول دون الأداء الضعيف»، إلا أن هذا لا يعني أن الأمور كانت دائماً تحت السيطرة في منزل بيلوسي.

• عندما ترشحت للمنصب اكتشفت بيلوسي أن المهارات التنظيمية الضرورية التي تبنّتها في تنظيم أسرتها كانت أيضاً ذات صلة بالمنصب.


محطات في حياة بيلوسي

حضرت بيلوسي أول مؤتمر وطني للحزب الديمقراطي وهي في سن الثانية عشرة. وشهدت حفل تنصيب الرئيس جون إف كينيدي وهي في سن العشرين.

في عام 1976، عملت في الحملة الرئاسية لحاكم ولاية كاليفورنيا، جيري براون، وبحلول عام 1981، كانت رئيسة الحزب الديمقراطي لولاية كاليفورنيا، وعملت خلف الكواليس لتجنيد المرشحين وجمع الأموال في الولاية ذات الميول اليسارية.

وفي سن السابعة والأربعين، بعد أن غادر طفلها الأصغر إلى الكلية، تلقت بيلوسي دعوة من عضوة في الكونغرس محتضرة، تطلب منها الترشح لمقعدها.

ونظمت بيلوسي 100 حفلة منزلية، وجندت 4000 متطوع، وجمعت مليون دولار في سبعة أسابيع. واستطاعت أن تفوز بأحد أكثر المقاعد صعوبة وشهرة، وفي يونيو 1978، أدت اليمين ووالدها إلى جانبها.

وفي عام 2002، حصلت بيلوسي على المنصب الأعلى في مجلس النواب عندما تنحّى ديك جيفهارت عن منصب زعيم الأقلية، لتصبح أول امرأة تقود حزباً في الكونغرس. في 2010 فقد الديمقراطيون السيطرة على مجلس النواب، وسلمت بيلوسي المطرقة إلى الجمهوري جون بوينر. لكن على الرغم من انكماش دورها، ظلت بيلوسي لاعباً قوياً رئيساً في العاصمة، بعد أن أمضت عقداً من الزمان كأكبر ديمقراطية في مجلس النواب. وفي عام 2016، تحدى النائب تيم رايان مقعد بيلوسي، لكنه خسر.

أكبر منتقدي الرئيس

بصفتها زعيمة الأقلية في مجلس النواب، أصبحت بيلوسي من أكبر منتقدي الرئيس السابق، دونالد ترامب. وفي عام 2017، قادت اتهام مجلس النواب ضد قرار ترامب بإغلاق برنامج العمل المؤجل للقادمين على الأطفال.

وأدت بيلوسي اليمين رئيسةً لمجلس النواب للمرة الثانية خلال الأسبوع الثالث من إغلاق الحكومة. ووعدت الديمقراطيين بإعداد تشريع لإعادة فتح الحكومة، وهو ما حدث أخيراً في 25 يناير 2019.

ترأست بيلوسي مجلس النواب الذي أدان ترامب مرتين - الأولى بتهمة إساءة استخدام السلطة، وعرقلة عمل الكونغرس بسبب فضيحة أوكرانيا، والثانية بعد أن اقتحم أنصاره مبنى الكابيتول وحاولوا منع التصديق على فوز جو بايدن الرئاسي. وبرأه مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريون في المرتين.

أُعيد انتخاب بيلوسي مرة أخرى لشغل منصب رئيس مجلس النواب في الاجتماع الـ117 للكونغرس في 3 يناير 2021.

ترامب اختلف مع بيلوسي ما أثر على عمل الكونغرس وعرض الرئيس مرتين للمحاكمة.   رويترز

طباعة