الضغوط والتهديدات الأميركية لم تفلح مع بيونغ يانغ

الدبلوماسية الاستباقية.. طريق وحيد للخروج من أزمة شبه الجزيرة الكورية

صورة

شهد عام بأكمله تبادلاً للاستفزازات العسكرية بين كوريا الشمالية والتحالف الأميركي - الكوري الجنوبي، وزادت التوترات باطراد. وأخيراً أدى إطلاق كوريا الشمالية للصواريخ والتدريبات العسكرية الأميركية - الكورية الجنوبية، إلى أن تصل التوترات في شبه الجزيرة الكورية إلى مستوى جديد وخطير تماماً.

فقد أجرت واشنطن وسيؤول أكبر تدريباتهما العسكرية على الإطلاق، وسقط صاروخ باليستي كوري شمالي قبالة ساحل كوريا الجنوبية لأول مرة. وعلى الفور ردت سيؤول بإطلاق عدد لم يسبق له مثيل من الصواريخ قبالة ساحل كوريا الشمالية.

ويقول الباحث الأميركي والزميل ببرنامج شرق آسيا بمعهد كوينسي الأميركي جيمس بارك، في تقرير نشرته مجلة «ناشيونال إنترست» الأميركية، إنه في خضم التصعيد المتواصل، تستعد كوريا الشمالية لعاشر اختبار نووي لها منذ مطلع هذا العام ويعتقد البعض أنها على استعداد للقيام بذلك في أي وقت من الأوقات.

ورداً على ذلك، كثفت واشنطن وسيؤول تدريباتهما العسكرية وانتشارهما حول شبه الجزيرة الكورية كاستعراض للتصميم القوي والتحذير. ويقوم كل طرف باستعراض عضلاته العسكرية في دورة من الاستفزازات المتبادلة التي تحمل في طياتها مخاطر لا تطاق.

مواجهة خطرة

ومن المحتمل أن تؤدي هذه التهديدات إلى أزمات شديدة الوطأة، وزيادة كبيرة في خطر اندلاع صراع مسلح في شبه الجزيرة الكورية. ومن أجل الحد من التوترات، وتجنب أسوأ الأزمات، يتعين على واشنطن وسيؤول إنهاء دوامة المواجهة الخطرة هذه، واتخاذ الإجراءات الضرورية كلها لإعادة إشراك بيونغ يانغ في الدبلوماسية والحوار.

ويضيف بارك أن المرء لا يمكنه استبعاد إمكانية أن يؤثر المستوى غير المسبوق من الردع الذي يبديه الجانب الأميركي - الكوري الجنوبي في حسابات بيونغ يانغ، ويثنيها عن المزيد من التصعيد. والهدف الكامن هنا هو إظهار مستوى فائق من التصميم، ضد تهديد كوريا الشمالية وإرغام بيونغ يانغ على خفض التصعيد. ولكن سياسة رد الفعل هذه يمكن أن يكون لها نتائج عكسية.

وعلى مر التاريخ، غالباً ما كانت الحملات الأميركية - الكورية الجنوبية، للضغط من أجل تعزيز التحذيرات العسكرية لتعدل كوريا الشمالية عن عدوانها، تسفر عن المزيد من العداء بدلاً من ردعه، وبالتالي تزداد دوامة التصعيد سوءاً. وقد لوحظ هذا النمط التقليدي للتصعيد في شبه الجزيرة الكورية مرات عدة من قبل.

عاملان رئيسان

ويقول بارك إنه في التحليل الأخير ثبت في الغالب أن الدبلوماسية، إلى جانب ضبط النفس العسكري، عاملان رئيسان لخفض تصعيد التوترات في شبه الجزيرة الكورية. فالتحول الجذري من المواجهة إلى مشاركة سلمية في عام 2018 كان نتيجة لسلسلة من القمم التي شملت كوريا الجنوبية، وكوريا الشمالية، والولايات المتحدة، وإجراءات ضبط النفس العسكري المتبادلة؛ إذ أوقف الجانب الأميركي - الكوري الجنوبي التدريبات العسكرية إلى أجل غير مسمى، بينما قرر الجانب الكوري الشمالي وقفاً اختيارياً للتجارب النووية وتجارب الصواريخ طويلة المدى، وقام بتفكيك موقع نووي رئيس.

وأدت هذه الجهود إلى خفض التوترات والعداء بطريقة فعالة، وإتاحة المزيد من الفرص للحوار والمفاوضات.

خفض حدة التوتر

وفي الوقت الجاري، يبدو أنه ليس أمام الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية خيار أفضل للتعامل مع كوريا الشمالية من الدبلوماسية الاستباقية. وعلى الرغم من أنه سيكون من الضروري اتخاذ إجراءات مضادة معينة ضد تجربة كوريا الشمالية النووية السابعة المقبلة المحتملة، يتعين على الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية في نهاية المطاف إيجاد سبيل لخفض حدة التوتر المتزايد، وإعادة إشراك بيونغ يانغ في الحوار.

وربما يتطلب هذا تحولاً كبيراً في السياسة من حملة الضغط القصوى الجارية إلى الدبلوماسية الاستباقية. وهذا خصيصاً هو الحال عندما يحتمل أن تواجه استراتيجية الضغط قيوداً، نتيجة معارضة بكين المستمرة المحتملة لأي عقوبات اقتصادية إضافية ضد كوريا الشمالية.

علاقة متدهورة

ويرى بارك أنه على خلاف ما كان عليه الأمر قبل عام 2018، تدهورت العلاقات بين الولايات المتحدة والصين بدرجة كبيرة، كما أن شكوك الصين تجاه دور كوريا الجنوبية في الاستراتيجية الإقليمية الأميركية تزداد عمقاً، وأصبح الاحتمال ضعيفاً بصورة متزايدة بأن تساعد بكين مثل هذه الجهود لمعاقبة كوريا الشمالية والضغط عليها على حساب علاقاتها السياسية الجيدة مع بيونغ يانغ.

وفي عامي 2013، و2017 لعب الدعم الصيني، حيث المزيد من الضغوط الاقتصادية والمالية على بيونغ يانغ، والموافقة على قرارات مجلس الأمن الدولي، دوراً مهماً في إجبار كوريا الشمالية على تخفيف التوتر.

وفي حقيقة الأمر، سوف تستمر العلاقات السيئة مع الصين في تقييد قدرة واشنطن وسيؤول على مواجهة التهديد النووي الكوري الشمالي. وهذا هو الواقع الجغرافي السياسي لشبه الجزيرة الكورية.

وأوضح بارك أنه على الرغم من أن بكين عارضت على الدوام فرض المزيد من العقوبات على كوريا الشمالية في السنوات الأخيرة، ومن الممكن للغاية أن تستمر في ذلك، فإنها أعربت مراراً وتكراراً عن استعدادها لدعم الدبلوماسية الإقليمية، بالنسبة للنظام الكوري الشمالي. وفي حقيقة الأمر، يمكن أن تقوم الصين بدور جاد في تسهيل الحوار والمفاوضات مع كوريا الشمالية، كما اتضح من إسهامها في المحادثات سداسية الأطراف.

جيمس بارك باحث وزميل ببرنامج شرق آسيا بمعهد كوينسي الأميركي

خفض التوترات

قال الباحث الأميركي والزميل ببرنامج شرق آسيا بمعهد كوينسي الأميركي، جيمس بارك إن الدبلوماسية الاستباقية حل لخفض تصعيد التوترات العسكرية وتعزيز التعاون الإقليمي لإشراك كوريا الشمالية فيه. وقد يحتاج ذلك إلى المزيد من البوادر والإجراءات الموثوق بها والتي تتعلق بالدبلوماسية والطمأنة من الجانب الأميركي - الكوري الجنوبي. وفي الوقت نفسه، سوف يتعين على واشنطن وسيؤول التشاور بصورة أكثر نشاطاً مع بكين بشأن الإجراءات المحتملة التي يمكنهم الاتفاق عليها وتنفيذها سوياً لإعادة بيونغ يانغ للحوار.

وسط خضم التصعيد المتواصل، تستعد كوريا الشمالية لعاشر اختبار نووي لها منذ مطلع العام الجاري ويعتقد البعض أنها على استعداد للقيام بذلك في أي وقت من الأوقات.

من أجل الحد من التوترات، وتجنب أسوأ الأزمات، يتعين على واشنطن وسيؤول إنهاء دوامة المواجهة الخطرة هذه، واتخاذ الإجراءات الضرورية كلها لإعادة إشراك بيونغ يانغ في الدبلوماسية والحوار.

طباعة