بعد انتخابات وصفت بأنها مؤلمة للغاية

البرازيل تودّع «ترامب الاستوائي» وعمل شاق بانتظار دا سيلفا

دا سيلفا يحتفل مع أنصاره بعد أن تمكّن من العودة إلى منصب الرئاسة للمرة الثالثة. أرشيفية

يوم الأحد الماضي، توجّه نحو 120 مليون برازيلي للإدلاء بأصواتهم في انتخابات الجولة الثانية الرئاسية، التي تمكن فيها لويس اناسيو لولا دا سيلفا من العودة إلى منصب الرئاسة. وهزم لولا الرئيس الحالي جايير بولسونارو بنسبة 50.9% مقابل 49.1%، وتعادل هذه النسبة نحو مليوني صوت للناخبين.

وكانت انتخابات مؤلمة للغاية، ولم تظهر النتيجة النهائية إلا بعد جدولة أصوات الناخبين في آلات التصويت الإلكترونية الانتخابية، البالغ تعدادها 577 ألف آلة. ويمثل انتصار لولا توبيخاً صارماً لأسلوب بولسونارو المثير للجدل في الحكم، والذي أكسبه اللقب الساخر، وهو «ترامب الاستوائي».

ولم يحظ بولسونارو في الواقع بإعجاب الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب فقط، وإنما كما هي حال ترامب فقط، تعرض للانتقاد على نطاق واسع نتيجة سوء تعامله مع جائحة «كورونا» التي حصدت 700 ألف من الوفيات في هذه الدولة، وفق منظمة الصحة العالمية. وإضافة إلى ذلك، كانت سياسات بولسونارو المعادية والمتعمدة للبيئة والنزعات الاستبدادية قد جعلته شخصاً منبوذاً في الإعلام الدولي.

عودة لولا

وقد جلب لولا، الذي شغل منصب رئيس الجمهورية سابقاً لفترتين من عام 2003 إلى 2010، نصيبه العادل من الأفكار والمشكلات في هذه الانتخابات. وفي الواقع، لو أنه لم يتم إلغاء إدانته على أساس تقني قضائي لدوره عن «غسيل السيارات»، وهي واحدة من أضخم فضائح الفساد العام، لكان لولا لايزال يخدم في سجنه لإكمال فترة حكمه، وهي السجن لمدة 12 عاماً.

ويخشى منتقدون من أن عودته إلى السلطة ربما تبشر بموجة جديدة من الكسب غير المشروع، وانعدام الكفاءة مع الشركات البرازيلية المملوكة للدولة والعاملة في المجال الاقتصادي. ومنذ نهاية فترة الدكتاتورية العسكرية في ثمانينات القرن الـ20، لم يواجه البرازيليون مرشحين متناقضين بصورة صارخة، لكل منهما وجهات نظر سياسية متعارضة، مثل بولسونارو ودا سيلفا.

ومع انتصار لولا بفارق نحو مليوني ناخب، في حين ترك نحو خمسة ملايين ناخب ورقتهم الانتخابية فارغة، أو أفسدها الناخبون متعمدين، من الواضح أن نسبة كبيرة من الناخبين لم توافق على وجهتي نظر المرشحين في ما يتعلق بالدولة.

البرازيل المنقسمة بشدة

على الرغم من أنه من المبكر الحكم، إلا أن المخاوف التي مفادها أن بولسونارو ربما لن يقبل نتائج الانتخاب، أو ربما يقوم بانقلاب، قد تلاشت سريعاً، كما أن وسائل الإعلام المحافظة قبلت بالنتائج، وهذه أخبار جيدة، ولكن الأخبار السيئة أنه سيأتي الأول من يناير، عندما سيتم تنصيب لولا رئيساً، فعليه أن يجد طريقة لحكم البلد المنقسمة بصورة حادة، والتي فقدت فيها الأطراف الثقة ببعضها.

وبخلاف انتصاراته السابقة، حيث جاء لولا إلى السلطة بتفويض واضح، وفاز بنسبة 60% من الانتخابات في عامي 2002 و2006، فإنه هذه المرة حقق نصراً بنسبة بسيطة، وسيواجه الكونغرس الذي لايزال منحازاً على نحو كبير إلى بولسونارو.

وفي الواقع، في الجولة الأولى من الانتخابات بداية أكتوبر، أخذ حلفاء بولسونارو أغلبية المقاعد في الغرفتين السفليين، إضافة إلى الكونغرس. وإضافة إلى ذلك، فقد أشارت نتيجة انتخابات حكام الولايات، التي ظهرت يوم الأحد الماضي، إلى أن من الواضح أن حلفاء بولسونارو سيقومون بحكم 14 ولاية من أصل ولايات البرازيل البالغ تعدادها 27 ولاية، بما فيها معظم الولايات ذات الأهمية الاقتصادية، مثل ساو باولو وريو دي جانيرو وميناس جيراس.

قائمة مهام ضخمة

في هذا السياق، سيواجه لولا تحديات ضخمة للغاية على جبهات متعددة، إذ ظل اقتصاد البرازيل يعاني سقوطاً حراً، منذ بداية جائحة «كورونا»، ولم يتعافَ من ذلك حتى الآن.

وعاد الجوع إلى الظهور كقلق اجتماعي ملح، في حين تفاقم وضع انعدام المساواة العرقية في السنوات الأخيرة. واستمرت أعمال العنف في المناطق المدنية لإرهاب المدن في شتى أنحاء الدولة، ولايزال الفساد الممنهج متفشياً. وربما أن الأمر الأكثر أهمية بالنسبة لبقية العالم، أن دور البرازيل في محاربة الاحتباس الحراري العالمي لا يمكن إنكاره، إذ إن هذه الدولة تعتبر موطناً لأكبر جزء من غابات الأمازون المطيرة. وفي ظل حكم بولسونارو، ارتفعت وتيرة إزالة غابات الأمازون. وسلّط لولا الضوء على الحاجة إلى حماية الغابات المطيرة، خلال خطاب انتصاره في الانتخابات، حيث قال إن إدارته «ستكافح من أجل القضاء على تقطيع الغابات نهائياً»،

وعلى الرغم من ذلك، فإن حشد كل الطاقات السياسية الكافية لمعالجة هذه القضايا في البرازيل، التي يبلغ تعداد سكانها 215 مليون نسمة، لن يكون سهلاً أبداً، ولكن إذا كان هناك جانب إيجابي لانتصار لولا الانتخابي، فيتمثل في أن القوى المحلية والأسواق المالية تبدو أنها مستعدة لمد يد المساعدة للرئيس القادم وهو يطرح برنامجه في الحكم.

وسيحظى لولا بالأيدي المفتوحة من قبل العديد من القادة اليساريين في أميركا اللاتينية، الذين تمكنوا من الوصول إلى السلطة خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى أسواق المال في شتى أنحاء العالم، حيث يتطلع المستثمرون بتفاؤل حذر لآفاق النمو للبرازيل في ظل حكم لولا. وسيكون من الحكمة أن يتكئ لولا على الشركاء الدوليين عندما يبدأ بتشكيل حكومته.

ولكن الأمر الأكثر أهمية هو أن نجاح لولا، ونجاح البلد أيضاً، ربما سيتوقف على مهارات الرئيس السياسية الجيدة، وقدرته على مد غصن الزيتون إلى القادة السياسيين الأساسيين الذين يدعمون بولسونارو، وهو تطلع إلى بناء ائتلاف يمكن أن يساعده ليتمكن من جعل أجندته السياسية تؤتي ثمارها.

وثمة حديث عن حق البرازيل في عزل لولا، وهو احتمال حقيقي للغاية مع سابقة تاريخية بالنظر إلى عزل اثنين من رؤساء البرازيل الثمانية، الذين وصلوا إلى الحكم منذ عودة الديمقراطية عام 1985، إّذ تم عزلهم من مناصبهم قبل نهاية فترة حكمهم. والمخاطر كبيرة بالنسبة للبرازيل، والمخاطر كبيرة بالنسبة للولا، ليست فقط سياسية، وإنما على المستوى الشخصي أيضاً.

• إذا كان هناك جانب إيجابي لانتصار لولا الانتخابي، فيتمثل في أن القوى المحلية والأسواق المالية تبدو أنها مستعدة لمد يد المساعدة للرئيس القادم وهو يطرح برنامجه في الحكم.

• سيواجه لولا تحديات ضخمة للغاية على جبهات متعددة، إذ ظل اقتصاد البرازيل يعاني سقوطاً حراً، منذ بداية جائحة «كورونا»، ولم يتعافَ من ذلك حتى الآن.

أريك ويرسون ■ كاتب أميركي

طباعة