الحرب في أوكرانيا أربكت الطيران

نشوب نزاع نووي يمكن أن يوقف الحركة الجوية العالمية تماماً

صورة

بعد ثلاثة عقود من الطيران بين لندن وهونغ كونغ، ألغت شركة «فيرجن أتلانتيك» للطيران رحلاتها. والقرار ليس بياناً سياسياً، بل هو انعكاس للجغرافيا السياسية. وأضاف إلغاء روسيا لحقوق التحليق لشركات الطيران الغربية ساعات عدة إلى وقت الطيران الطويل أصلاً بين أوروبا والشرق الأقصى.

ومن المرجح أن تنضم شركات أخرى إلى «فيرجن أتلانتيك»، لكن الاحتمال الحقيقي والمفاجئ لهجوم نووي روسي على أوكرانيا يضيف خطراً جديداً أكثر تدميراً: الجمود الكامل في السفر الجوي العالمي.

ومنذ الحرب الباردة، استبعد التأمين على الطيران الحرب النووية. وهذا يعني أنه إذا استخدمت روسيا ما يسمى بـ«سلاح نووي تكتيكي» ضد أوكرانيا، فإن الطيران العالمي قد يتوقف تماماً. ويجدر الذكر أن «التعقيدات التشغيلية» التي فُرضت فجأة على شركات الطيران الغربية، عندما أغلقت روسيا مجالها الجوي أمامها في 28 فبراير، هائلة. فقد اضطرت شركات الطيران إلى تحويل مساراتها إما شمالاً، إلى القطب الشمالي وألاسكا، أو جنوباً نحو الشرق الأوسط وآسيا الوسطى، وهذا يعني فترات طيران أطول.

وفي 9 مارس، بعد أقل من أسبوعين من حظر الطيران الجوي الروسي، أثبتت شركة «فين أير» أن المسار القطبي يمكن أن ينجح، عندما عرضت رحلتها الرئيسة من هلسنكي إلى طوكيو. وغادرت الرحلة «أ. و. 073» هلسنكي متوجهة نحو جزر سفالبارد النرويجية والقطب الشمالي، ثم واصلت طريقها نحو ألاسكا وعبر بحر بيرينغ وشمال المحيط الهادئ باتجاه اليابان. لقد كانت رحلة سلسة، لكنها استغرقت نحو 13 ساعة، أي ثلاث ساعات ونصف الساعة أكثر مما كانت عليه من قبل.

ليس التعقيد الوحيد

لكن عدم ارتياح الركاب ليس التعقيد الوحيد الذي يواجه شركات الطيران الغربية على طرق المسافات الطويلة الشهيرة بين أوروبا وشرق آسيا، وكذلك الساحل الشرقي للولايات المتحدة والوجهات في الهند على سبيل المثال. إن الرحلات الجوية من أوروبا إلى شرق آسيا، التي كانت تجتاز معظم أنحاء روسيا، هي التي تواجه أكبر العقبات. وعندما تضطر الرحلة إلى الوصول بعد ثلاث أو أربع ساعات من موعدها المعتاد، فهذا يعني أن رحلة العودة المعتادة قد لا تكون ممكنة.

وهذا بدوره يعني أن الطائرة قد تضطر إلى قضاء الليل في المطار، ما يؤدي إلى فرض رسوم وقوف وساعات أكثر للطائرة، لا تُدر دخلاً؛ ثم هناك الوقود الإضافي. وفي هذا السياق، قال مسؤول تنفيذي أوروبي كبير في مجال الطيران: «بالطبع يمكننا نقل حمولة أقل إذا كانت الطائرة ثقيلة بالوقود، وهذا يزيد أيضاً من حرق الوقود»، متابعاً «لذا فإن تشغيل هذه المسارات سيكون بالتأكيد أكثر كلفة للتشغيل، وسيتطلب من العملاء دفع أكثر مما اعتادوا عليه»، وتكاليف الوقود، بالطبع، مرتفعة أيضاً.

في غضون ذلك، أعادت شركات الطيران الصينية فتح خطوطها بين أوروبا والصين، التي تم تعليقها خلال الجائحة، وهو خيار سهل نظراً لأنها غير مشمولة بحظر روسيا للرحلات الجوية. وشركات الطيران الشرق أوسطية، التي لم تكن طرقها إلى الشرق الأقصى تمر عبر روسيا، ستستفيد بالمثل.

استثناءات الحرب

لكن الآن، تواجه شركات الطيران، أيضاً، خطراً أكثر تدميراً، والمتمثل في خطر هجوم نووي روسي على أوكرانيا. وجميع بواليص التأمين الخاصة بشركات الطيران لديها استثناءات للحرب والهجمات النووية. وكان بند الاستبعاد النووي، هذا، موجوداً منذ الحرب الباردة؛ ولحسن الحظ لم يتم التذرع به مطلقاً. ولكن نظراً لأنه كتب خلال الحرب الباردة، فإنه يتوقع هجوماً نووياً يؤدي إلى حرب نووية شاملة، حيث سيتم إلغاء جميع التأمينات لمجرد أن العالم سيواجه دماراً تاماً.

والآن، على الرغم من ذلك، يواجه العالم احتمال استخدام روسيا لسلاح نووي في ساحة المعركة ضد أوكرانيا. ويقال إن روسيا تعمل منذ سنوات عدة على تطوير جيل جديد من الأسلحة النووية في ساحة المعركة، والتي تُعرف أيضاً باسم الأسلحة النووية منخفضة القوة. ويمكن لسلاح نووي روسي واحد منخفض القوة، اعتماداً على كيفية استخدامه، أن يقتل ما بين صفر وعشرات الآلاف من الأشخاص.

وعلى الرغم من أن هذه الأسلحة قد تسبب دماراً في المنطقة المستهدفة، إلا أن الضرر لن يكون واسع النطاق، على غرار الحرب الباردة. ولكن نظراً لأن الاستثناءات النووية لوثائق التأمين لم يتم اختبارها من خلال أي هجمات من هذا القبيل، فهي تنص ببساطة على أن هجوماً نووياً من شأنه أن يؤدي إلى إلغاء التأمين.

وهذا يعني أنه إذا استخدمت روسيا سلاحاً نووياً في ساحة المعركة ضد أوكرانيا، فستتوقف شركات الطيران العالمية عن الطيران. وفي ذلك يقول مسؤول تنفيذي يمثل شركات الطيران أمام شركات التأمين الخاصة، فضّل عدم الكشف عن هويته: «ما نواجهه الآن خطير، لكنه ليس محرقة نووية». والآن شركات التأمين تناقش ما يجب القيام به في حالة وقوع هجوم نووي تكتيكي. ويجب أن نناقش ماهية الحدث النووي الذي سيلغي التأمين على الطيران. وفي الوقت الجاري «نقول للعملاء: لديكم هذا البند، ويمكن لشركات التأمين تطبيقه»، يوضح المسؤول التنفيذي.

بيئة أكثر تعقيداً

ومن المؤكد أن «اهتمام الناس الأول في حالة وقوع هجوم نووي ليس التأمين»، وفقاً لرئيس قسم البحرية والطيران في مؤسسة «لويدس ماركت»، نيل روبرتس، والأمر يتعلق بما إذا كان هذا البند سيتم تطبيقه. والآن تحاول شركات الطيران وشركات التأمين الخاصة بها بشكل عاجل إعادة تعريف الصراع النووي. وهل يجب أن تتضمن وثائق التأمين فئات مختلفة من الهجمات النووية: محدودة منها وحرب شاملة؟ وماذا لو استخدم بوتين أو زعيم آخر سلاحاً نووياً واحداً أو اثنين أو 10 أسلحة في ساحة المعركة؟ وهل هذا حدث منعزل أم أنه أشبه بحرب نووية؟ وكل ذلك في بيئة جيوسياسية أكثر تعقيداً بكثير اليوم من بيئة الحرب الباردة.

وفي الواقع، كانت شركات التأمين وشركات الطيران تفكر جدياً في احتمالية نشوب صراعات نووية جديدة خلال السنوات القليلة الماضية. وقال روبرتس: «فكرنا كثيراً في هذا الأمر بسبب سورية، حيث توجد الدول الحائزة للأسلحة النووية الرسمية على طرفي نقيض»، موضحاً «لقد كنا نفكر فيما يمكن أن يؤدي إلى تشغيل البند، وكيف يمكن أن تتم إعادة الوضع إلى سابق عهده».

وقال روبرتس: «نحن نعمل من وراء الكواليس لتوضيح الأمر». دعونا نأمل أن تنجح شركات التأمين وشركات الطيران في مساعيها»، متابعاً «حدوث هجوم نووي في أي مكان سيكون مروعاً، ولكن لا أحد يرغب في التشجيع على إحداث فوضى في النقل العالمي».

إليزابيث براو كاتبة عمود وزميلة في معهد «أميركان إنتربرايز».

شركات الطيران الصينية أعادت فتح خطوطها بين أوروبا والصين، التي تم تعليقها خلال الجائحة، وهو خيار سهل نظراً لأنها غير مشمولة بحظر روسيا للرحلات الجوية.

طباعة