يرتبط بعضها بانقطاع التيار الكهربائي المتكرر

الظروف المعيشية المتردية تزيد معاناة المصابين بالحروق في غزة

صورة

يمتلئ قسم الحروق في أكبر مستشفى بمدينة غزة بمصابين، إثر حوادث منزلية غيّرت حياتهم إلى الأبد، ويرتبط أكثرها بانقطاع التيار الكهربائي المتكرر، والظروف المعيشية المتردية في القطاع الساحلي الفقير والمحاصر.

في جناح بمستشفى الشفاء الطبي، ينادي طفل في الرابعة من عمره بصوت واهن على والدته، لدى إخراجه من غرفة العمليات، حيث عولج من حروق أصيب بها، إثر إلقائه ولاعة على بنزين انسكب على الأرض.

وتتفاقم معاناة هؤلاء المرضى بسبب ضعف الامكانات، مثل عدم توافر جلد اصطناعي، وهو واحد من جملة تحديات تواجهها أقسام الحروق في مستشفيات قطاع غزة التي تستقبل آلاف المصابين بالحروق سنوياً.

يقول الطبيب المختص، جمال العصار، في مستشفى الشفاء: «أجرينا للطفل عمليات جراحية عدة، من تنظيف للحروق وترقيع الجلد على مراحل عدة، لأننا غير قادرين على إجراء جميع العمليات دفعة واحدة، لعدم وجود بنك للجلد في غزة».

تعرّض معظم المرضى لحروق بالسوائل الساخنة، مثل الشاي خلال فصل الصيف، وأصيب آخرون خلال حرائق أو بمواد كيميائية.

يستعد المريض عطية السوافيري، البالغ من العمر 50 عاماً، لإجراء أول عملية لترقيع الجلد بعد إصابته بحروق، إثر سكبه مادة الصودا مع ماء ساخن في فتحة الصرف الصحي في منزله.

يقول الرجل وقد غُطي راسه وكل جسمه بضمادات طبية «كانت مياه الصرف الصحي مسدودة، عندما سكبت الصودا فارت وارتدت علي وحرقت رأسي ويديَّ ورجلَيَّ».

تعكس حادثة السوافيري الضعف في البنية التحتية للصرف الصحي في قطاع غزة، الذي يقطنه 2.3 مليون نسمة، وشهد أربع حروب بين إسرائيل والفصائل الفلسطينية منذ 2007.

شموع تؤدي إلى كارثة

ترتبط بعض حالات مرضى الحروق بالواقع المعيشي المتردي في القطاع الذي تفرض عليه إسرائيل حصاراً محكماً منذ عام 2007 عندما سيطرت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على القطاع الذي يعاني شللاً اقتصادياً.

من بين المرضى شاب في الـ20 من عمره حاول الانتحار قبل شهرين، بأن سكب البنزين على نفسه وأضرم النار في جسمه. وهو يرقد في المستشفى متألماً وقد علقت ذراعاه الملفوفتان إلى الأعلى.

يقول الطبيب الأخصائي في قسم الحروق، مدحت صيدم، إن القسم يستقبل عدداً متزايداً من محاولات الانتحار، موضحاً لوكالة فرانس برس أن «هناك علاقة بين هذه الحوادث والمشكلات الاقتصادية».

بدوره، يقول الطبيب العصار إن أقسام الحروق في المستشفيات تستقبل العديد ممّن يسمّيهم «ضحايا أزمة الكهرباء» في غزة.

ويوضح أن من بين المصابين «عمال في شركة الكهرباء (أصيبوا بحروق) بسبب شدة التيار الكهربائي، وعدد من الأطفال أصيبوا بسبب اللعب في قابس الكهرباء في المنزل».

دمّرت إسرائيل محطة توليد الطاقة الوحيدة في غزة في 2006. ومنذ ذلك الحين، يعاني سكان القطاع أزمة كهرباء حادة، إذ يُقطع التيار الكهربائي أكثر من 12 ساعة يومياً.

ومع ذلك، يضيف صيدم أن الوضع في تحسن تدريجي، إذ استقبل المستشفى عدداً أقل من مرضى الحروق، بسبب حوادث المولدات الكهربائية أو الاستخدام غير الآمن للشمع.

ويشير إلى حادثة حريق أسفرت عن مقتل ستة أفراد من عائلة واحدة في ما سمّاه «كارثة من الشموع».

ورغم الانحسار في عدد الحوادث، إلا أن الأطباء يخشون أن يسوء الوضع مع قدوم فصل الشتاء ولجوء الناس لوسائل التدفئة، ومن بينها إشعال الفحم في المنازل.

يقول العصار: «الضحايا في الشتاء أكثر من الصيف، لأنهم يحتاجون لأن يتدفأوا».

طابعة ثلاثية الأبعاد

قد تتطلب الإصابة بحروق، وقعت خلال لحظات، إلى شهور أو سنوات للتعافي، مع توفير رعاية صحية متخصصة لمساعدة الجلد على النمو من جديد وتقليل الندوب.

يلجأ بعض المرضى في مدن القطاع الساحلي إلى عيادة في مدينة غزة، تديرها منظمة «أطباء بلا حدود» الخيرية، وتضررت من الغارات الإسرائيلية خلال حرب العام الماضي.

ويقول رئيس قسم العلاج الطبيعي في العيادة، الطبيب عبدالحميد قرضايا، إن المسعفين ذاقوا الأمرّين في الماضي، للحصول على المعدات اللازمة لإعادة تأهيل المرضى. ويشير إلى طابعة ثلاثية الأبعاد منحت أملاً للمرضى الذين يعانون حروقاً في الوجه، «لأنها باهظة الثمن، ويصعب العثور عليها في السوق المحلية».

يقضي الموظفون ساعات في مسح وجه المريض قبل استخدام الكمبيوتر لطباعة قناع مناسب تماماً للوجه.

ويضيف قرضايا أن القناع يعمل على «حماية الوجه من التشوهات والحفاظ على الوجه والشكل الجمالي قبل الحرق».

في عيادات «أطباء بلا حدود»، ارتفع عدد مرضى الحروق من 3675 في عام 2019 إلى أكثر من 5500 مريض في العام الماضي، أكثر من ثلثهم دون سن الخامسة.

ومن بين هؤلاء، ياسر خيلة، البالغ من العمر أربع سنوات. أصيب ياسر بحروق إثر انسكاب الحساء الساخن عليه. وبعد أن أعطته والدته (دينا) مصاصة يلهو بها، شكت الأم من الأثر النفسي للحادثة التي جعلته «حساساً جداً، ويريدني دوماً بجانبه».

وعلى الرغم من العقبات والعجز في الامكانات أمام تدفق المرضى، يقول الأطباء إنهم يعتمدون على ثروة خبراتهم. وفي مستشفى الشفاء، يقول الطبيب العصار، وهو يشير إلى الطفل الذي خرج من غرفة العمليات بعد أن استلقى تحت ملاءة زرقاء بلون السماء: «مع العلاج والمتابعة الدقيقة يتعافى الطفل».

• تتفاقم معاناة مرضى الحروق بسبب ضعف الإمكانات، مثل عدم توافر جلد اصطناعي، وهو واحد من جملة تحديات تواجهها أقسام الحروق في مستشفيات قطاع غزة، التي تستقبل آلاف المصابين بالحروق سنوياً.

طباعة