بعد وفاة إليزابيث..

الغموض يكتنف مستقبل التاج البريطاني أكثر من أي وقت مضى

صورة

رحلت الملكة إليزابيث الثانية، ملكة بريطانيا، يوم الخميس الماضي، عن عمر ناهز 96 عاماً، تاركة وراءها تاريخاً حافلاً بالأحداث، خلال الفترة الطويلة التي تربعت فيها على عرش البلاد.

والآن وبعد رحيلها بدأت علامات استفهام تفرض نفسها حول مستقبل بريطانيا، من بعد إليزابيث التي لطالما اعتبرت بمثابة «رمانة الميزان» للحياة السياسية في البلاد، على مدار سنوات عدة.

وقالت الكاتبة ياسمين سرحان، في تقرير نشرته مجلة «تايم» الأميركية: «إن العبارة شبه العالمية التي ترددت في تأبين الملكة الراحلة إليزابيث الثانية، كانت دورها رمزاً للاستقرار في بريطانيا، وكذلك شخصية ثابتة في عالم متغيّر بشكل متزايد».

نقطة مرجعية

وقد وصفها رئيس الوزراء السابق، بوريس جونسون، في تأبينه لها يوم الجمعة: «إنها كانت نقطة مرجعية إنسانية لا تتغير في الحياة البريطانية».

وتقول سرحان: «إن الملكة كانت أيضاً نجمة بريطانيا ومصدراً للراحة، في وقت يبدو فيه أن الاضطرابات لا تنتهي، أكثر من كونها مجرد وجه رمزي للأمة. والتحدي الذي يواجه البلاد الآن هو كيفية المضي قدما من دونها».

وتضيف أنه «في حين أن الطريق إلى الأمام بالنسبة لبريطانيا واضح، (حيث مر عليها ذلك مرات عدة من قبل)، فإن مستقبل الملكية البريطانية يبدو أقل يقيناً».

ويرث الملك تشارلز الثالث العرش في وقت لايزال فيه النظام الملكي كمؤسسة يحظى بدعم واسع النطاق في بريطانيا، مع أغلبية طفيفة من 62% مؤيدة، وفقاً لاستطلاع للرأي أجري في يونيو.

لكن تدفق الدعم والإعجاب بالملكة لا ينبغي أن يختلط بالدعم الثابت للعائلة المالكة ككل، خصوصاً بعد التداعيات الأخيرة حول معاملة الأمير هاري وميغان، فضلاً عن مزاعم الاعتداء الجنسي التي تواجه ابنها الأمير أندرو.

وتقول سرحان: «إن أكبر اختبار يواجه الملك الجديد هو ما إذا كان بإمكانه محاكاة صورة والدته للاستقرار، والحفاظ على المؤسسة التي قضت كثيراً من حياتها في محاولة حمايتها».

إن الملكة، التي اعتلت العرش في سن 25 عاماً فقط، كان لديها عمر لإثبات نفسها. ولن يتمتع تشارلز، الذي يبلغ من العمر 73 عاماً، وهو أكبر ملك عمراً يعتلي العرش في التاريخ البريطاني، بالميزة نفسها. لقد تشكلت الكثير من صورة تشارلز العامة، من خلال فترة عمله أميراً لويلز، بما في ذلك فترات قاسية من حياته الخاصة، من بينها علاقته مع كاميلا باركر بولز، التي تأخذ الآن لقب الملكة كونسورت (عقيلة الملك)، وانفصاله عن الأميرة ديانا، إضافة إلى مواقفه الصاخبة بشأن قضايا واسعة النطاق، مثل: تغيّر المناخ، والتحوط، والصين، وأساليب الحكومة البريطانية المثيرة للجدل لعرقلة الهجرة.

وفي حين حافظت الملكة على سمعة الحياد، واختارت أن تسمو فوق الخلاف وترك السياسة للسياسيين، فعل الأمير تشارلز العكس تماماً، حتى أنه ذهب إلى حد الخوض في أعلى مستويات السياسة عندما كتب سلسلة من الرسائل في عامي 2004 و2005 تُعرف باسم «مذكرات العنكبوت الأسود»، ضغط فيها على وزراء الحكومة بشأن عدد من القضايا.

ميول ناشط

ويقول الخبير في شؤون العائلة المالكة، ريتشارد فيتزويليامز: «تشارلز لديه ميول ناشط. ربما لأنه بالنسبة للغالبية العظمى من فترة حياته، كانت وظيفته الأساسية هي متابعة اهتماماته من خلال مؤسساته وجمعياته الخيرية المختلفة».

وقال بروك نيومان، وهو مؤرخ معني بشأن بريطانيا الحديثة المبكرة في جامعة فرجينيا كومنولث، لمجلة «تايم» إن «تشارلز ليس لديه المستوى نفسه من الغموض الذي اكتسبته الملكة إليزابيث الثانية، بنجاح كبير على مدى حياتها». وبعيداً عن حبها لكلاب الكورجي والخيول «كانت إليزابيث حريصة جداً على عدم التعبير عن موقف بشأن الكثير من الاشياء. لقد أصبحت رمزاً في جميع أنحاء العالم، لأن الناس يمكنهم إسقاط آمالهم وأحلامهم وأوهامهم وغضبهم عليها وعلى المؤسسة، لأنها جسّدت التاج بطريقة أعتقد أنه سيكون من المستحيل على تشارلز القيام بها، لأنه يمثل بالفعل أشياء معينة».

ولكن لكي يستمر النظر إلى النظام الملكي على أنه مصدر للوحدة الوطنية، ولكي يتمكن الملك من القيام بواجباته الاحتفالية دون دعوة إلى مزاعم بالحزبية، وهو أمر حتى في بعض الأحيان كان يطارد عهد والدته المحايد بشكل صارم، قال فيتزويليام: «إن الملك الجديد سيحتاج إلى إبقاء آرائه تحت السيطرة. وقد اعترف تشارلز بهذه الحقيقة في الماضي، وفي أول خطاب وطني له منذ اعتلائه العرش، اعترف بأنه مع تغير دوره، لن يكون من الممكن بالنسبة له بعد الآن أن يعطي الكثير من وقته وطاقاته للجمعيات الخيرية والقضايا التي يهتم بها بعمق».

الحفاظ على القيمة الرمزية

إن الحفاظ على القيمة الرمزية للعائلة المالكة ليس سوى جزء من تحدي الملك الجديد. ومن الأمور الأخرى ضمان بقاء المؤسسة ملائمة للغرض في وقت تبدو فيه الملكيات وامتيازات الوراثة عفا عليها الزمن على نحو متزايد. هنا، كان تشارلز ووالدته إلى حد كبير في حالة انغلاق. وأدرك كلاهما حتمية تقليص العائلة المالكة، سواء من حيث الكلفة على دافعي الضرائب أو المظهر العام، بما يتماشى مع الرأي العام. وفي عهد تشارلز، يتوقع أن يتم أخذ هذا الجهد إلى أبعد من ذلك، من خلال تقليص العائلة المالكة إلى سبعة فقط من أفراد العائلة المالكة العاملين النشطين المكلفين بالمشاركة في الارتباطات الرسمية، ومقابلة كبار الشخصيات الأجنبية، وتمثيل الملك في غيابهم، بانخفاض عن الـ10 الحاليين.

ولكن على عكس والدته، لن يتحمل تشارلز عبء رعاية التاج على مدى السنوات الـ70 المقبلة. إنه يحتاج فقط إلى القيام بذلك لفترة طويلة، بما يكفي لنقله إلى الجيل التالي في حالة سليمة.

 لكي يستمر النظر إلى النظام الملكي على أنه مصدر للوحدة الوطنية، ولكي يتمكن الملك من القيام بواجباته الاحتفالية دون دعوة إلى مزاعم بالحزبية، وهو أمر كان يطارد عهد والدته المحايد بشكل صارم أحياناً، سيحتاج الملك الجديد إلى إبقاء آرائه تحت السيطرة.

الملكة كانت نجمة بريطانيا ومصدراً للراحة، في وقت يبدو فيه أن الاضطرابات لا تنتهي، أكثر من كونها مجرد وجه رمزي للأمة. والتحدي الذي يواجه البلاد الآن هو كيفية المضي قدماً من دونها.

العبارة شبه العالمية التي تردّدت في تأبين الملكة الراحلة إليزابيث الثانية، كانت دورها رمزاً للاستقرار في بريطانيا، وكذلك شخصية ثابتة في عالم متغيّر بشكل متزايد.

طباعة