أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي

ملك و13 سفيراً شهدوا حفل أم كلثوم الباريسي عام 1967

صورة

كشف كتاب، صدر أخيراً في القاهرة، عن كواليس حفلات أم كلثوم، التي أدتها عقب هزيمة 1967، لدعم المجهود الحربي لمصر في المحافظات المصرية والدول العربية والعالم الخارجي، والتي كان أبرزها «حفلة باريس»، التي تدافعت إليها جموع الجاليات العربية من كل أنحاء أوروبا. وامتاز الكتاب الذي حمل اسم «أم كلثوم وسنوات المجهود الحربي»، للكاتب كريم جمال، والصادر عن «تنمية»، بأنه لم يتطرق فقط إلى حجم الأموال الهائلة والمشغولات الذهبية التي جلبتها الجولات الكلثومية، بل إنه قدم إضاءة أيضاً للأوضاع السياسية لتلك الفترة، وواقع التشابك بين الفن والسياسة، والتفاصيل الخاصة بشخوص تلك المرحلة.

وكشف الكتاب أن «أم كلثوم» والتي كانت قريبة من هرم السلطة مطلع عام 1967، تقدمت بطلب رسمي في 7 يونيو 1967 إلى القيادة العامة العسكرية، للسماح لها بالسفر إلى الجبهة المصرية مع إسرائيل، ومخاطبة الجنود على أرض المعركة، «لكن خطورة الموقف حالت بين رغبتها وتنفيذ الطلب»، فاستبدلت ذلك «بتوجيه سبعة نداءات بثتها من إذاعة (الشرق الأوسط) إلى الجنود، يتبعها بث أغنيات حماسية لها، لرفع روحهم المعنوية»، كما أنها كانت قد أصرت قبلها بأيام، وتحديداً في 27 مايو 1967، «على مقابلة القائد العام للقوات المسلحة وقتها، المشير عبدالحكيم عامر، ليطمئنها على حقيقة الموقف «قبل أيام من الحرب، وسمح لها بالمقابلة التي استغرقت ربع ساعة»، بحسب رواية الصحافي المصري محمد حسنين هيكل.

وتطرقت السطور إلى الأجواء التي تلقت فيها أم كلثوم أنباء هزيمة 1967، ونزولها إلى «بدروم» فيلتها، عقب انتهاء خطاب الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، الخاص بالتنحي، وانفجارها بالبكاء، وضربت حول نفسها عزلة قاتلة عقب معرفتها بالهزيمة، حيث أغلقت الأبواب، وربطت رأسها بمنديل، وأحجمت عن التحدث مع الجميع.

وتتبعت الفصول بعد ذلك مسعى أم كلثوم لمواجهة الهزيمة، حيث قررت «جمع مليون جنيه لدعم المجهود الحربي عبر 24 حفلة في 24 مدينة مصرية»، كبداية لحملة أوسع، كانت بدايتها تحويل شيك قيمته 20 ألف جنيه إسترليني وصلها من الكويت، نظير أعمال فنية قامت بها، إلى المجهود الحربي، ثم تشكيلها بعد ذلك كياناً نسوياً تنظيمياً يدعى «هيئة التجمع الوطني للمرأة المصرية»، تفرعت عنه لجنة للتبرعات، وأخرى للمستشفيات، وثالثة لمحاربة الشائعات، ورابعة للاتصالات، هذا علاوة على لجان جمع الأموال والمشغولات الذهبية والتي كانت بدأت قبلها بحملة «تبرع بدبلتك الزوجية».

ويغوص الكتاب في طرائف تفاصيل الحفلات، حيث يتابع صيحات أشهر مشجعي أم كلثوم في تاريخها، وهو الحاج حافظ عبدالعال، الذي ظل يتابعها منذ عام 1939، مثل صيحته في إحدى الحفلات (ياست يالللي لاقبلك ولا بعدك)، وصيحته في حفلة أخرى «يا سلام يا أستاذة... أستاذ جامعي والله»، وقوله في حفلة دمنهور «الست جعلت الدمنهوري ينطق الراء»، في إشارة إلى ميل أبناء محافظة دمنهور المصرية إلى عدم نطق الحرف الأخير أثناء الكلام.

ونقلت السطور عن طبيب عبدالناصر الخاص د.منصور فايز، أن الرئيس المصري الراحل، وإشفاقاً على أم كلثوم في هذه الحفلات التي أقامتها للمجهود الحربي، طلب منها أن تكتفي بوصلتين غنائيتين فقط، وليس ثلاثاً، وأنها التزمت ذلك.

ويولي الكتاب أهمية خاصة لحفلة فرنسا، التي اكتسبت شهرة عالمية لما رافقها من زخم عربي واسع حولها في أوروبا، بما مثلت نوعاً من محاولة بث الأمل بعد هزيمة 1967. وكانت ترتيبات الحفل في الأصل قد بدأت قبل 1967 حين حاول مدير مسرح أولمبيا، برونو كوكا تريكس، التعاقد معها في إطار مبادرة له للانفتاح الفرنسي على الثقافة العالمية، فاشترطت أم كلثوم أن تتقاضى 7000 جنيه إسترليني في الحفلة، على أن يتكفل كوكا تريكس بنفقة جميع أفراد فرقتها، وقد أطلقت شركة الطيران العربي التي نقلت أم كلثوم اسمها على الرحلة تكريماً لها.

وحول تفاصيل الحفل في العاصمة الفرنسية، تطرقت السطور إلى أن التذكرة التي كانت لا تزيد على 30 إلى 50 فرنكاً في المسرح الفرنسي الذي استضاف الحفل، وبلغت 300 فرنك في حفلة أم كلثوم، وحين نفدت التذاكر أصدر المسرح ما سماه بـ« التذاكر الواقفة»، والتي لا تمكن أصحابها من الجلوس، والتي بلغ سعرها 500 فرنك، ووصل الأمر من ندرة الأماكن أنه بعد أن اكتمل بيع التذاكر أن حاول شخص ثري شراء تذكرة بمبلغ 100 ألف فرنك، ففشل، ووصل بالمبلغ إلى 500 ألف فرنك، وفشل أيضاً، فما كان منه إلا أن أخرج مسدسه وهدّد بإطلاق الرصاص ما لم يجب طلبه، وانتهى الأمر بتدبير المسرح تذكرة له بين الواقفين، بعد أن تحول الموقف إلى قصة طريفة، كما شهد الحفل وقائع غير متوقعة مثل تقبيل شاب يدها، وانكباب آخر على تقبيل قدميها، بما تسبب في وقوعها على الأرض.

وعلى الصعيد الرسمي، فقد حفلت المقاعد الأمامية بوجود شخصيات مهمة، من أبرزها الملك الأردني الراحل الحسين بن طلال، الذي تصادف وجوده في باريس، و13 سفيراً عربياً، من بينهم ممثل جامعة الدول العربية في باريس، كما حضرت على الصعيد الشعبي أعداد مقدرة من الجالية العربية بفرنسا، ومن الجاليات العربية في أوروبا، و500 يهودي شرقي، وفاجأت الحفل الفنانة فاتن حمامة، والتي كانت قد خرجت من مصر فيما يشبه الهجرة المؤقتة عام 1966، بسبب ارتباطها بالنجم عمر الشريف، بما أحدث أزمة سياسية، والتي قالت لأم كلثوم بمجرد رؤيتها «كنت مشتاقة بشكل جنوني لزيارة القاهرة، فلما رأيتك أحسست أن أغنياتك نقلت القاهرة إلى باريس».

الجدير بالذكر، أن الحفل ، بحسب الكتاب ، قد تسبب في مشكلتين، الأولى اعتراض كوكا تريكس على طريقة نقل الإذاعي جلال معوض الحماسية للحفل، حيث رفض الأول عبارة معوض القائلة «اليوم تشدو أم كلثوم في عاصمة النور باريس، وغداً تشدو في القدس المحررة»، مصرّاً على أن الحفلة «فنية وليست سياسية»، الأمر الذي لم يرق لأم كلثوم، مصرّة على القول، بحسب رواية الكاتب محمد سلماوي، الذي كان موجوداً، أن «الحفل وطني، وأنها جاءت لدعم المجهود الحربي لبلادها»، ومهددة بالانسحاب الفوري لولا قيام كوكا تريكس بالاعتذار. أما الأزمة الثانية، فقد نشأت عن غضب أم كلثوم بسبب عدم استقبال السفير المصري عبدالمنعم النجار شخصياً لها، وإيفاده المستشار الثقافي بدلاً منه، وإبلاغها هذا الاستياء لعبدالناصر عند إقامة مأدبة عشاء لها في منزله بعد عودتها من فرنسا، الأمر الذي تسبب في نقل النجار إلى موقع آخر، بحسب رواية الإعلامي المصري، ومترجم أم كلثوم أثناء الحفل، علي السمان.

طباعة