بعد انسحاب لندن من المشروع العلمي الأوروبي

علماء وباحثون في بريطانيا يواجهون خيارات صعبة

صورة

يواجه العلماء في بريطانيا خيارات صعبة بشأن مستقبل مشروعاتهم البحثية الرائدة عالمياً، إذ تقترب المملكة المتحدة من مغادرة خطة تمويل البحث والتطوير الضخمة في الاتحاد الأوروبي، هذا الخريف.

وأدى قرار الحكومة البريطانية إطلاق محادثات نزاع رسمية مع بروكسل بشأن المشروعات العلمية، في الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك برنامج «هورايزون يوروب»، الذي تبلغ كلفته 95.5 مليار يورو؛ إلى تعميق المخاوف بين الباحثين والجامعات من أن المملكة المتحدة تستعد للانسحاب تماماً.

واختارت المفوضية الأوروبية ربط مشاركة بريطانيا، التي تم الاتفاق عليها مسبقاً، في مشروعات «هورايزون يوروب»، بالخلاف المستمر حول ترتيبات التجارة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في أيرلندا الشمالية. وفي نزاع مرير على نحو متزايد، لا يبدو من المرجح أن يتراجع أيٌّ من الجانبين.

وسيجري الجانبان محادثات أزمة، في بروكسل، في غضون الـ30 يوماً المقبلة، لكن احتمالات التوصل إلى حل سريع ضئيلة. وستتطلب المرحلة التالية من التحكيم تعيين لجنة مستقلة، والتي سيتم منحها بعد ذلك أكثر من ثلاثة أشهر للتوصل إلى قرار.

وتقول حكومة المملكة المتحدة إن الباحثين والشركات بحاجة ماسة إلى اليقين بشأن تمويلهم، وتشير إلى أنها قد تتخلى رسمياً عن برنامج «هورايزون يوروب»، الشهر المقبل، وإنشاء بديل محلي دون عناء الذهاب إلى التحكيم. ومن غير المرجح أن يكون المخطط المحلي في المملكة المتحدة بديلاً للبرنامج الأوروبي، الذي يمول مشروعات تغطي مراكز بحثية مختلفة عبر العديد من البلدان الأعضاء. ومن غير المرجح أن تنضم المملكة المتحدة إلى برامج بروكسل، حتى يتم على الأقل وضع ميزانية الاتحاد الأوروبي التالية في عام 2028، إن لم يكن بعد ذلك.

نفوذ سياسي

بدأ بعض الباحثين، المحبطين من الوضع الراهن، في حزم حقائبهم. ومن بين هؤلاء، الباحث في الملاريا في معهد فرانسيس كريك في لندن، موريتز تريك، وهو واحد من العديد من العلماء الرائدين على مستوى العالم في بريطانيا، والذين حصلوا على منحة «هورايزون يوروب»، بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فقط ليتم إخطاره لاحقاً من قبل المفوضية الأوروبية، بأنه يجب عليه إما الهجرة إلى بلد آخر، مرتبط بالبرنامج العلمي الأوروبي، أو يتخلى عن الأموال الأوروبية تماماً، إضافة إلى تخليه عن الفرصة الفريدة لقيادة المشروع الذي صمّمه.

وقال تريك إنه وجد الآن مؤسسة بحثية في دولة مشاركة أخرى، لاستضافة بحثه الرائد، حول كيفية تعديل طفيليات الملاريا المتسببة في المرض لدى البشر، والذي حصل على منحة قدرها مليونا يورو، من قبل مجلس الأبحاث الأوروبي، التابع للبرنامج الأوروبي، ويستعد الآن لمغادرة المملكة المتحدة إلى الأبد.

ويقول الباحث البريطاني: «لقد أصبحنا جزءاً من السجال السياسي بشأن بروتوكول أيرلندا الشمالية، لكن لا أحد يستفيد من هذا السجال»، متابعاً «إنه أمر غبي تماماً، ولكنني لا أعتقد أن حكومة المملكة المتحدة ستغير رأيها بشأن البروتوكول لمجرد وجود عدد قليل من الحاصلين على تمويل مجلس الأبحاث الأوروبي»، متابعاً «نحن سمكة صغيرة في لعبة كبيرة».

وترتب على هذا الوضع تهافت الجامعات والمراكز البحثية، في جميع أرجاء أوروبا، على الباحثين الممولين أوروبياً، في بريطانيا، سعياً للاستفادة من خبراتهم. ويؤكد تريك أن مؤسسات أوروبية تواصلت معه في سعيها لجذب مواهب جديدة.

إجراء شكلي

تلقى هندريك أولبريخت، وهو عالم فيزياء بجامعة ساوثهامبتون، عروضاً متعددة من الخارج. وفي وقت المقابلة معه، كان يستقل رحلة إلى ألمانيا، موطنه الأصلي، لمناقشة فرصة لنقل بحثه «استخدام الجسيمات المرفوعة لإنشاء مستشعرات جاذبية شديدة الحساسية»؛ وهي تقنية يأمل أولبريخت استخدامها يوماً ما لاكتشاف الكتل تحت الأرض، مثل رواسب النفط.

ونجح فريقه في التقدم بطلب الحصول على منحة من مجلس الابتكار الأوروبي، في ربيع عام 2021، عندما بدا أن ارتباط المملكة المتحدة في «هورايزون يوروب» كان مجرد إجراء شكلي. ولكن في نهاية العام الماضي، وبناءً على إشعار من المفوضية، سلّم دوره القيادي إلى زميل إيطالي وجلب شريكاً جديداً من ألمانيا. وقد أدى ذلك إلى تأخير بدء المشروع حتى أكتوبر 2022.

وفي ذلك يقول أولبريخت: «كانت ضربة كبيرة»، موضحاً «لقد أطلقت المشروع بشكل أساسي واخترت الشركاء، وكنت أتطلع إلى التنسيق مع الأطراف المشاركة في المشروع. إنه كارثي بالنسبة لي».

لكن السفر إلى الخارج هو نداء صعب. ويتضح من المقابلات المتعددة التي أجريت، أن المملكة المتحدة تمكنت من التخفيف من هجرة الأدمغة، بالاعتماد على تعهدات كبيرة للتمويل المتطابق والتميز المستمر لجامعاتها، لإبقاء بعض العلماء المحبطين في مكانهم.

وقد التزمت الحكومة بتقديم المنح نفسها لبعض الباحثين، بمن في ذلك أولبريخت؛ وهي منح كانوا سيحصلون عليها من الاتحاد الأوروبي، وإن كان ذلك بشروط معينة. ويبدأ أولبريخت، الآن، التعامل الشاق مع بيروقراطية الإدارة البريطانية، للاستفادة من ضمان التمويل هذا. وقال: «لايزال هناك الكثير من المجهول حول كيفية الحصول على التمويل»، متابعاً «حتى الآن لم أتلقّ الأموال».

من جهته، اختار كريس دراكلي، وهو باحث الملاريا في كلية لندن للصحة والطب الاستوائي، البقاء في المملكة المتحدة، لكنه اضطر، أيضاً، إلى تسليم قيادة مشروعه الخاص إلى زميل بمعهد باستور، في باريس.

شؤون عائلية

قررت الباحثة في «إمبريال كوليدج لندن»، تيريزا ثورستون، البقاء في بريطانيا، للإشراف على مشروعها الذي يبحث في كيفية تفاعل مسببات الأمراض البكتيرية مع الاستجابة المناعية. وحصلت على منحة بقيمة 1.5 مليون يورو من المجلس الأوروبي للأبحاث، في يناير، والتي ألغيت، الآن، بالتزامن مع عروض من الجامعات الإسبانية.

ولأنها أم لثلاثة أطفال صغار، قالت ثورستون، إن الباحثين الذين لديهم عائلات هم ببساطة أقل قدرة على الحركة. وبموجب قواعد المجلس الأوروبي للأبحاث، يجب أن يقضي المستفيدون نصف وقتهم في أحد البلدان ذات الوضع الكامل أو المرتبط ببرنامج «هورايزون يوروب». وأوضحت ثورستون «الأمر صعب للغاية إذا كانت لديك عائلة»، موضحة «لدي مختبر مموّل من منح أوروبية، هل يمكنني نقله؟».

وكان للعائلة، أيضاً، تأثير كبير في قرار ديفيد أورتن، الذي قرر البقاء في جامعة يورك ورفض منحة المجلس الأوروبي، التي تم تقديمها لدعم دراسته للمستوطنات البشرية الأوروبية والصلات بينها، من خلال الحمض النووي. وقال أورتن إنه «تألم لبعض الوقت»، بشأن قرار توقف التعاون بين المملكة المتحدة والمجلس الأوروبي للأبحاث، وتلقى عروضاً مختلفة، بما في ذلك عرض من الدنمارك. ولكن الشعور بالولاء تجاه قسم جامعته، وحبه ليورك، وإمكانية الحصول على أموال بديلة، في المملكة المتحدة، أقنعه بالبقاء، إضافة إلى عدم وجود بديل جيد مهم.

وفي ذلك، قال أورتن إن المؤسسات التي تواصل معها، إما لم تكن لديها التسهيلات أو الخبرة اللازمة لتحليل الحمض النووي، أو أن طرحها لا يتناسب معه. وقال الباحث البريطاني، إن الانتقال «كان سيؤثر في المشروع».


المملكة المتحدة تمكنت من التخفيف من هجرة الأدمغة، بالاعتماد على تعهدات كبيرة للتمويل لجامعاتها لإبقاء بعض العلماء المحبطين في مكانهم.

الحكومة البريطانية التزمت بتقديم المنح نفسها لبعض الباحثين، التي كانوا سيحصلون عليها من الاتحاد الأوروبي، وإن كان ذلك بشروط معيّنة.

95.5

 

مليار يورو كلفة برنامج «هورايزون يوروب» للأبحاث والتعاون العلمي في الاتحاد الأوروبي.  

طباعة