يقع في البنجاب الباكستانية

مُسنّة هندية تعود إلى منزل طفولتها بعد 75 عاماً من التقسيم

صورة

لعقود من الزمن، ظلت رينا فارما تسترجع في ذاكرتها المنزل الذي نشأت فيه في «روالبندي». وكانت تتجول في الممر الضيق الذي يقود إلى المنزل المكوّن من ثلاثة طوابق، وتستكشف الغرف التي عاشت فيها مع أشقائها الخمسة ووالديها وخالتها طوال الـ15 عاماً الأولى من حياتها. ولكن هذا المنزل أصبح يقع منذ 75 عاماً عبر حدود وطنية لا يمكن اختراقها، على ما يبدو، ولم يكن بإمكان فارما زيارته، ولم يتسنَّ لها ذلك حتى يوليو من هذا العام، وصار مجرد ذكرى مؤلمة. والآن تبلغ فارما من العمر 90 عاماً، لكنها لاتزال مليئة بالنشاط والحيوية. وساعدتها فرصة لقاء عبر مجموعة على «فيس بوك»، في العثور على منزل العائلة، الذي أجبرت على تركه قبل عشرات السنين، وزيارته، والذي يقع في باكستان.

وقالت العجوز الهندية في وصفها لعودتها العاطفية: «فكرت في أن هذا هو السبب في أنني مازلت على قيد الحياة. لذا يمكنني أخيراً العودة إلى المنزل». وبعد مرور سنوات لم يتبقَّ أحد في الممر الذي عرفته فارما في طفولتها، لكن السكان المحليين استقبلوها بترحيب حار كواحد منهم.

وكان الأمر قد انتهى بالتقسيم الذي فصل شبه القارة الهندية عبر خطوط طائفية. وكانت روالبندي، المدينة الصاخبة في البنجاب، حيث عاشت فارما ضمن أسرة هندوسية، واحدة من المدن التي انتهى بها المطاف في جمهورية باكستان الإسلامية، المنشأة بعد أغسطس 1947. وأصبحت ولاية البنجاب مركزاً للعنف الرهيب، وأغلبية سكانها من المسلمين، غارقة في عمليات القتل الجماعي، حيث طُرد الهندوس والسيخ من ديارهم وفروا عبر الحدود إلى الهند.

وأثناء نشأتها، تتذكر فارما الحياة السلمية بين عائلتها الهندوسية وجيرانهم المسلمين والسيخ، الذين غالباً ما كانوا يأتون إلى منزلهم لتناول أكواب الشاي ولحضور الاحتفالات. ولكن بحلول مارس 1947، تذكرت فارما الخوف الذي كان يسيطر على الهندوس الذين يعيشون في المنطقة. وكان الجيران يقومون بدوريات في حاراتهم، ويتم إطلاق صافرات الإنذار في حالة وصول المهاجمين المسلمين في الليل. وفي النهاية، في مايو 1947، قرر والدا فارما إرسال أطفالهما إلى مدينة شيملا، وهي مكان في سفوح جبال الهيمالايا، حيث سيذهبون لقضاء عطلة. وكانت فارما تبلغ من العمر 15 عاماً، فقط، في ذلك الوقت، ولم تحزم سوى عدد قليل من أغراضها، على افتراض أنها ستعود في غضون أسابيع قليلة. وتبعهم والداها بعد فترة وجيزة؛ ولم يكن لديهم أدنى فكرة بأنهم لن يروا منزلهم مرة أخرى.

شيء مفقود

وبعد عام 1947، أصبح من الواضح أنه من غير المعقول العودة إلى روالبندي. وقالت فارما: «لقد ترك والداي كل شيء وراءهما وكانا يعانيان بشدة»، متابعة «لسنوات، ظل والداي يعتقدان أننا سنعود». ولأنها كانت عالقة دون منزل، مع ترك كل ممتلكاتها وأموالها، انتقلت عائلة فارما في النهاية إلى بيون، في ماهاراسترا. ومع مرور السنين، بدأت فارما تتوق لمنزلها، وفكرت كثيراً في إيجاد طريقة للعودة. ولكن دون أي اتصالات متبقية في روالبندي، ودون أي وسيلة لمعرفة ما إذا كان منزلها لايزال قائماً، واصلت حياتها. وتزوجت وأنجبت طفلين، رغم أنها «شعرت دائماً أن هناك شيئاً مفقود».

ولكن حياة فارما تغيرت بعد انضمامها إلى مجموعة على «فيس بوك»، تسمى «نادي التراث الهندي الباكستاني». وكتبت عبارات حول منزلها القديم في روالبندي، تصف بالتفصيل موقعه والمعالم القريبة، متسائلة عما إذا كان بإمكان أي شخص المساعدة في تعقبه. وتولى عضو آخر في المجموعة، يسكن في روالبندي، المهمة؛ وأرسل لها رسالة مفادها أنه وجد منزلها القديم، والذي كان، بأعجوبة، لايزال قائماً.

كرم الضيافة

استغرق الأمر طلبين، تم رفضهما، قبل أن تصل قضية فارما إلى مكتب وزير الخارجية الباكستاني، لتحصل بعدها على تأشيرة دخول. وفي يوليو، عبرت الحدود للمرة الأولى منذ 75 عاماً. ولم تكن فارما مستعدة للاحتفال الذي أقيم لاستقبالها، فقد رافقتها الطبول والغناء، وهي تسير في حارة منزلها القديم، وتوافد العشرات من السكان للترحيب بها، ما دفعها إلى عناق شديد.

وقالت: «ليس لدي كلمات للتعبير عن شعوري»، متابعة «تم كل شيء بسعادة بالغة، وكان هناك ترحيب حار عندما وصلت إلى هناك، ولم أصدق أن المنزل كان في حالة ممتازة». وأضافت «يتحدث الناس عن الهند وباكستان كجزأين مقسمين، لكن عندما تذهب إلى هناك، تحصل على الكثير من الاحترام، وكرم الضيافة، كرم ضيافتهم لن تنساه أبداً». وقامت الأسرة التي تعيش الآن في المنزل بتهيئته ليلاً. ومع ذلك، انتاب فارما الحزن وهي تتجول في الغرف وتقف في الشرفة «كنت أفتقد عائلتي كثيراً. تمنيت لو كانوا هناك أيضاً».

• مع مرور السنين، بدأت فارما تتوق لمنزلها، وفكرت كثيراً في إيجاد طريقة للعودة.


لحظة عاطفية

كانت لحظة عاطفية بالنسبة لعمران ويليامز، الذي أنشأ صفحة «نادي التراث الهندي الباكستاني» على «فيس بوك»، وكان هناك لتحية فارما عند وصولها إلى روالبندي. وقال ويليامز: «كان الأمر كما لو كنت أتجول مع جدتي في منزل أجدادها»، متابعاً «لم يكن بإمكاني إعادة جدتي إلى منزل أجدادها، قبل أن تموت، وهذا يؤلمني؛ لذا أحاول الوفاء بهذا الواجب من خلال مساعدة الآخرين، والعثور على منازلهم وقراهم وجذورهم».

وقالت فارما إنها تأمل في أن تكون رحلتها مثالاً لحكومتي الهند وباكستان، لأهمية تنحية خلافاتهما السياسية جانباً، والسماح للآخرين بالسفر عبر الحدود. وتابعت: «وجهة نظري هي أنه بعد 75 عاماً، يجب ألّا نستمر في الحديث عن التقسيم، ويجب أن ننسى تلك الانقسامات، فالناس متآلفون جداً على كلا الجانبين، وعلى كلا الطرفين، هناك أناس يائسون للقاء بعضهم بعضاً».

لمّ شمل العائلات

تمت مشاهدة مقطع فيديو على موقع «يوتيوب» مئات الآلاف من المرات. ويظهر المقطع رجلاً مسناً ذا لحية بيضاء طويلة وعمامة سوداء يعانق أخته للمرة الأولى منذ انفصالها عن عائلتها، قبل 75 عاماً. والتقيا في مايو عند معبر حدودي بين الهند وباكستان. وممتاز بيبي، التي ترتدي حجاباً وردياً هي باكستانية مسلمة، بينما شقيقاها جورموخ سينغ وبالديف سينغ، اللذان كانا هناك على الحدود لمقابلتها، من الهنود السيخ.

وكان الحدث الذي فصل بيبي عن عائلتها في عام 1947 له أبعاد كارثية. وأثار التقسيم واحدة من أكبر الهجرات في القرن العشرين، إذ فرّ نحو 10 ملايين شخص عبر الحدود المرسومة حديثاً: الهندوس والسيخ إلى الهند، والمسلمون إلى باكستان؛ وربما قُتل مليون شخص.

وتمزقت عائلات مثل عائلة سينغ. وعندما فر والد بيبي إلى الهند، قُتلت زوجته (والدة بيبي)، افترض والدها أن ابنته، التي كانت طفلة حينها، قد ماتت مع والدتها. ولكن وجدها زوجان مسلمان ملقاة بجانب والدتها المتوفاة، وقاما بتربيتها على أنها ابنتهما.

والرجلان الباكستانيان اللذان ساعدا في لمّ شمل بيبي مع شقيقيها، هما بابيندر سينغ وناصر ديلون، وهما صديقان اكتسبا شهرة في العثور على أفراد العائلة الواحدة الذين فُقدوا أثناء التقسيم. ويقول بابيندر سينغ: «نحاول إيجاد أحبائهم قبل فوات الأوان»، متابعاً «نريد إحلال السلام للأشخاص الذين ظلوا يتألمون منذ 75 عاماً».

 

بيبي تعانق شقيقها بعد عقود من الفراق.  أرشيفية


مداواة الجراح

قام بابيندر سينغ وناصر ديلون، وكلاهما في منتصف الثلاثينات من العمر، بإنشاء مقاطع فيديو تنتشر بسرعة. وعلى مدى السنوات الست الماضية، أنتجوا مقاطع الفيديو في استوديو مؤقت في مرآب يمتلكه ديلون، في مدينة فيصل أباد الصناعية، حيث يدير شركة عقارية. ويقومان بتحميل مقاطع الفيديو على قناتهم على «يوتيوب»، «بنجاب ليهار»، التي لديها نحو 600 ألف مشترك، وأكثر من 97 مليون مشاهدة. وتعرض مقاطع الفيديو أشخاصاً يتحدثون عن فقدانهم لأفراد عائلاتهم أثناء فوضى التقسيم. وفي بعض الحالات المحظوظة، يساعد المشاهدون في تعقّب الأحباء المفقودين. ويقوم سينغ وديلون، أيضاً، بالاتصال بشبكة اتصالاتهم الخاصة في الهند، والتي تم إنشاؤها عبر سنوات من البحث.

ويقول سينغ إن مقاطع الفيديو انتشرت على نطاق واسع، لأن العديد من الباكستانيين والهنود يريدون مداواة جراح التقسيم. وتعكس التعليقات التي تركها مسلمون وهندوس وسيخ على قناة «يوتيوب»، هذه الرغبة.

طباعة